العلاقات الإيرانية-التايلندية: محددات أساسية

 

المحور الأول:

اضطراب العلاقات الثنائية (الاضطراب الأمني)

شهدت العلاقات بين الدولتين، مرحلة اضطراب امتدت طيلة العقدين السابقين، بل وحتى إلى سنوات قليلة خلت، أثرت بشكل سلبي حاد على الطرفين. قبل أن تشهد تقارباً، يمكن وصفه بأنه أنتج علاقات ما فوق متوسطة، أي أنها استطاعت تجاوز الإشكال الأمني الذي كان قائماً، وتأسيس علاقات اقتصادية وسياسية، لكنها ما تزال دون طموح الدولتين، لعوائق عدة، على رأسها مسألة العقوبات الدولية المفروضة على إيران، والتي تم تعزيزها مؤخراً من قبل إدارة ترامب.

وبالعودة إلى اضطراب العلاقة، فقد كانت إيران قد منعت مواطنيها من التوجه إلى تايلاند منذ الثمانينات لأسباب "أخلاقية"، معتبرة أن في هذا البلد "عادات فاسدة" وأنه "جنة للجنس والمخدرات".

 ثم قامت برفع الحظر في 1994، لكنه لم يطبق بحزم إذ كان الإيرانيون يتوجهون إلى تايلاند عبر دول أخرى. ومنذ عام 2000 أعادت الرحلات الجوية بين طهران وبانكوك، لتصل في يونيو 2000، أول طائرة إيرانية مدنية وعلى متنها وزير الخارجية كمال خرازي.

وكانت العلاقات بين البلدين قد توترت عام 1994 بعد اعتقال رعايا إيرانيين في تايلاند للاشتباه في تورطهم في محاولة اعتداء على السفارة الإسرائيلية في بانكوك. (البوابة، 2000)

وتطور الأمر لاحقاً، حينما قامت السلطات التايلندية، بالاستيلاء على شحنة أسلحة تزن أكثر من 35 طناً، على متن طائرة شحن، صادرة عن كوريا الشمالية، ومتوجهة نحو إيران، وتقدم طهران وفقاً لذلك، بتقرير سري إلى لجنة تابعة لمجلس الأمن الدولي.

وقد شملت الشحنة صواريخ وصواعق ومنصات إطلاق صواريخ وقذائف صاروخية. (Reuters، يناير 2010)

لكن الحدث الأهم في تاريخ العلاقات المعاصرة بينهما، هو ما حاولت إيران كثيراً نفيه، من حينما وجهت لها عام 2012، اتهامات لها بالوقوف خلف التفجيرات الثلاثة التي وقعت في العاصمة التايلندية بانكوك، متهمة مجموعات مرتبطة بتل أبيب بتنفيذ هذه الهجمات.

وقد كانت الخارجية التايلاندية أكثر تحفظا من المسؤولين الأمنيين، الذين نقل عن أحدهم قوله إن الانفجارات نفذها إيرانيون يشكلون فريق اغتيال كان يستهدف دبلوماسيين إسرائيليين.

فيما نفت إيران من جانبها الاتهام بشدة، وردته إلى إسرائيل عندما قالت إن مجموعات مرتبطة بدوائر صهيونية هي التي نفذتها، سعيا للإساءة إلى ما وصفتها إيران بالعلاقات التاريخية بينها وبين تايلاند.

ووفقاً للمحل السياسي: رويل مارك غريشيت، فإن الجولة الأولى من الهجمات حدثت عند المناسبة الأولى لموت عماد مغنية، والتهديدات التي توجه ضد إسرائيل من قبل المرشد الأعلى هي محددة تماما وواضحة. وبرأيه فقد كانت الفرص عظيمة جدا بأن هذه عملية أدارتها أطراف إيرانية أو من قبل حزب الله اللبناني. (الجزيرة، ديسمبر 2012)

فبعد أن هزت سلسلة من الانفجارات حي سكني في بانكوك، ألقت السلطات التايلندية القبض على رجلين قالت انهما يحملان جوازات سفر ايرانية. وقال المسؤولون التايلانديون إنه تم البحث عن اثنين

وقد أشار حينها، أخرىوزير الدافع الإسرائيلي، إلى أن محاولة الهجوم الإرهابي في بانكوك تثبت مرة أخرى أن إيران ووكلائها يواصلون ارتكاب الإرهاب".

