كيف
تقيّمون مستقبل العلاقات الروسية الأميركية في سوريا، فقانون قيصر بات تنفيذه
قريباً، وهو سيستهدف الدعم الروسي للنظام، فهل سنشهد تقارباً بين واشنطن وموسكو
تفرضه الظروف، أم نتوقع تصعيدا بين الجانبين وتأزما كبيرا من جديد في الملف
السوري؟
تشكل سوريا أحد ملفات
الاشتباك في السياسة الدولية بين الطرفين، دون أن يعني ذلك أن الطرفين يتجهان إلى
مواجهة مباشرة مسلحة أو سواها، فكما شهدنا طيلة السنوات الماضية، كان لكل منهما
مناطق نفوذ خاصة به، ففيما كان الأمريكيون مرتاحون لتورط روسيا أكثر فأكثر في
البيئة السورية كثيرة التعقيد، وبالتالي استنزاف الطاقات الروسية، ومنها تعطيل/تأخير
الروس عن الاشتغال في ملفات أكثر أهمية للأمن القومي الأمريكي (أوروبا الشرقية
مثلاً)، فإن الروس بدورهم كانوا راضين عن هذا الفراغ الذي خلّفه الأمريكيون
ليجعلوا من سوريا منصة جديدة في مسار عودتهم للفاعلية الدولية.
وقد استخدم كلا
الطرفين أدوات محلية وإقليمية لتحقيق مصالحه، لكنا علينا أن ندرك أن الأمريكيين
يبقون الأكثر فعالية وحسماً، رغم كل التدخل الروسي، وما يترافق معه من تدخل
إيراني، فلا يمكن أن نشهد أية تطورات في المنطقة، غير مقبولة أمريكياً.
بمعنى آخر، فإن الروس
ما زالوا يشتغلون ضمن الفجوات التي يسمح بها الأمريكيون، مع محاولة التوسع خارجها
بشكل محدود.
بناء على ذلك، يمكن
أن نقول إننا قد نشهد في المرحلة القادمة، توافقاً أمريكياً-روسياً على ترتيبات
المشهد السوري، يحفظ لكل منهما مكاسبه في المنطقة. ويتفق مع هذا الرأي، ما نراه من
تسريبات تزداد يومياً في الإعلام الروسي (شبه المضبوط من السلطة)، وواضح فيه وجود نية
روسية مبيتة للتخلي عن الأسد وليس عن النظام، لصالح إعادة إنتاج النظام، وهو أمر
ربما يتفق مع رؤية ترامب.
هذا التخلي الروسي عن
الأسد، لا يندرج فقط ضمن القلق من قانون قيصر، بل ضمن كثير من المسببات، على رأسها
أن الأسد لم يعد ذا جدوى للروس في سورية، بل عبئاً يصعب تحمل تكاليفه في المرحلة
القادمة، واستنزافاً للروس، وإشغالاً لهم عن ملفات جديدة يتم التحضير لفتحها في
المنطقة وخارجها.
بالنتيجة، ربما هي
المرة الأولى منذ عقد كامل، لا نذهب إلى تأزم جديد، بل إلى انفراجة مضبوطة دولياً،
بمعنى أنها انفراجة تتفق مع المصالح الدولية، وليس مع المصالح الثورية، لكنها
تحتاج إلى بعض المقدمات الأخرى (تفكيك النظام قليلاً، ونزاعات بينية، وضربات
عسكرية خارجية)، خلال الأشهر القليلة القادمة.
مداخلة
لصالح راديو روزنة
د. عبد القادر نعناع
باحث وأكاديمي سوري