الوساطة الفرنسية-الألمانية، بين إيران والولايات المتحدة: الجهود والاحتمالات

 



أولا: مقدمات أساسية

 

تعتبر فرنسا واحدة من أكثر الدول تضرراً بسبب العقوبات الأمريكية الجديد على إيران، وذلك على عدة مستويات:

-       فقدان دورها كوسيط في عقد الاتفاق النووي.

-       فقدان شركاتها العاملة في إيران، استثماراتها.

-       عدم قدرتها على تحدي الولايات المتحدة، كما تفعل الصين وروسيا وتركيا.

يترافق ذلك مع رغبة فرنسية دائمة، بالحصول على مكانة في النظام الدولي، وإن كانت هذه المكانة لا تتعدى دور الوسيط في حل الأزمات الدولية، بما يترافق مع مكاسب تجارية أو استثمارية فرنسية. وطالما تشتغل فرنسا دولياً، وفق تطلعات تفوق حجمها الحقيقي، معتقدة أنها ما تزال تلك القوة الفاعلة، قبل أن تصطدم بمحدودية قدرتها على الحراك الدولي.

وفي حين يصر ترامب على موقفه التصعيدي من إيران (سياسياً وقانونياً واقتصادياً)، فإن الخيارات الأخرى تبقى محدودة، حيث تنحاز بريطانيا أكثر فأكثر للولايات المتحدة، مع انشغال بريطاني كبير بقضية البريكست، يعيق تطوير موقف وساطة بريطاني، عدا عن أن إيران تنظر إلى بريطانيا على أنها امتداد للولايات المتحدة في قضايا الشرق الأوسط.

أما ألمانيا، فإن دورها يبقى إلى جانب الوصول إلى تسوية سلمية، تحفظ الاتفاق النووي، وخصوصاً أنها أحد رعاته، عدا عن محاولة تعويض خسائرها هي الأخرى نتيجة العقوبات الأخيرة، غير أن العلاقات الشخصية بين ترامب وميركل، تعيق بناء دور ألمانيا بشكل منفرد، في عقد وساطة حقيقية.

أما فرنسا والصين، فهي أكثر ميلاً لإيران، عدا ما بين هاتين الدولتين والولايات المتحدة، من اضطرابات سياسية وحروب تجارية لا تسمح لهاتين الدولتين بأن تكونا فاعلتين في حل الأزمة.

خلاصة ذلك، أن فرنسا تجد نفسها الآن، في أفضل الظروف المواتية لها، لتكون عراب أية تسوية مقبلة، تحفظ لها شيئاً من مصالحها، وتقنع الطرفين الأمريكي والإيراني، ببدء جولة مفاوضات جدية. فيما تعمل ألمانيا على مساندة فرنسا في هذه الجهود.

وحيث أن فرنسا تبدو مشغولة وجادة للغاية، في تحقيق هذا الاختراق، لابد من توضيح نقاط الارتكاز التي تستند إليها فرنسا، وألمانيا كذلك، وأهمها:

-       لا ترغب الدول الأوروبية بنشوب أي صراع مسلح في الخليج بين الولايات المتحدة وإيران.

-       كما أن ترامب ذاته، لم يثبت إلى الآن أنه رجل حروب، بل رجل تسويات وصفقات، وكافة تصريحاته وسلوكياته، توحي بأنه يرغب بعقد اتفاق جديد مع إيران، فيه الكثير من المكاسب للاقتصاد الأمريكي.

-       لكن ترامب أيضاً، رجل صلب للغاية، وغير معهود عنه أنه يقدم تنازلات لخصومه، إلا بعد أن يحصل على غالبية ما يتطلع له.

-       إيران هي الأخرى لا تبحث عن حرب جديدة في المنطقة، وخصوصاً أنها منهكة جداً، بعد نشر قواتها في أربع دول عربية، عدا عن الإنهاك السياسي والاقتصادي والأمني المحلي، وتخشى أن تؤدي أي حرب إلى مزيد من الاضطرابات المحلية.

-       لكنها هي أيضاً متصلبة في مطالبها، ورغم أنها لم تكن بهذه الصلابة فيما مضى، لكنها تعلم أن ترامب لن يشن حرباً عليها، حتى الآن، وتعلم أنها باتت تمتلك كثيراً من أوراق الضغط على امتداد المنطقة، وأنها قادرة على تهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية بشكل حقيقي، لذا يأتي تصلبها مضاعفاً هذه المرة.