فيما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، إن الحلقات في تايلاند وجورجيا والهند "تأتي في أعقاب الحوادث الأخرى التي من الواضح أن لها صلات بالعودة إلى إيران". (The New York Times، فبراير 2012)

ولاحقاً، تم تثبيت التهمة على إيران، حيث حكمت محكمة تايلاندية، في أغسطس 2013، على اثنين من الإيرانيين، بالسجن لمدة تتراوح بين 15 عامًا والسجن مدى الحياة، بتهمة محاولة الهجوم الإرهابي 2012 ضد الدبلوماسيين الإسرائيليين المتمركزين في بانكوك. (The Tower، أغسطس 2013)

ورغم ذلك، سرعان ما تجاوز الطرفان هذه الأزمة الحادة، واختطا مسار علاقات يشهد محاولات تعزيز متعثرة.

 

المحور الثاني:

تطور العلاقات السياسية

تصاعد مستوى هذه العلاقات، من٫ عام 2013، بشكل تدريجي، ورسمي ودبلوماسي، رغم الأزمة السابقة بينهما، لكن مسار هذه العلاقات، لم يتحول إلى ما يمكن تسميته بتحالف أو علاقات وطيدة، بقدر ما هي زيارات بروتوكولية، تحاول أن تخدم هدف تعزيز العلاقات الاقتصادية من جهة، وأن تساهم في إطلاق يد إيران في مشروع التشييع في تايلند.

وهذا واضح في الارتباط بالقضايا الاقتصادية أكثر منه في القضايا الأخرى، حيث سبق وأن استقبل نجاد، مساعد رئيس الوزراء ووزير التجارة التايلندي، عام 2013، وأعرب له عن ارتياحه لعقد عدة اتفاقيات بين البلدين خلال الزيارة. (قناة العالم، يوليو 2013)

وربما لم تشهد العلاقات أي زخم سياسي يذكر، حتى عام 2016، حين اجتمع وزيرا خارجية الدولتين في طهران، في يناير 2016، وأشار ظريف حينها، إلى أنه يمكن لتايلاند أن تستفيد من السوق الإيراني في مختلف القطاعات، معربًا عن استعداد طهران لتحسين العلاقات مع بانكوك، وخصوصاً في مجالات الزراعة وصيد الأسماك والأحياء المائية بين البلدين".

كما أشار إلى أن البلدين نجحا في تطوير العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن طهران مستعدة لتوسيع العلاقات مع بانكوك في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

بدوره، أشار الوزير التايلندي، إلى النتائج الإيجابية للاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه بين إيران ومجموعة الدول الخمس زائد واحد، وأعرب عن أمله في أن تجد بلاده أسسًا جديدة للتعاون مع إيران. (Press TV، يناير 2016)

وبعد شهرين فقط، التقى رئيس الوزراء التايلندي بوزير الخارجية الإيراني، على هامش المنتدى الوزاري الـ 14لحوار التعاون الآسيوي المنعقد في العاصمة التايلندية بانكوك. (الوفاق أونلاين، مارس 2016)

ومع نهاية العام، وفي أكتوبر 2016، وصل الرئيس الإيراني إلى بانكوك لحضور قمة حوار التعاون الآسيوية الثانية، والتقى حينها برئيس وزراء تايلاند، وناقشا التعاون الاقتصادي بين البلدين.

وأيضاً، في ذات العام، وفي أعقاب وفاة، ملك تايلاند، في أكتوبر 2016، قدم الرئيس الإيراني تعازيه للشعب التايلاندي والحكومة، في رسالة بعث بها إلى رئيس الوزراء التايلندي.

ويبدو أن عام 2016، كان الأنشط على الإطلاق بين الطرفين، حيث أعفت تايلند في نوفمبر 2016، الإيرانيين من رسوم تأشيرة الزيارة. (Iran Front Page، ديسمبر 2016)

ومع مطلع عام 2017، وصف وزير الخارجية الإيراني اتفاقية التجارة الترجيحية بين إيران وتايلند بأنها تقدم متميز، مؤكدا في الوقت ذاته على ضرورة تعزيز التعاون المصرفي بين البلدين.

وأشار لدى لقائه نظيره التايلندي على هامش قمة رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي، إلى دعوة الحكومة الإيرانية لرئيس وزراء تايلند لزيارة طهران وإلى التعاون بين البلدين.

