هذا المنشور مخصص
للمصطلحات المستخدمة في الكتابة السياسية بشكل خاطئ، ومنها مثلاً:
إذا كنت لا تدرك
المعنى الدقيق للمصطلح الذي تستخدمه، فليس معيباً أن تبحث عن معناه، وأن ترى حينها
إن كان بإمكانك استخدامه، أم لا. ولا تجعل من إعجابك بمصطلح ما، سبباً في الكتابة،
أو مُشوِّهاً لمضمون المادة. وخصوصاً أن مسؤوليةً مهمةً تقع على عاتق المترجمين
الذين أساؤوا ترجمة المصطلحات نتيجة عدم وجود مُرَاجِعٍ سياسي يدقق أعمالهم. وهنا
أذكر بعض الاستخدامات الخاطئة:
(1) هناك فرق واسع جداً بين النظرية الواقعية، وبين سياسة الأمر
الواقع، فحين تقول إن الحكومة اتبعت نظرية واقعية في عمليات التفاوض، فأنت ترتكب
جريمة معرفية. فالأولى هي نظرية سياسية (ربما أضخم نظرية) في تحليل العلاقات
الدولية، لها أسس واسعة للغاية، ومدارس فرعية. أما ما تقصده بأن الاعتماد على
المعطيات الحالية في التعامل السياسي والنزول عندها، فهو اتباع سياسة الإقرار
بالأمر الواقع.
(2) الشمولية، هي سياسة تتبعها الدول الاستبدادية للسيطرة على كل
تفاصيل الحياة لمواطنيها، وليست مرادفاً لمعنى الإحاطة الشاملة بالموضوع قيد
الدراسة.
(3) العلمانية ليست أحد مرادفات الإلحاد، هي نظرية واسعة للغاية،
فيها العديد من المدارس، بعضها ملحد ومتطرف في إلحاده ومعاداته لكل الأديان، لكنها
في الأساس ليست كلمة بديلة عن الإلحاد، بل فصل الشأن الديني عن الشأن العام.
(4) الليبرالية كذلك ليست مرادفاً لا للعلمانية ولا للإلحاد، هي
مدرسة كبيرة للغاية، لها مدارس فرعية كثيرة، منها ما هو مختص بإدارة الدولة، ومنها
ما يتعلق بالأفراد، ومنها ما يدرس العلاقات الدولية. لكن بتبسيط شديد، هي النظرية
التي أسست للحريات الفردية والسياسية والاقتصادية. فحين تقول "إن الليبراليين
العرب يحاولون ترويج الليبرالية في بلداننا بهدف تحطيم القيم الدينية ونشر
الإلحاد" فهذا كفر معرفي.
(5) النظام الدولي مختلف عن النظام العالمي، فالنظام الدولي هو ذاك
المعني بالشأن السياسي بين الدول والفاعلين دون الدولة أيضاً (منظمات وتنظيمات)،
أما النظام العالمي، فهو ما يشمل كل الشأن العالمي، سياسياً واقتصادياً وبيئياً
وقانونياً وأفراداً وسوى ذلك.
(6) من الضروري التمييز بين التنافس والنزاع والصراع، سياسياً،
فالتنافس لا يحمل صبغة عسكرية في معظم الوقت، وغالباً ما يكون بين دولتين في/على
مصلحة محددة (مثل التنافس الأمريكي-الروسي)، والتنافس فعل مستمر ودائم في السياسة
الدولية. أما النزاع فهو يحمل أشكال المواجهة دون العسكرية، وقد تتطور قليلاً إلى
عسكرية محدودة، وهو إما بين دولتين متنافستين أو بين دولة معتدية وأخرى معتدى
عليها أو بين جارين، ويحيل المصطلح إلى وجود فرص للتسوية بين هذه الأطراف. في حين
أن الصراع يحمل طابعاً شاملاً بما فيه الطابع العسكري، ويحيل إلى عدم وجود إمكانية
للتسوية إلا بخسارة أحد الأطراف وفوز آخر، ويكون في معظم الأحيان بين معتدٍ ومعتدى
عليه. لذا في مصر يتم وصف القضية مع إسرائيل بأنها نزاع، في حين أننا في سورية كنا
نصفها بأنها صراع.
(7) من النقطة السابقة، ننتقل إلى مصطلح المعادلة الصفرية، الذي
يسيء البعض استخدامه، وهو باختصار يعني أن ما يربحه طرف يساوي ما يخسره طرف
(+10-10=0). ونستخدمه للدلالة على أن الطرفين المتصارعين يصران على أن يستسلم
أحدهما ويتنازل ويخسر ويقبل بالتسوية المفروضة عليه دون أية مكاسب حقيقية.
(8) التيار أكبر من الاتجاه، فالتيار يحيل إلى وجود نظرية أو مدرسة
كبرى، لها أتباع كثيرون للغاية، فمثلاً في الفكر العربي هناك أربعة تيارات:
الليبرالية، القومية، الإسلامية، الماركسية. لكن داخل كل تيار هناك اتجاهات متفرعة.
(9) حاول ألا تستخدم ما نسميه المصطلحات الصحفية، وهي المصطلحات
التي يكون الغرض منها تبسيط الفكرة وإيصالها للقارئ بغض النظر عن دلالاتها اللغوية
(التشبيه والاستعارة والكناية). ففي الكتابة السياسية، أنت مطالب باستخدام مصطلحات
يمكن التأكد من حقيقتها بالفعل (قياسها إجرائياً)، فمثلاً لا يمكن أن نتأكد إن
كانت إسرائيل قامت بفعل الاغتصاب (الجنسي) لفلسطين، لكن من السهولة الحديث عن
احتلال واستيطان. ومن ذلك ما يستخدمه البعض: الدولة تمد يدها، تم إجهاض المفاوضات،
الرقص على المتناقضات، اللعب في الوقت الضائع، المنطقة حبلى، كلها كلمات/مصطلحات
تقلل من الأهمية العلمية للمادة التي تحاول كتابتها.
(10) لا تستخدم كلمات عاطفية لا قيمة علمية لها، ولا يمكن قياسها،
من مثيل: الشعب المسكين، النظام الحاقد، الثورة المباركة. فمثلاً قد يسألك أحدهم
كيف أنها مباركة، وستضطر حينها للتبرير وتقديم شرح غير مقنع. عوضاً عن ذلك، يمكن القول:
الشعب المضطهد (يمكن تعريف الاضطهاد وقياسه)، النظام المجرم (يمكن تعريف الإجرام
وقياسه).