-       ومن ذلك، إثبات المكانة الجديدة لإيران في الشرق الأوسط، من خلال عمل عسكري بهدف لفت الانتباه لا أكثر، إلى الإمكانيات الإيرانية، وذلك من خلال ضرب مقرات شركة أرامكو في أبقيق السعودية.

-       في المقابل، تحرص فرنسا وألمانيا، على عدم إظهار أي تصدع في الكتلة الغربية (الليبرالية الرأسمالية)، أي أنها أيدت الولايات المتحدة في إدانة الاعتداء الإيراني على السعودية، وتؤيد ضرورة أن تسعى إيران لإيجاد مخارج للأزمة، دون شروط مسبقة، وأن تقدم ضمانات بعدم حصولها على تقنيات نووية جديدة.

-       نقطة إضافية تبقى في الحسبان الفرنسي، وهي القلق من توصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق بعيداً عن أية وساطة فرنسية، ما يعني مزيداً من الخسائر للشركات الفرنسية، وفقدان أية حصص كانت سابقاً في السوق الإيرانية، وخصوصاً أن ترامب كان قد أشار علناً إلى أن الاتفاق النووي السابق لم يقدم أية مصالح تجارية للولايات المتحدة، وأن الدول الأخرى هي من استفاد من ذلك.

  

ثانياً: الجهود الفرنسية

وفق هذه المحددات السابقة، سعى ماكرون بشكل شخصي إلى عقد لقاء بين الرئيسين روحاني وترامب، وما زال يسعى لذلك، دون أن يحقق نتائج حقيقة، نتيجة تعنت الطرفين، وإن كان التعنت الإيراني أشد وضوحاً.

وقد قام بلقاءات متعددة على هامش لقاءات الجمعية العامة للأمم المتحدة، نهاية سبتمبر الماضي، مع كل من روحاني وترامب، ووفق ما قاله للصحافة: "فرنسا تحاول طرح مقترحات لتجنّب التصعيد".

وأكد مجددا على أن أي إطار عمل لمفاوضات جديدة في المستقبل ينبغي أن يركز على وضع نظام لمراقبة البرنامج النووي الإيراني الحالي وبحث أنشطة إيران النووية بعد عام 2025 وبرنامجها للصواريخ الباليستية ونفوذها الإقليمي.

ظاهرياً، يرفض ترامب أية وساطة، مدعياً أن الإيرانيين ليسوا بحاجتها، وأن كل ما عليهم القبول بالشروط الأمريكية لعقد لقاء مشترك، لكنه يعلم ضمناً أن الإيرانيين لن يقبلوا بهذه الشروط في ظل المعطيات الحالية: "نحن لا نحتاج إلى وسيط…هو (ماكرون) صديقي لكننا لا نبحث عن أي وسطاء".

ومنذ قمة مجموعة السبع في بياريتز بفرنسا في نهاية أغسطس الماضي، لم يُخفِ ترامب أمله بعقد لقاء ثنائي مع نظيره الإيراني، معتبرا أنه سيكون منجزاً دبلوماسياً له قبل عام من الاستحقاق الرئاسي الأميركي. لكن التحدي الإيراني عبر العملية العسكرية ضد المنشآت النفطية السعودية، عادت لتزيد من تعقيد المشهد، ومن تعنت ترامب، والذي على ما يبدو، وجد فيها تحدياً شخصياً له، أكثر منه استهدافاً لأحد حلفائه.

وفي 24 سبتمبر الماضي، ذكر مكتب الرئيس الفرنسي، أن ماكرون قال لنظيره الإيراني إن الطريق نحو تقليل التوتر في المنطقة يزداد صعوبة وأن الوقت حان لإيران كي تساعد في نزع فتيل الأزمة، بعد أن أجرى ماكرون مباحثات مع روحاني، استغرقت أكثر من 90 دقيقة.

ونقل البيان عن ماكرون قوله: "في الموقف الراهن، بات طريق وقف التصعيد ضيقاً، ولكن له أهمية عن أي وقت مضى، وقد حان الوقت أمام إيران كي تتخذ (هذا الطريق)"، مضيفاً أن من الضروري بدء حوار بشأن قضايا أمن المنطقة.

بدوره قال المتحدث باسم البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة، في تغريدة له: "بحث الجانبان سبل إنقاذ الاتفاق (النووي) الإيراني، والعلاقات الثنائية، ومبادرة الرئيس روحاني الجديدة للمنطقة: الأمل".