بدوره أكد وزير خارجية تايلند، خلال اللقاء على أهمية العلاقات الثنائية مع إيران، باعتبارها بلداً مهماً، داعيا الى دراسة سبل تعزيز التعاون الاقتصادي وتسوية العقبات الموجودة في هذا الإطار. (وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء، مارس 2017)

في حين التقى مدير عام شؤون شرق آسيا وأوقيانوسيا في وزارة الخارجية الإيرانية، بمساعد وزير الخارجية التايلندي، في العاصمة التايلندية بانكوك، مع نهاية عام 2017، في إطار عزم تايلند على تطوير العلاقات الثنائية مع إيران. حيث أكد المسؤول التايلندي حينها، ضرورة تعزيز التعاون بين البلدين في المجال السياحي والاقتصادي، كما لفت إلى أن الغاز الطبيعي الإيراني يشكل محصولا استراتيجيًّا تحتاجه تايلند. (قناة العالم، نوفمبر 2017)

وربما بدأت العلاقات السياسية تتباطأ قليلاً مع عام 2018، واشتداد الضغط الأمريكي على إيران من جديد، ورغم ذلك، شهد العام محطتين مهمتين في علاقاتهما.

حيث التقى غلام رضا كاتب عضو مجلس الشورى الإسلامية، مع بايوج لاهوتي عضو مجموعة الصداقة البرلمانية الإيرانية-التايلاندية، في بانكوك، وطالبا بوضع حد للقتل والفظاعات التي تمارس ضد المسلمين الروهينجيا. ودعا النواب الإيرانيون رئيس البرلمان التايلاندي لاستخدام موقع بلاده للحد من تكرار أحداث مماثلة ضد أقلية الروهينجيا. (آفاق، مارس 2018)

والأهم كان في تأكيد الرئيس الايراني عدم وجود أية عقبة أمام إيران لتطوير علاقاتها مع تايلند، وقال إن بمكان تايلند أن تتحول إلى جسر للعلاقات الاقتصادية بين إيران ومنطقة شرق آسيا. وذلك في كلمته خلال اجتماع الوفدين الرفيعين الايراني والتايلندي في بانكوك. وأشار روحاني إلى ضرورة استثمار فرص الاتفاق النووي والاستفادة القصوى من الطاقات الواسعة للتعاون بين البلدين، وقال إن تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية بين إيران وتايلند من شأنه ضمان مصالح شعبي البلدين وإكمال التعاون الإقليمي.

ولفت روحاني في جانب آخر، إلى قضية الإرهاب، داعيا إلى الاهتمام بالجذور الفكرية والثقافية لهذه المعضلة والتركيز على رفعها.

في حين أكد رئيس الوزراء التايلندي، على ضرورة فتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، وشدد على ضرورة تفعيل طاقات التعاون على وجه السرعة مشيرا: نحن مستعدون للنهوض بالعلاقات في كافة المجالات ونرحب بمشاركة الشركات الإيرانية في تنفيذ المشاريع في تايلند كما نرحب في نفس الوقت بمشاركة الشركات التايلندية في تنفيذ المشاريع الإيرانية. (وكالة أنباء فارس، أكتوبر 2018)

لكن هذه الضغوط لم تقد إلى قطع العلاقات أو تجميدها بين الطرفين، ففي هذا العام، عبر نائب وزير الخارجية التايلاندي، عن تعازيه للفيضانات المدمرة الأخيرة في مختلف المحافظات الإيرانية، وتبرع بنحو 100000 دولار كمساعدات إغاثة.

وجاء ذلك عقب لقائه بالسفير الإيراني لدى بانكوك، الذي أشار إلى أن مساعدات الإغاثة التي تبرعت بها تايلاند هي دليل جيد على الصداقة والترابط بين البلدين.

كما ناقش الطرفان توسيع التعاون بين البلدين، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) حيث ترأس تايلاند رئيسًا بالتناوب إلى جانب مؤتمر حوار التعاون الآسيوي (ACD) في قطر.

ودعم نائب وزير الخارجية التايلاندي، الاتفاق النووي الإيراني، كما أشاد بجهود إيران لحماية الاتفاق المتعدد الأطراف المعترف به دوليا. (The Iranian Project، مايو 2019)

ولم نلحظ اهتماماً يذكر من قبل الجانب التايلندي، بقضية التدخلات الإيرانية في المنطقة، في حين كان هناك ميل تايلندي إلى المحافظة على الاتفاق النووي، وعدم استعادة العقوبات على إيران، حرصاً على مصالح اقتصادية، شهدت قفزات واضحة للغاية في السنوات الأخيرة، كما سيظهر في المحور اللاحق.

 

المحور الثالث:

تطور العلاقات الاقتصادية

لا تعتبر العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، قديمة، أو ذات بعد تاريخي، فيمكن فعلياً إعادتها إلى التسعينيات، أو ما قبل ذلك بقليل، مع تبادل تجاري محدود.

