أنس أحد أصدقائنا،
طالب ثانوية عامة، يتطلع لدراسة السياسة في العام القادم، ويسأل عن ذلك.
إلى الأعزاء، طلاب
الثانوية العامة، الراغبين بدراسة هذا الفرع، إليكم بعض النقاط:
(1) السياسة هي كأي فرع من فروع المعرفة، تقوم على ركائز ثلاث:
علم، وشغف، ومهارة. فدراستك الجامعية تمنحك مفاتيح ولوج علم السياسة، ولكن تذكر أن
دراسة السياسة لن تنتهي بانتهاء الجامعة، فأنت طالب علم مدى عمرك كله. ما يتطلب
منك شغفاً وحباً واشتياقاً لمزيد من هذا العلم، لكنه لن يتبلور بشكل عملي، إلا حين
تمارسها واقعاً وتختبر ما تعلمته.
(2) تقوم السياسة على أربعة علوم أساسية: التاريخ،
والفلسفة/النظريات (سياسية واجتماعية)، والاقتصاد، والقانون (أكثره دولي). أي أنها
مفردات يتوجب عليك الغوص فيها جميعاً، وفي الكليات السياسية التي تقدم برنامجاً
كاملاً، فإنك ستدرس هذه المواد بشكل مفصل (عدة مواد لكل علم منها)، عدا عن مواد
أخرى كالجغرافيا وشيء من العقائد وفنون الإدارة والإعلام وسواها.
(3) سيكون عليك، قراءة الكثير والكثير، خارج منهجك الدراسي (ولكن
هذا ليس شرطاً دراسياً بل شرطاً لامتلاك المهارة الفكرية)، وسيكون عليك إعداد
أبحاث عدة في كل سنة دراسية.
(4) بعد أول عشرين محاضرة، ستعتقد أنك الأكثر فهماً وعلماً في
السياسة، وسيتعاظم معك هذا الإحساس إلى أن يصل إلى ذروته ساعة التخرج، وهو مقتلك
العلمي. لكن بمجرد أنك انطلقت في برنامج دراسات عليا، أو قاومت هذا الشعور، فإنك
ستدرك تدريجياً أنه كلما ازداد علمك ستجد أنك لا تملك إلا قليلاً، ليزداد نهمك.
(5) بالنسبة إلى مجالات العمل المستقبلي، فهي كالتالي:
- إما أن تواصل مسارك التعليمي، لتكون أكاديمياً لاحقاً، وهنا
المنافسة قليلة، لكن مشوارك طويل للغاية، ومرهق مالياً.
- وإما أن تنخرط في وظيفة حكومية أو في القطاع الخاص، وظيفة
إدارية، كما أي خريج جامعي، لتستخدم بعضاً مما اكتسبته، وتفقد كثيراً.
- وإما أن تتجه للعمل السياسي الداخلي (أحزاب ومنظمات)، صحيح أنك
تمتلك أساسات علمية، ما سيمنحك بعض التفضيل، لكنه مجال ليس حكراً على متعلمي
السياسة، بل مفتوح للكل، وسيبدع فيه من يملك قدرة على إدارة الموارد البشرية، لذا
نرى أن رجال الأعمال قادة سياسيون جيدون، أكثر من دارسي السياسة (قادة وليس باحثين
أو أكاديميين أو منظِّرِين).
- وإما أن تدخل مجال العمل البحثي والإعلامي، وبغض النظر عن
عوائقه الإدارية، لكن المشهد السوري اليوم، يعاني من تخمة مفرطة من هؤلاء الباحثين
المتطفلين، حيث أن كل خريجي الجامعات من كل الأقسام، بل وحتى من لم يحمل شهادة
جامعية، أصبح لديهم ميل للعمل البحثي السياسي، ما أنتج سيلاً معرفياً كثيرٌ منه لا
قيمة له. وعملية التوظيف في هذه المؤسسات غير احترافية وفاسدة، كما كل شيء تقريباً
في الثورة. ونأمل أن تتغير الصورة لاحقاً.
عموماً، العمل في
المجال البحثي غير مجدٍ مالياً، إلا بعد سنوات طويلة، في حال أثمر (هناك استثناءات
نتيجة فوضى الثورة).
(6) هذا العلم، يتضمن كثيراً من الأخلاقيات العلمية والعملية، لكنك
ستتفاجأ بكم الخروقات الأخلاقية.
(7) رغم شغفي الكبير بهذا العلم، إلا أنني لن أنصح أخاً/أختاً أو
ابناً/ابنةً بدراسته في ظل الظرف الحالي، سواء على مستوى المنفعة الشخصية (أنت
بحاجة إلى مصدر رزق بمجرد تخرجك)، أو على مستوى البلد (بحاجة إلى كفاءات طبية
وهندسية واقتصادية وقانونية بكل فروعها، أكثر من حاجتها إلى دراسي السياسة). أما
إن كنت تمتلك شغفاً كبيراً وإصراراً على دراسته، فعليك أن تكون راهباً/زاهداً
لسنوات.