بالمحصلة، قام ماكرون بجولة أخيرة، لم تثمر، قبيل مغادرته نيويورك نهاية سبتمبر الماضي، حيث سعى لعقد اتصال هاتفي بين روحاني وترامب، عوضاً عن اللقاء الشخصي، دون أن يتمكن من ذلك.

وذكر مصدر دبلوماسي فرنسي أن ماكرون ذهب إلى مطعم للبيتزا في وسط مانهاتن لتناول العشاء قبيل الموعد المقرر لتوجهه إلى مطار جون إف. كنيدي في نيويورك وأنه قرر هناك أن "يحاول مرة أخرى: أن يجعل الجانبين يتحدثان عبر الهاتف".

وقالت مصادر مطلعة، إن ترامب وافق على إجراء الاتصال الهاتفي، لكنه كان مصراً على عدم رفع العقوبات قبل التوصل إلى اتفاق.

وذكرت المصادر أن رسالة وصلت لروحاني تفيد بأن ماكرون يود رؤيته، لكن عندما علم الرئيس الإيراني بأن واشنطن ترفض رفع العقوبات، رفض لقاء نظيره الفرنسي.

ونوهت المصادر إلى أن ماكرون ذهب على أي حال، إلى فندق روحاني في الجهة المقابلة من مقر الأمم المتحدة وتم توفير خط هاتف آمن في غرفة بالدور الذي يقيم فيه روحاني.

وأوضح المصدر الدبلوماسي الفرنسي "إذا لم يكن الإيرانيون يريدون الاتصال ما كانوا ليسمحوا لنا بتركيب الخط الآمن"، مضيفا أن ماكرون لم يلتق بالرئيس الإيراني في الفندق في تلك الليلة "لأن روحاني لم يرد على الاتصال". وأضاف المصدر أن ماكرون تحدث بدلا من ذلك إلى ترامب على الخط الهاتفي الآمن "ليشكره على كونه متاحا ([1])".

أي أن الجولة الفرنسية الماضية لم تثمر عن نتيجة مرجوة، لكنها في المقابل، أسست منهج وساطة من المفترض أن يتبلور بشكل أكبر بين الطرفين، فمن حيث المبدأ: كلا الطرفين راغب بالتفاوض، لكن المشكلة في قدرتهما على التخلي عن شروطهما المسبقة، فما زال الطرفان في مرحلة تحدي كل منها الآخر.

وربما كان هناك بنود تم الاتفاق عليها، لكن بنوداً أخرى ما تزال عالقة، حيث يبدو، أن هذا النهج، ربما يثمر قريباً، عن خطوات بطيئة تجاه تقارب محدود، ففي الأيام الماضية، أفاد موقع Politico الأمريكي، أن الرئيسين الأمريكي والإيراني، اتفقا بوساطة فرنسية على وثيقة لعقد لقاء ثنائي، واستئناف التفاوض بين بلديهما. ويدّعي الموقع أن الوثيقة مؤلفة البنود التالية ([2]):

-       توافق طهران على ألا تنتج أبدا سلاحا نوويا، وأن تفي بجميع مسؤولياتها بموجب الاتفاق النووي، وأن توافق على إطار عمل طويل الأمد للتفاوض على أنشطتها النووية، وأن تمتنع عن أي خطوات عدائية، وأن تبحث عن سلام حقيقي في المنطقة عبر التفاوض.

-       من جانبها، توافق الولايات المتحدة بموجب الوثيقة على رفع جميع العقوبات التي أعادت فرضها على إيران منذ عام 2017 ومنح طهران الحرية الكاملة في تصدير نفطها واستخدام دخله.

-       لم تتطرق الوثيقة إلى ملف برنامج طهران الباليستي، غير أن المسؤولين الفرنسيين قالوا إن العبارات المتعلقة بدور إيران الإقليمي تنص بوضوح على أن هذا الملف يجب أن يكون بين مواضيع المفاوضات الإقليمية.

وذكر المسؤولون أن ترامب وافق على الوثيقة أثناء لقائه ماكرون في فندق Lotte New York Palace، ثم عرض الرئيس الفرنسي الوثيقة على نظيره الإيراني في فندق Millennium Hilton New York One UN Plaza.

وادعى المسؤولون أن روحاني أبدى موافقته المبدئية على الاقتراحات المطروحة في الوثيقة، غير أنه رفض لقاء ترامب ما لم يعلن الأخير عن رفع العقوبات عن بلاده، ورفض لاحقا إجراء اتصال هاتفي مع ترامب بدلا عن لقائه شخصيا.