وفي عام 2006، تم افتتاح مكتب تمثيل شركة النفط الوطنية التايلندية في طهران، وكانت كل من شركة النفط الوطنية التايلندية والشركة الوطنية الايرانية لتصدير الغاز، قد وقعت على الخطوط العريضة لمذكرة التفاهم المبرمة بين البلدين عام 2004 لتصدير الغاز الإيراني إلى تايلند، واتفاقية التنقيب في حقل ساوه الإيراني، بين شركتي النفط الوطنية الإيرانية والتايلندية.

ووفقاً لوزير الطاقة التايلندي حينها، فقد كان من المقرر منذ عام 2011، أن تتسلم تايلند ثلاثة ملايين طن سنويا من الغاز المسال من إيران في المرحلة الأولى، على أن يصل الرقم إلى ستة ملايين طن سنويا في المرحلة التالية. (واس، يوليو 2006)

لكن القفزات التجارية أتت منذ عام 2015، حين سعى البلدان إلى الاستفادة من مسألة رفع العقوبات، في تبادل تجاري كان أساسه الأرز التايلندي والغاز الإيراني.

ففي عام 2015، وإبان مساعي رفع العقوبات عن إيران، بذلت تايلاند المزيد من الجهود لتعميق العلاقات التجارية معها. وقالت وزارة التجارة التايلاندية إنها تريد تعزيز العلاقات وستنظم "أسبوع تايلاند 2015" في طهران، بالإضافة إلى زيارة بعثة تجارية لطهران.

حيث قام نائب وزير التجارة التايلاندي، بزيارة على رأس وفد من 75 عضواً من المسؤولين التايلانديين ورجال الأعمال من 53 شركة. وكان الهدف الرئيس للبعثة هو إيجاد طرق لزيادة التجارة الثنائية من 357 مليون دولار في عام 2014 إلى 1.2 مليار دولار في ثلاث سنوات.

في حين كان متسوط التجارة الثنائية بين تايلاند وإيران عند حدود ​​600 مليون دولار في السنة، لكنها انخفضت مع انخفاض أسعار النفط. وخلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2015، بلغت قيمة صادرات تايلاند إلى إيران 181 مليون دولار. وتألف وفد الأعمال التايلاندي من ممثلي الشركات العاملة في مجالات الأغذية والزراعة والبناء وقطع غيار السيارات وكذلك الملابس والمجوهرات الذين يبحثون عن قناة تجارية جديدة ليس مع إيران فحسب، بل إلى المنطقة الكبرى.

وفقًا لصحيفة طهران تايمز، قال المسؤولون الإيرانيون إن إيران لديها القدرة على الاستثمار في قطاع البتروكيماويات والسيارات والغذاء والزراعة والنسيج في تايلاند، وكذلك السعي على وجه التحديد إلى التعاون في مجال السياحة وإدارة الفنادق حيث تعترف إيران بخبرة تايلاند العالية في هذا المجال.

يمكن لتايلاند، من جانبها، الاستثمار في الفنادق ومراكز التسوق وغيرها من البنى التحتية السياحية وإنشاء مرافق تدريب على إدارة الفنادق في إيران. وأبدت إيران أيضًا اهتمامًا في جذب مزيد من الاستثمارات التايلاندية في تطوير البنية التحتية الأخرى. فيما عمل بنك تايلاند والبنك المركزي الإيراني على تطوير أنظمة معاملات مالية تهدف إلى جعل المدفوعات التجارية أسهل في المستقبل

واتفق الجانبان حينها، على تشجيع المزيد من الإيرانيين على زيارة تايلاند لقضاء العطلات أو للسياحة الطبية، وفي هذا الخصوص وعد الجانب التايلاندي بتسريع خدمات التأشيرة. (Gulf Times، نوفمبر 2015)

وحاول الطرفان، أن يبنا نظاماً متقناً للتبادل التجاري، وإن كانا لم يستطيعا الوصل إلى ذلك، وفق الطموح المنشود، لكن المصارف اشتغلت على ذلك.

فوفقاً لرئيس بنك التصدير والاستيراد التايلاندي (EXIM Thailand)، والقائم بأعمال رئيس EXIM Thailand، فإن البنك مستعد لتقديم التسهيلات المالية وخدمات المعاملات للترويج للتجارة البينية مع إيران، وبهدف تعزيز القيمة التجارية التايلاندية الإيرانية من حوالي 300 مليون دولار عام 2015 إلى 3000 مليون دولار في غضون 5 سنوات.

حيث كان مصرف EXIM Thailand أول بنك تايلندي يقدم الخدمات المصرفية بشكل رسمي وشرعي بعد إزالة مجلس الأمن للعقوبات المفروضة على إيران، ومنذ يناير 2016. (وزارة المالية التايلندية، 2016).

