في المنشورات التالية (عدة منشورات)، سأقوم بتحديد نصائح أساسية للكتابة السياسية، وهي وإن كانت مخصّصة للمقالة السياسية، إلا أن كثيراً من هذه النصائح يصلح تعميمه على البحث السياسي، وعلى المجالات غير السياسية أيضاً.
وتتمحور هذه النصائح حول ثلاثة محاور رئيسة متداخلة لا يمكن الفصل بينها: أخلاقية، لغوية، علمية. وإن كنا سنلحظ طغيان المحور الأخلاقي، لأهميته، وخصوصاً في البيئة السورية التي تشهد اعتداءً (غير أخلاقي) على هذا المجال، سواءً بالسرقة الفكرية، أو بالكتابة غير المسؤولة، أو الكتابة الشعبوية.
فكثيراً ما نعتقد أن فكرة هي وليدة صاحبها، رغم أنه غير ولاّدٍ فكرياً، ولا يحمل علماً اجتماعياً يؤهّله لذلك، لكن كشف هذه السرقات أمر بالغ الصعوبة، يتطلب هيئات تحكيم في كل مؤسسة معنية بالنشر، في حال كانت المؤسسات تحترم ما تقدمه لمتابعيها.
أما الكتابة غير المسؤولة، فهي الكتابة السياسية (وكل في اختصاصه)، التي يقوم عليها كتّاب غير واسعي الاطلاع على الفكري السياسي، ويتم استخدام أدوات الكتابة بشكل اعتباطي، وتقديم مصطلحات في غير موضعها، ورسم سيناريوهات بشكل عشوائي غير مدروس. غالباً ما يقوم بذلك كتّاب من خارج الإطار العلمي الاجتماعي. أقصد كتاباً تأسيسهم العلمي هو "هندسي، أو طبي، أو مهني"، وهؤلاء لا يدركون المسؤولية العلمية التي تقع عليهم لقلة اطلاعهم على أسس العلم الاجتماعي، عدا عن أنه لن يقوم أحد بمحاسبتهم، فهم ليسوا أهل اختصاص، لذا تزداد هذه الشريحة اتساعاً.
وذلك خلافاً لطلاب العمل الاجتماعي (سياسة، فلسفة، تاريخ، علم اجتماع، ومعهم طلاب الاقتصاد والقانون)، الذين هم عرضة للمساءلة العلمية عن كل ما يكتبونه، كونهم أهل الاختصاص نفسه. فلا أحد يحاسب الجدّة عن وصفاتها الطبية مثلاً، لكن الطبيب يُحال إلى المحكمة في حال أخطأ في عمله.
أما الكتابة الشعبوية، فهي قد تخرج عن كاتب متمكن من أدواته، أو عن كاتب غير مسؤول، والهدف الأول منها -وربما الوحيد- هو تعبئة الرأي العام باتجاه تبني رأي ما، ولكن العيب في ذلك، استخدام التحريض العاطفي، والتلاعب اللفظي، والحقائق المنقوصة، ما يعني "تلاعباً بالعقول"، وهي كتابة لأهداف سياسية ضيقة، وليست لأهداف توعوية أو مساهمة تراكمية علمية.
وأكرر أن هذه النصائح للشباب المبتدئ، حتى لا يقولن أحد إنني غير ملزم بها، وإنني أكتب من سنوات دون أن تشكل قيداً عليّ.
وهنا أخاطب الشباب، بأن الكتابة فعل مسؤول يتطلب جهداً كبيراً، فإما أن تكون ملتزماً -قدر طاقتك- أو أن ترفع من تأهيلك لتكون كذلك، ولا تجعلن من هذا النصائح عائقاً أمام تطوير ذاتك.