 

ثالثاً: الاحتمالات المقبلة

من الضروري التأكيد على أن الإخفاق في الجولات الأولى من محاولة التقريب بين الطرفين، لا يعني مطلقاً أن مشروع عقد لقاء تفاوضي بين الطرفين قد أخفق كلياً، بل يمكن أن نقول إنه من الطبيعي أن يتعنت الطرفان في البداية، قبل أن يبدآ بالتنازلات التدريجية.

بل إن إيران، حاولت تقديم تنازلات مسبقاً، لكنها تصر على أن تنال شيئاً من رفع العقوبات، في ظل إنهاك اقتصادي حاد. إذ سبق لإيران أن اقترحت توسيع نظام التفتيش في مواقعها النووية إلى ما هو منصوص عليه في الاتفاق النووي (مقترح بولتون)، كإشارة إلى دفع المفاوضات قدما، لكن ترامب من رفض ذلك حينها.

تنازل آخر سبق أن قدمته إيران، من قبل خامنئي، حين أكد على أنه في حال أعادت الولايات المتحدة النظر في انسحابها من الاتفاق النووي، فستكون الولايات المتحدة قادرة على الانضمام إلى المفاوضات مع الأعضاء الأربعة الدائمين الآخرين في مجلس الأمن الدولي وألمانيا.

أي أن الطرفين يسعيان إلى الوصول إلى اتفاق يرى كل منهما أنه يحقق له أمران أساسيان: المنافع المادية، والقيمة الاعتبارية. لذا تسعى فرنسا -وستظل- إلى إيجاد حلول وسط مرضية لكلا الطرفين، على أن تكون هي الأخرى ذات مكاسب مادية واعتبارية.

وربما تستند إيران لوجود دعم روسي-صيني، وشبكة أوروآسيوية، تسعى من خلالها إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية، وإحداث خرق في نظام العقوبات، والعمل على بناء نظام مصرفي بعيداً عن الدولار، وهنا ينبغي على ترامب/الولايات المتحدة، أن يدرك أنه في حال استطاعت إيران الوصول إلى شيء من ذلك، فإن التفاوض معها سيكون أكثر صعوبة مما هو عليه الآن.

ووفقاُ لهآرتز الإسرائيلية، فقد سبق للولايات المتحدة، أن وضعت أربعة أهداف للمفاوضات المستقبلية مع إيران: الوعد بعدم تطوير أسلحة نووية مع مرور الوقت، وقف تقديم المساعدة للحوثيين والمساعدة في إنهاء الحرب في اليمن، وتنفيذ خطة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وعدم التدخل في النزاعات الإقليمية.

وترى الصحيفة الإسرائيلية، أن هذه الشروط غامضة لدرجة قد تمنح كل جانب مرونة كبيرة في إجراء المفاوضات، لكن في الوقت نفسه، وبسبب عدم تماثلها، يمكن أن تؤدي إلى محادثات لا نهاية لها، واحتمال فشلها مرتفع ([3]).

لكن أيضاً لابد من الانتباه إلى متغيرات جديدة تطرأ في كثير من الملفات المتعلقة بإيران، فالحرس الثوري يواجه مرحلة جديدة من الاحتجاجات، بعد اندلاع انتفاضة في الشوارع الشيعية العراقية، وفي حال استمرار هذه الاحتجاجات، فإنها تشكل تهديداً حقيقياً للمصالح الإيرانية في المنطقة، بل وتسلب من إيران كثيراً من أدوات التفاوض، عدا عن الخشية من تصاعد موجة جديدة من الاحتجاجات داخل إيران، سواء اقتداءً بالاحتجاجات العراقية، أو نتيجة تدهور الأوضاع المحلية بشكل متسارع، أو نتيجة اشتغال دولي أو من قبل المعارضة الخارجية.

بالمحصلة، كل طرف يمتلك أدوات قوة وأدوات ضعف، ففي حين تشكل هذه الاحتجاجات أداة قوة للضغط على إيران، فإن لدى إيران أدوات قوة من خلال بناء علاقات مؤسسية ومصرفية وتجارية مع روسيا والصين ودول أخرى، للخروج من ضائقة العقوبات قد الإمكان.

في حين أن ترامب يواجه ضغوطاً داخلية/تهديد بالعزل، وأخرى تتعلق بالانتخابات التي تقترب، فيما يشهد ضغوطاً خارجية من حلفائه من جهة، ومن قبل أصحاب المصالح العالمية من جهة ثانية، لكنه يمتلك أداة العقوبات الممنهجة، التي من الممكن أن تجبر إيران على القبول بتنازلات المتتالية.