وفي هذا العام أيضاً، سعت تايلند، إلى اجتذاب السياح الإيرانيين، الخارجين من الحصار، على أمل تصحيح الميزان التجاري بينهما لصالحها.

حيث أعلنت الخطوط الجوية التايلاندية الدولية في يونيو 2016 أن الشركة ستنشئ طريقًا جديدًا بين مطار سوفارنابومي في بانكوك ومطار خميني الدولي في طهران. يأتي ذلك بعد أن قدمت AirAsia X نفس المسار. وقد تم إطلاق الرحلة الافتتاحية الأولى في 1 أكتوبر 2016. (Bangkok Post)

وفعلاً، أصبحت تايلاند وجهة شعبية للسياح الطبيين الإيرانيين. ومع ذلك، ونظرًا للعديد من حوادث تهريب مخدر الميثامفيتامين، فإن الإيرانيين القادمين إلى تايلاند يقعون تحت شكوك شديدة من الشرطة. (The Nation، Bangkok Post، 2016)

وأيضا، قالت وزارة التجارة التايلاندية، إن بلادها تهدف لاستئناف صادرات الأرز إلى إيران، وذلك عقب اجتماع تجاري بين البلدين في العاصمة التايلاندية بانكوك.

حيث اجتمعت قيادات تجارية من البلدين على هامش منتدى حوار التعاون الآسيوي، وهو اجتماع بقيادة تايلاند يهدف إلى تعزيز الحوار بين مختلف المنظمات الإقليمية.

وقالت وزير التجارة التايلاندية عقب اجتماعها مع نظيرها الإيراني، إن بلادها اتفقت مع إيران على استئناف التجارة الثنائية، وإنهما يستهدفان زيادة حجم التجارة المشتركة بين البلدين من 310 ملايين دولار إلي ثلاثة مليارات دولار، بحلول 2021.

وأبلغت الوزيرة الصحفيين، أن تايلاند ثاني أكبر مصدر للأرز عالميا تستهدف تصدير 700 ألف طن من الأرز إلى إيران سنويا، وهو نفس مستوى الصادرات قبل تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران في 2012.

وفي فبراير وقعت تايلاند وإيران أربع مذكرات تفاهم بقيمة 4.3 مليار بات "123 مليون دولار"، جرى بموجبها شحن 300 ألف طن من الأرز الأبيض وأرز الياسمين إلي إيران. (الغد، أكتوبر 2016)

ومع يناير 2017، تم نشر اتفاقية التجارة بين حكومتي إيران وتايلاند، وتتضمن الاتفاقية 11 مادة وتنص على أن حكومتي البلدين في ضوء رغبتهما المتبادلة في توطيد وتطوير العلاقات التجارية الثنائية، والتوسع، وتنويع المعاملات التجارية، وتطوير التعاون التجاري على أساس ذات المنفعة المتبادلة، اتفقتا على عدم التمييز وحماية المصالح الثنائية على اتخاذ التدابير المناسبة وفقًا للقوانين واللوائح الخاصة بكل منهما لتشجيع وتيسير التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين.

ينص الاتفاق على أن استيراد وتصدير السلع والخدمات، التي يكون منشأها أراضي كلا الطرفين المتعاقدين، يجب أن يستند إلى العقود التجارية المبرمة بين الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين بموجب قوانين وأنظمة كل بلد.

وحددت أنه سيتأثر دفع سعر الصفقات وتسوية الحسابات من خلال صرف العملات الأجنبية في السوق المفتوحة، بشرط ألا يتعارض هذا الأسلوب مع قوانين أي من الدولتين المتعاقدتين.

وتعهدتا بتشجيع شركاتها على المشاركة في المعارض والمعارض التجارية والوفود والندوات وما شابه ذلك في كلا الدولتين، وسيقوم كل طرف بتمديد التسهيلات اللازمة إلى أقصى حد ممكن.

واتفقا، على أن تكون الاتفاقية سارية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد لمدة عام واحد، ما لم يقرر أحد الطرفين إنهاء الاتفاقية. (Nour Law، يناير 2017)

بدوره، اقترح وزير الاقتصاد التايلندي، في لقائه نظيره الإيراني، عام 2017، اتخاذ خطوات مناسبة من قبل بنوك البلدين لتسديد المبالغ المالية الخاصة بالتعامل التجاري بين البلدين عبر استخدام العملة المحلية او اليورو. (إيران اليوم، مايو 2017)

لكن على ما يبدو، فإن العقوبات قد أثرت بشكل سلبي في العملية التجارية بينهما، ولم يستطيعا الوصول إلى الأهداف المرجوة.

فعلى سبيل المثال حددت وزارة الخارجية الأمريكية في وزارة مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، شركة My Aviation Limited، التي تتخذ من تايلاند مقراً لها، بأنها تعمل لصالح شركة Mahan Air، أو بالنيابة عنها، وهي شركة طيران إيرانية سبق أن صُنِّفت بأنها تدعم أنشطة إيران الإرهابية، وفرضت على الشركة التايلندية عقوبات.

حيث تجاهلت هذه الشركة التي تتخذ من تايلاند مقراً لها، العديد من التحذيرات الأمريكية، التي صدرت علنًا وسلمت إلى الحكومة التايلاندية بشكل ثنائي، والتي كانت تطالب بقطع العلاقات مع شركة Mahan Air. (وزارة الخازنة الأمريكية، سبتمبر 2018)

وكان وزير الخارجية التايلندي، قد أشار من طهران، صيف عام 2018، إلى أنه لا يمكن رفع مستوى التجارة بين البلدين، نتيجة للعقوبات المفروضة على إيران، وأشار حينها إلى أنه "علينا أن نجرب طرقًا أخرى لتعزيز علاقاتنا الاقتصادية". في حين اقترح وزير الخارجية الإيراني، استخدام آليات المقايضة في التجارة البينية.

وهنا كان قد اقترح الوزير التايلندي، مبادلة الأرز مقابل النفط والغاز. حيث تحتاج إيران إلى أكثر من مليون طن من الأرز سنويًا بينما تسعى تايلاند للحصول على النفط للاستهلاك المحلي للطاقة. (Thai Law Forum، أغسطس 2018)

واستمر التعويل المشترك، على ذات الأهداف المرجوة. حيث أعربت غرفتا التجارة في إيران وتايلاند عن التزامهما ورغبتهما في توسيع التعاون في مجالات مثل التجارة والثقافة والسياحة، من أجل زيادة تطوير العلاقات المستدامة بين البلدين. وناقشت الغرفتان ذلك، في اجتماع في العاصمة التايلاندية بانكوك.

تهدف الزيارة إلى تقديم تعريف بالخدمات الصحية والعافية الخاصة التي تقدمها المستشفيات والعيادات التايلاندية للوفد الإيراني، الذي يضم ممثلين عن غرفة التجارة والصناعة والصناعات التعدينية والزراعة (ICCIMA) واثنتين من غرف التجارة الإيرانية الأخرى من أصفهان في وسط إيران، وهامدان، غرب إيران. (Iran Daily، سبتمبر 2018)

وسعى المسؤولون التايلنديون إلى إزالة العقبات أمام التعاون المصرفي المتبادل، مضيفًا أن الجانبين اقترحا طرقًا لإقامة علاقات مصرفية مباشرة.

عند التطرق إلى تفاصيل الطرق المقترحة لتسهيل المعاملات، نقل مسؤول إيراني آخر عن مسؤول تايلاندي قوله شريطة عدم الكشف عن هويته أنه تم إجراء محادثات بين بنك التصدير والاستيراد في تايلاند (EXIM Thailand) وعدة بنوك إيرانية لإقامة علاقات الوساطة.

وأضاف نائب رئيس ICCIMA أنه نظرًا لأن الجانبين يخططان أيضًا للدخول في اتفاقية مقايضة، فإن "بنوك كلا الجانبين تراجع طرق تسهيل تبادل المقايضة بين رجال الأعمال من البلدين". (Iran Daily، سبتمبر 2018)

لكن ذلك لا يعني وجود قفزات ملحوظة في التبادل التجاري حيث تم تداول 133،390 طنًا من السلع غير النفطية بقيمة 58.18 مليون دولار مع تايلاند خلال الشهر الإيراني الأول (21 مارس - 20 أبريل)، مسجلاً انخفاضًا بنسبة 51.46٪ و55.77٪ في القيمة على التوالي مقارنة بالعام السابق، وبالتالي كانت تايلاند خامس أكبر شريك تجاري لإيران خلال الشهر.

فيما بلغت صادرات إيران إلى تايلاند 82،969 طنًا بقيمة 34.32 مليون دولار مسجلة انخفاضًا بنسبة 64.43٪ و68.52٪ على أساس سنوي بالقيمة المضافة، وعليه فقد كانت تايلاند الوجهة العاشرة للتصدير في إيران. وقامت إيران بتصدير منتجات الحديد/الصلب غير المصنعة ونصف المصنعة، وسبائك الحديد والصلب غير المصنعة، والسمك إلى تايلاند خلال هذه الفترة.