أي أننا أمام الخيارات التالية:

-       يسعى ترامب لتحقيق منجز مهم قبل الانتخابات، لذا من الممكن أن يقدم تنازلات محدودة لإيران، في مسألة رفع بعض العقوبات، في حين تشهد إيران مزيداً من الإنهاك المعاشي والاجتماعي، لذا هي بحاجة إلى أن تقدم بعض التنازلات هي الأخرى. هنا من الضروري أن يشتغل ماكرون على إقناع الطرفين بحاجتهما الملحة لذلك.

-       نعتقد أن ماكرون يبذل وسيبذل جهوداً مضاعفة خلال الفترة القادمة، علنية وسرية، وبتنسيق مع ألمانيا وروسيا، بهدف الضغط على إيران هذه المرة.

-       في حال أخفق ماكرون، سيعمل الطرفان، على إحداث قليل من التصعيد، بمعنى أن يزيد ترامب من عقوباته، في حين تزيد إيران من تهديداتها الإقليمية، ومن علاقاتها الاقتصادية، ومن المناورة في الملف النووي.

-       إلى الآن، لا توجد مؤشرات على أن طرفاً سيتنازل بمفرده للطرف الآخر، بل نؤكد على أن الطرفين مصران على تقديم تنازل من قبل الآخر، وإن كان الإصرار الإيراني هو الأهم.

-       لا نميل لوجهات النظر التي تقول إن ترامب قد يلجأ إلى ضربات عسكرية محدودة داخل إيران، بهدف الضغط عليها، ونرى أن ذلك احتمال ضعيف للغاية، لأن إيران سترد بضرب مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة (دول الخليج العربي).

-       لكن في حال اشتد التعنت الإيراني، فقد نشهد اعتداء إيرانياً كما حصل على أبقيق، في محاولة ثانية للتذكير بالإمكانية الإيرانية للتدخل العسكري، وهو ما قد يدفع ترامب إلى الخيار السابق (ضربات محدودة).

-       بالمحصلة، نرى أن إيران تمر بأسوء مراحلها التاريخية، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وأن قدرتها على الاستمرار على ذات النحو محدودة وتزداد محدودية، أي أنها ستضطر في لحظة معينة إلى القبول ببدء التنازلات.

-       لكن في المقابل، لا نعتقد أن ترامب يسعى إلى الإطاحة بالنظام الإيراني حتى الآن، بل ما زال يتطلع إلى الحفاظ على دور إيران في المنطقة "شرطي"، ولكن وفق الشكل "شرطي ببذة مهترئة"، أي قوة عسكرية هشة فقيرة، يمكن من خلالها الحفاظ على مستوى أدنى من التهديدات في منطقة الخليج العربي.

-       في حال عدم قدرة النظام الإيراني على قراءة المشهد كما هو، وإصراره على تعنته، ونجاح ترامب في الانتخابات القادمة، قد يكون هناك برنامج أمريكي، لإيصال قوى إيرانية جديدة إلى السلطة، بشرط أن تؤدي الدور المطلوب منها أمريكياً، وأن تمنح منافع اقتصادية هائلة للولايات المتحدة.

-       كما نعتقد أن ترامب غير معنيٍ بأمن دول الخليج العربي، إلا من باب تأمين مزيد من المصالح الأمريكية داخل إيران، واستخدام أمن الخليج للضغط على إيران، أو لابتزاز الخليج مالياً في مشتريات السلاح أو سوى ذلك.

 

د. عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري



([1])  Farnaz Fassiihi and Rick Gladstone, “How Iran’s President Left Trump Hanging, and Macron in the Hall”, The New York Times, September 2019, 30:

https://www.nytimes.com/2019/09/30/world/middleeast/iran-trump-rouhani-call-macron.html

([2])  Rym Momtaz, “Trump, Rouhani Agreed 4-Point Plan Before Iran Balked: France Officials”, Plitico, October 2019, 1:  https://www.politico.eu/article/trump-rouhani-agreed-4-point-plan-before-iran-balked-french-officials/

([3])  Zvi Bae’el, “May Have Dissipated, but U.S.-Iran Negotiations Aren’t Dead Yet”, Haaretz, October 2019, 3:

https://www.haaretz.com/world-news/.premium-trump-rohani-phone-call-may-have-dissipated-but-u-s-iran-talks-aren-t-dead-yet-1.7924351