فيما صدرت تايلاند 50،421 طنًا من السلع بقيمة 23.86 مليون دولار إلى إيران، بزيادة 21.32٪ و5.94٪ بالطن والقيمة على التوالي على أساس سنوي. كانت تايلاند المصدر الخامس عشر للبضائع إلى إيران خلال الفترة قيد الاستعراض.

وقد استوردت إيران بشكل رئيس الأرز شبه المطحون بالكامل، والألياف متوسطة الكثافة، والذرة، والمنتجات الطبية، وعصير الأناناس من تايلاند. (Financial Tribune، يوليو 2019)

ووفقاً لموقع Trade Map، الذي يرصد الحركة التجارية العالمية، فقد شهدت تجارة الطرفين، تبادلات على الشكل التالي:

شكل رقم (1)


ووفقاً للموقع، كانت أهم الصادرات الإيرانية من تايلند، على الشكل التالي:

شكل رقم (2)


فيما كانت أهم الواردات الإيرانية من تايلند، على الشكل التالي:

شكل رقم (3)


ويمكن تسجيل أنشطة هامشية أخرى، غير ذات كثير أهمية، ومنها على سبيل المثال:

·       عقدت كل من إيران وتايلند وتايوان، عام 2013، مؤتمر الفيديو الثاني على رمز نانو، في طهران، لمناقشة طرق تقييم المنتجات المضادة للبكتيريا. (Iran Nani Technology، مايو 2013)

·       في حين وقع وزير الصحة العامة التايلاندي، مع نظيره وزير الصحة والتعليم الطبي الإيراني، مذكرة التفاهم في طهران. (Open Development، مارس 2018)

 

المحور الرابع:

المد الشيعي الإيراني في تايلند

يبقى هذا المحور حاضراً في كل سياسات إيران الخارجية، طالما توفرت مقومات الاشتغال عليه، وخصوصاً في الدول التي تضم أقليات مسلمة. وغالباً ما تسعى إيران إلى بناء ادعاءات تاريخية، لعلاقات تعود إلى قرون مضت، بغية تبرير أي مد ثقافي تعمل على نشره.

من ذلك، ما قاله السفير الايراني في بانكوك إن العلاقات الإيرانية التايلندية تمتد إلى نحو 400 عام، معزيا الشعب التايلندي بوفاة الملك.

وتطرق، في مقابلة تلفزيون محلية، إلى تاريخ العلاقات، مشيرا إلى زيارة عالم الدين الإيراني أحمد قمي، إلى تايلاند، وكانت تربطه علاقات وثيقة بالأسرة المالكة فيها، وقد تحول إلى صديق للمجتمع التايلاندي وأطلقت السلطة التايلاندية عليه صفة شيخ الإسلام.

وأشار إلى أن الشيخ القمي بدأ نشاطه الديني والتجاري وتقلد منصب رئاسة الوزراء بعد زواجه من ابنة الملك، وقدم خدمات جليلة لتايلاند وفي ذلك الحين تأسست مؤسسة شيخ الإسلام في تايلاند، ومنذ ذلك الوقت أصبح للمسلمين دائرة رسمية تتولى شؤونهم. (الوفاق أونلاين، نوفمبر 2016)

وتتحرك إيران في كل من بانكوك وجالا وفتلنوج، وفي المناطق الجنوبية الملاوية بتايلاند. وتقدم نفسها كمنقذ إنساني لتتمكن من بسط النفوذ بين التايلانديين. وبات النشاط التبشيري الشيعي واضحًا في تايلاند، يُدعم بشكل كبير من إيران، ولا يقتصر على مسلمي تايلاند الأقلية، بل يشمل أيضًا البوذيين من الأكاديميين أو الطبقات المثقفة.

وللشيعة وجود ملحوظ في بعض المحافظات التايلاندية كأيوتيا القريبة من العاصمة، والتي يوجد فيها قبر أحمد القمي، الذي يعد مزارًا للشيعة. ويرتبط نشاط إيران الشيعي في تايلاند بالسفارة الإيرانية، إذ تعمل السفارة عبر الملحقيات الثقافية أو الدبلوماسية في عقد المؤتمرات والندوات بهدف التشييع، وتنشر الثقافة الفارسية، بعد أن تقوم بأعمال اجتماعية وخدمية وطبية وتعليمية. (ساسة بوست، مارس 2016)

وفي دراسة أعدها، رضوان سعيد، ونشرتها مجلة البيان، في يناير 2016، عن خطر التشيع في تايلند، جاء فيها:

يصل عدد سكانها إلى أكثر من خمسة وستين مليون نسمة، يدين 85-94% منهم بالديانة البوذية ويمثل المسلمون منها 4-10%، وصل إليها الإسلام في القرن الرابع عشر للميلاد، وبقية النسبة تتوزع على ديانات وطوائف أخرى.

وفي العاصمة بانكوك يقدَّر عددُ المساجد فيها بأكثر من مئتي مسجد، لهم منها عدّة مساجد وحسينيات ومؤسسات شيعية، كمسجد إمام باره، ومسجد الإمام علي، ومسجد صاحب الزمان، ومسجد الفلاح، وحسينية أبي الفضل العباس، وحسينية الباكستانيين، ودار أهل البيت، وحسينية أم البنين.

هذا بالإضافة إلى بقية المحافظات الجنوبية ذات الأغلبية السكانية من المسلمين الملايو أو الأقليات في بعض الولايات الجنوبية، ففي جالا (جنوبية) بدأ العمل على إنشاء مدرسة لكي تكون مركزاً لنشاطهم الثقافي حيث تُعد هذه المحافظة سنية بامتياز وفيها أكبر جامعة إسلامية سنية، ومشهورة بين المسلمين في تايلاند.

وفي فتلونج التي تبعد عن العاصمة (900 كم) تقام الطقوس الشيعية في يوم وفاة أبي طالب، ويوم وفاة خديجة، ويوم اغتيال علي بن أبي طالب. 

وفي ولاية ستول الجنوبية يقام احتفال يوم عاشوراء، ويوم القدس الذي تتبناه إيران في دول العالم الإسلامي، والدروس الأسبوعية والشهرية المختلفة من وقت لآخر.

ولهم وجود في ناكون التي تعتبر المركزَ الرئيس لوجود المرجع الشيعي فيها. وفي كرابي وفي ترانج، وفوكيت وسداو، ولهم مساجدهم الخاصة والعامة التي ينشطون بها ويبنون المساجد والحسينيات من مكان لآخر، وتكون بمثابة مركز علمي وتوعوي لنشر التشيع، وبناء مدارس بجوارها لاستقطاب أكبر عدد من أبناء المسلمين السنة.

ومن أدوات إيران في التمدد هناك، وفق هذه الدراسة:

-       تنفيذ إيران للأعمال الاجتماعية والخدمية والطبية، لا سيما في المناطق الجنوبية الملاوية التي يحدث فيها العنف من وقت لآخر، فيقدمون أنفسهم كمنقذ إنساني لهذا الأمر.

-       الظهور عبر القنوات الفضائية سواء الرسمية أو الخاصة، وإلقاء الدروس الشيعية والدعوة إليها.

-       إنشاء المواقع الإلكترونية، مثل: شبكة الإمامين الحسنين للتراث والفكر الإسلامي، ومركز آل البيت العالمي للمعلومات، وشبهات على الوهابية والشيعة في تايلاند، وفي الأغلب يخصصون زوايا معينة من مواقع مشهورة أو تحريك البحث باللغة التايلاندية في هذه المواقع سواء كانت في تايلاند أو إيران أو العراق أو بعض الدول العربية.

-       المنح الدراسية سواء الداخلية أو الخارجية في جميع المراحل الدراسية، وتقدَّر المنح الدراسية من عشرين إلى ثلاثين منحة دراسية في العام الواحد، ويتم إرسال الطلاب إلى إيران للدراسة هناك أو في قم لتعلم مناهج الإمامية الإثني عشرية، وكذلك هناك مِنَح دراسية داخلية تقدر بـ 120 منحة دراسية توزع على الولايات التايلاندية في مختلف التخصصات الجامعية، إلى جانب التكفل برواتب الدعاة والمدرسين والعاملين بمعونات شهرية لأجل العمل في الجوانب العلمية والدعوية والإعلامية والترويج للمذهب الإثني عشري.

 

وفقاً لمركز الأبحاث العقائدية، عام 2003، كان عدد الشيعة بحدود 36 ألف شخص فقط.

في حين كشف أمين الجمعية العامة لشباب أهل البيت، عام 2017، عن وجود موجة باعتناق التايلنديين في الفترة الماضية للتشيع حتى أصبح عدد الشيعة في البلاد يصل إلى أربعين ضعفاً. (مؤسسة الحكمة للثقافة الإسلامية، إبريل 2017)

وفي إحصائية أخرى لعام 2013، نشرتها وكالة أنباء براثا الشيعية، فقد زار وفد من شيعي تايلندي، حرم الحسين، وأكد أن هذا الوفد أن تعدادهم في تايلند، لا يتجاوز 40 ألف حينها.

 

د. عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري