أولاً-البيئة القانونية:
حسب المادة 127 من الدستور التركي تنقسم
الإدارات المحلية إلى 3 نماذج: إدارات المحافظة، والبلديات والقرى.
ومن بين هذه الإدارات برزت البلديات
أكثر من غيرها، وقد سهل هذا حركة التمدن والتطور العمراني والاقتصادي الذي شهدته
البلاد في السنوات الأخيرة.
وبحسب القانون التركي رقم 533
يوليو2005، فإن البلدية هي مؤسسة تقوم على الخدمات التي ينتفع منها المواطنون
عموما، وينتخب عمدتها من قبل الناخبين، وتملك ميزانية وإدارة منفصلة، وتتكون من
مجلس بلدي ومجلس استشاري ورئيس بلدية.
والبلدية الكبرى جاء تعريفها في القانون
5216 يوليو 2004، بأنها مؤسسة تتكون في المناطق التي يتجاوز عدد السكان فيها 750 ألف
نسمة، وتقع ضمن حدود المحافظة.
وتتولى البلدية الكبرى التنسيق والإدارة
بين البلديات، وتقوم بالوظائف والمسؤوليات المبينة في القوانين بميزانية وإدارة
منفصلتين، وينتخب رئيسها من قبل الناخبين، وتتكون من مجلس البلدية الكبرى ومجلس
البلدية الكبرى الاستشاري ورئيس البلدية الكبرى.
وجاء تعريف البلدية الكبرى في القانون
5216 يوليو 2004، بأنها مؤسسة تتكون في المناطق التي يتجاوز عدد السكان فيها 750 ألف
نسمة، وتقع ضمن حدود المحافظة.
وتتولى البلدية الكبرى التنسيق والإدارة
بين البلديات، وتقوم بالوظائف والمسؤوليات المبينة في القوانين بميزانية وإدارة
منفصلتين، وينتخب رئيسها من قبل الناخبين، وتتكون من مجلس البلدية الكبرى ومجلس
البلدية الكبرى الاستشاري ورئيس البلدية الكبرى.
عن
الانتخابات المحلية التركية:
-
تتم كل 5 سنوات ويتنافس فيها 12 حزباً.
-
يحق لـ 57 مليون ناخب الإدلاء بأصواتهم.
-
التصويت متاح في 194 ألفاً و390 صندوقاً انتخابياً موزعة على 81
ولاية.
-
المواطنون الأتراك فوق 18 عاماً يحق لهم التصويت.
وهناك ما يميز البلديات في تركيا وهو ما
يسمى بالبلدية المجتمعية، حيث تتولى البلديات الإدارات المحلية ومسؤولية وضع خطط
لتحسين الجانب الاجتماعي في حياة المواطنين.
مهام
وصلاحيات البلدية:
1-
وضع خطط عمرانية وإنشائية ناظمة للولاية بما تتناسب مع النظام
البيئي العام.
2-
ترخيص وتنفيذ كافة المشاريع المتعلقة بالعمران والترميم
والإصلاح، وتطبيق القوانين اللازمة فيما يخص الإنشاءات غير القانونية.
3-
لعناية بالشوارع ومراكز المدن والطرقات العامة المتواجدة في
النطاق الذي تشتمل عليه البلديات.
4-
تأسيس أنظمة معلوماتية للمدينة.
5-
تنفيذ المشاريع المتعلقة بالزراعة والصرف الصحي وكذلك التشجير.
6-
تحليل المواد الغذائية والمشروبات، والتأكد من صلاحيات
إنتاجها وكذلك انتهاء مدتها.
7-
تنفيذ الخدمات في المناطق التي تشغّلها البلدية، وضبطها
والقيام بالتفتيش اللازم.
8-
الحفاظ على الطابع التاريخي والحضاري للأماكن والآثار
التاريخية، وذلك من خلال أعمال الترميم والإصلاحات الضرورية.
9-
الحرص على الشكل الجمالي للمدينة، واتخاذ القرار المناسب بشأن
كل ما يُعتقد بأنّه يشوّه المنظر العام للمدينة.
ويتكون مجلس البلدية الحضرية من ثلاثة
أعضاء رئيسين:
1- محافظ المنطقة
الحضرية، الذي يُنتخب مرة كل 5 سنوات.
2- المجلس البلدي، وهو
الهيئة التي تُصدر القرارات إلى جانب المحافظ والمخاتير وخُمس أعضاء مجالس النواحي.
3- اللجنة التنفيذية
الحضرية.
كذلك
هناك 3 سلطات محلية:
1-
البلديات. وتضم بلدية إسطنبول الكبرى 39 بلدية محلية.
2-
مجالس الإدارة المحلية الخاصة.
3-
مجالس الإدارة القروية. وتُعتبر البلديات أهم تلك السلطات
المحلية حاليًا بسبب ارتفاع نسبة التحضر في المناطق المحيطة بالمدينة.
وتنقسم البلديات الفرعية تحت بلدية إسطنبول إلى 39
بلدية، هذه البلديات الصغيرة معنية بإدارة مناطق محددة تقدم خدماتها للسكان،
أكبر هذه البلديات بلدية منطقة Başakşehir وأقدمها بلدية Beyoğlu، بينما تقوم بلدية إسطنبول الكبرى بدور
الوحدة الرئيسة في إدارة هذه البلديات واختيار رؤسائها، وإدارة وزارة الآثار
ومديرية الصحة ومديرية المياه، والإطفائية، ومديرية الشرطة.
ثانياً-الأهمية الاقتصادية:
أظهرت معطيات رسمية، أن ميزانية بلدية
إسطنبول لعام 2018 بلغت 42 مليار و600 مليون ليرة تركية (11.134 مليار دولار
أمريكي)، بينما بلغت ميزانية مديرية الأمن 27.8 مليار ليرة تركية، وتعتمد
بلدية إسطنبول الكبرى على ميزانية مختلفة كل عام متخصصة ضمن الميزانية العامة
للدولة التركية.
وفق ما نشرته ترك برس، نقلاً عن "إبراهيم
تشاغلار"، رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة إسطنبول، فإن إسطنبول تتمتع بأهمية
بالغة بالنسبة للحركة الاقتصادية، والقيم الثقافية والمعنوية على المستوى العالمي
وليس التركي فحسب.
وأضاف "تشاغلار"، إن اقتصاد
المدينة أكبر من اقتصادات 130 دولة، لكونها تغطي 27%من إجمالي الدخل القومي، و43%
من إجمالي الصادرات في تركيا.
وتابع: "تعد إسطنبول في الوقت ذاته
مركزاً تجارياً دولياً.. توجد 33 ألف شركة أجنبية مسجلة في غرفة التجارة لدينا،
وقد ازداد عدد الشركات الأجنبية في المدينة بنسبة 37.1% خلال الربع الأول من العام
2017".
ويقطن في إسطنبول نحو 14 مليون و804
آلاف و116 مواطناً، يشكّلون 18.5% من إجمالي عدد سكان تركيا، وفق معطيات هيئة
الإحصاء التركية (حكومية) عن العام 2016.
وبلغ نصيب إسطنبول من الناتج المحلي
الإجمالي لتركيا نحو 622 مليار و762 مليون ليرة (175 مليار دولار) في 2014، مما
يشير إلى أن المدينة تملك ثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
ويصل نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي
لتركيا نحو 12.12 ألف دولار في العام 2014، في حين وصل هذا الرقم بمدينة إسطنبول
إلى 19.9 ألف دولار.
معطيات هيئة الإحصاء التركية، تشير
أيضاً إلى أن عائدات الصادرات التركية بلغت 142.5 مليار دولار خلال العام المنصرم،
بلغ نصيب إسطنبول منها 76.2 مليار دولار بما يعادل 53.4%.
وأنفقت تركيا العام الماضي 198.6 مليار
دولار على الواردات، وبلغ نصيب إسطنبول منها 116 مليار دولار بمعدل 58.4% من
الإجمالي.
كما بلغ حجم التجارة الخارجية لتركيا
خلال العام الماضي، نحو 341 مليار و162 مليون دولار، منها 192 مليار و178 مليون
لإسطنبول بمعدل 56%.
على صعيد متصل، أظهرت معطيات هيئة مراقبة وتنظيم الأعمال
المصرفية في تركيا (حكومية)، أن هناك 11 ألف و656 فرعاً للمصارف في عموم البلاد،
منها 3308 آلاف في إسطنبول، بمعدل 28.4%. ومنح قطاع المصارف في تركيا قروضاً بقيمة
1.8 ترليون ليرة (505.6 مليار دولار) خلال العام الماضي، وبلغ نصيب إسطنبول منها
754.3 مليار ليرة (211.9 مليار دولار)، بمعدل 42.1% من الإجمالي.
من جهة أخرى وفقًا لتقرير صادر عن مركز
دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية (EDAM) في تركيا أنه من المتوقع أن يوفر مطار
إسطنبول الجديد 225 ألف فرصة عمل، بحلول عام 2025، وأن يساهم بنحو 4.9% من الدخل
القومي (73 مليار ليرة تركية).
وبالمقارنة مع مطارات أخرى حول العالم،
فإن مطار إسطنبول الجديد، سيتجاوز مطاري Schipol
الهولندي وCharles
de Gaulle الفرنسي من حيث المساهمة في
الدخل القومي، حيث أوضح خبراء، أنه في حين يغطي مطار «شيبول» 1.1% من دخل
أمستردام، فإن مطار إسطنبول الثالث، سيغطي نحو 1.4% من مدينة إسطنبول.
وكشفت صحيفة "زمان" التركية
في تقرير لها عن تزايد اهتمام المستثمرين بالعقارات المحيطة بالمطار، مما أدى
بطبيعة الحال إلى ارتفاع أسعار العقارات فيها.
وكان أبرز ما جاء في تقرير الصحيفة ما
نقلته عن رئيس شركة «كيلير ويليام» عند سؤاله عن أسعار العقارات في المنطقة
المحيطة بالمطار، أجاب بأن المتر المربع قبل الحديث عن مشروع المطار الثالث في إسطنبول
كانت تبلغ قيمته 80 ليرة، وفي عام 2016 وصل السعر إلى 250-300 ليرة، وهو آخذ في
الارتفاع بشكل متسارع.
كما أشار موقع Gi
Turkey، إلى أن إسطنبول تُعتبر
مركزًا للحياة الاقتصادية في تركيا بسبب موقعها كواجهة طرق للتجارة البرية
والبحرية والدولية، وهي أيضًا أكبر مركز صناعي في تركيا.
وبصفتها العاصمة المالية لتركيا، فإن إسطنبول
تساهم سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي التركي فهي تُعتبر أكبر مركز صناعي في
البلاد، بما يقارب 35٪ من العمالة الصناعية في تركيا.
وتتمتع إسطنبول وضواحيها باقتصاد صناعي
متنوع، حيث تنتج السلع كزيت الزيتون والتبغ ومركبات النقل والإلكترونيات والقطن
والحرير. كما يمكن اعتبار تصنيع المواد الغذائية، وإنتاج المنسوجات، والمنتجات
النفطية، والمطاط، والأدوات المعدنية، والجلود، والكيماويات، والمستحضرات
الصيدلانية، والإلكترونيات، والزجاج، والآلات، والسيارات، ومركبات النقل،
والمنتجات الورقية، من المنتجات الصناعية الرئيسة في المدينة.
وعلى مستوى العمالة، تغطي إسطنبول حوالي
35.1٪ من العمالة في تركيا، ومعدل الدخل الشهري في إسطنبول حوالي 640 دولار أمريكي
وهو الأعلى في تركيا، وتعتبرإاسطنبول أيضًا مركزًا مهمًا للتجارة البحرية الدولية
مع موانئها التجارية وموقعها باعتبارها ملتقى للأراضي الدولية.
وتوفر البلاد قوة عاملة سهلة المنال
وفعالة من حيث التكلفة، مما يوفر رابع أكبر قوة عاملة بين دول الاتحاد الأوروبي
ودول الانضمام.
ومن منظور اقتصادي، شهدت تركيا ارتفاعًا
سريعًا، والسر وراء ذلك إسطنبول فزادت أكثر من ثلاثة أضعاف ناتجها المحلي الإجمالي
منذ عام 2002 من 231 مليار دولار إلى 820 مليار دولار.
ووفقاً لبيانات شبكة نون بوست، فقد قامت
بلدية إسطنبول بالكثير من المشاريع التي صبت في مصلحة المدينة وساعدتها في الوصول
إلى مركز الوجهة السياحية الأولى في تركيا، فشرعت في بناء شبكة كبيرة من السكك
الحديدية التي تربط المدينة ببعضها البعض مثل مترو الأنفاق الذي كان طوله 8.5
كيلومتر عام 2000، وأصبح 489 كيلومترًا حتى الآن، وحسب تقارير لبلدية إسطنبول
الكبرى فإنهم يهدفون إلى 600 كيلومتر من طول سكة مترو الأنفاق خلال عام 2023.
ومن أهم مشاريع النقل العام نفق أوراسيا الذي افتتح في 20 من
ديسمبر عام 2016 وهو سادس أطول نفق في العالم، ويمتد النفق على مسافة 14.6
كيلومتر، 3.4 كيلومتر منها تحت قاع مضيق البوسفور، ويذكر أن النفق مجهز بآلية
مقاومة للزلازل مما يجعله أكثر أمانًا بالنسبة لمدينة تقع بين تلّتين مثل
إسطنبول.
ثالثاً-الأهمية السياسية والأمنية:
اعتبرت الهزيمة الانتخابية في إسطنبول بمثابة ضربة كبرى لأردوغان
الذي سبق أن اعتبر أن الفوز بالمدينة يوازي الفوز بتركيا، وخصوصا أن حزبه وأسلافه
السياسيين حكموا المدينة طوال الأعوام ال25 السابقة.
حيث تولى حزب الفضيلة الإسلامي الذي ورث
حزب الرفاه رئاسة بلدية المدينة حتى عام 2004. وكان حزب العدالة والتنمية بزعامة
أردوغان قد وصل إلى الحكم في تركيا عام 2002، فعادت المدينة إلى إدارة حزبه منذ
2004، أي أن المدينة لم تخرج عن سيطرة الأحزاب ذات الميول الإسلامية منذ ربع قرن.
يقال إنّ طيب أردوغان، الذي انتُخب رئيس
بلدية إسطنبول في العام 1994، أشار مرّة إلى أنّ "مَن يفوز بإسطنبول يفوز
بتركيا". على أن أخطر ما يخشاه المتابعون في تركيا أن يضطر قادة حزب العدالة
والتنمية بسبب صعوبة نجاح مرشحهم في انتخابات الإعادة لبلدية إسطنبول، إلى التفاهم
مع زعماء الأكراد على بعض الملفات مقابل تصويت أنصار أوجلان حزب الـ(HDP) لصالح بن علي يلدريم،
وهم الذين يملكون ما بين 4 إلى 6% من أصوات إسطنبول، وصوتوا بالكامل لصالح
مرشح المعارضة، ما يعني أن صوتهم سيكون حاسماً فيما لو أعيدت الانتخابات.
ووفقاً لما نشرته ترك برس، تعتبر
الانتخابات للبلديات في تركيا المؤشر الدقيق لنتائج الانتخابات البرلمانية، وهي
المدخل لها ومقياس الثقل السياسي للحزب في المناطق. حيث يعتبر رئيس البلدية الحاكم
المحلي، وكذلك فإن التقارب مع الشارع في المناطق ذات المكانة السياسية، لا يؤدي
إلى التقارب مع الحاكم المحلي فحسب، بل الأهم أنه يدعم حزبه في الانتخابات
البرلمانية ومرشحه لانتخابات رئاسة الجمهورية.
وفي كلمته أمام مؤتمر القمة الدولية
للمدن والمنظمات غير الحكومية في إسطنبول عام 2017، دعا أردوغان إلى الضرورة بل
الحتمية لتعزيز دور البلديات في تركيا كما كان الوضع في المدينة المنورة، والتركيز
على خدماتها مستخدما وصف أنها "سر البقاء في السلطة" التي تبدأ من مراكز
الحكم المحلية، وشدد على قوتها وفاعليتها، ووجه تساؤلا: "إن استطعنا تطبيق
معايير الدين الإسلامي على جوانب الحياة الاجتماعية، هل كنا سنواجه الأزمات التي
نعيشها حاليا؟".
وهذه المرة الأولى التي يخسر حزب
العدالة والتنمية بلديتي أنقرة وإسطنبول منذ صعد إلى السلطة عام 2002.
وعلى الرغم من خسارة رئاسة بلديتي أنقرة
وإسطنبول الكبرى، فإن تحالف الشعب (حزب العدالة والتنمية والحركة القومية) حصل على
الأغلبية في مجلسي البلديتين، ففي أنقرة حصل على 105 أعضاء مقابل 42 لتحالف الأمة
(حزب الشعب والحزب الجيد)، وفي إسطنبول 180 للأول مقابل 135 للثاني.
وتجدر الإشارة إلى أن حصيلة حزب العدالة
والتنمية في إسطنبول زادت بمقدار 1% عن نتائج الانتخابات الماضية، لكن مرشح حزب
الشعب الجمهوري استطاع الحصول على 18,68% زيادة على النسبة التي حصل عليها حزبه في
عموم تركيا، والمقدرة بـ 30.12%، حيث حصل على نسبة 48.80%، ومن ثم فإن مما لا شك
فيه أنه تمكن من الحصول على أصوات كثيرة من خارج حزبه، وكذلك حليفه الحزب الجيد
7.45%، وهي تقارب النتيجة التي حصل عليها مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية الماضية
محرم إنجه.
وجاء في بلومبرغ، أن اسطنبول هي أكبر
مدن الدولة، ومركزها التجاري وتزداد أهميتها نظرا لأنها شهدت بداية أردوغان
السياسية، كما أن حزب العدالة والتنمية بنا فيها شبكة هامة من أصحاب المحسوبية،
وذلك بتوزيع عقود مشروعات البنية التحتية على مؤيدي أردوغا. وأشارت الوكالة إلى أن
الرئيس التركي أبلغ المشرعين في 2016: "لو خسرنا إسطنبول، سوف نخسر تركيا".
فيما اعتبرت فورين بولسي، أنّه من خلال
إلغاء النتائج، يضاعف أردوغان الخطأ الاستراتيجي المتمثل في إدخال نفسه في
الانتخابات المحلية في المقام الأول. ويخاطر أردوغان برد فعل عنيف هائل من
الناخبين، الذين سيعتبرون القرار غير عادل وسيحاولون الفوز بأي وسيلة ممكنة.
وهناك 3 تفسيرات لخوض أردوغان هذه
المخاطر، وهي:
- أولاً، إسطنبول ليست
المدينة الأكبر فحسب، بل هي العاصمة الاقتصادية والثقافية لتركيا. وعلى هذا النحو، فإن إسطنبول
تعد مصدر الأموال لحزب "العدالة والتنمية". وبحسب الصحيفة فقد تم
تحويل مشاريع كبيرة بمليارات الدولارات، إلى دائرة رجال الأعمال المقربين من
أردوغان، وفي هذه الأثناء، قام بإعادة تشكيل وتوطين القطاع الخاص في تركيا. وبالتالي، فإن خسارة إسطنبول
من شأنها تجفيف منابع تمويل حزب العدالة والتنمية بشدة.
- ثانياً،
هي قاعدة أردوغان الرئيسية؛ التي بدأ حياته السياسية منها عندما تم انتخابه لأول
مرة رئيساً للبلدية في عام 1994. وإلى جانب رمزية فقدان مسقط رأسه السياسي بعدما
استثمر الكثير في الحفاظ عليها، فإنه يدرك أن عمدة المعارضة الناجح، يمكن أن يكون منافساً
له في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
- ثالثًا، يدرك أردوغان
أنه بعد ما يقرب من عقدين من الحكم ربما يكون الشعب التركي متعباً منه. على الرغم
من أنه ألقى اللوم خلال الحملة على الأجانب، أي الولايات المتحدة والغرب، بسبب
الحالة المتدهورة للاقتصاد التركي، فإن الكثير من الناخبين يختلفون معه. ويخشى أن
خسارة إسطنبول، ستشكل مزيداً من التشققات في حلفه، وتعطي تصوراً بأن سلطاته
تتناقص. وربما يفسر بعض الأتراك الخسارة بأنها بداية النهاية بالنسبة لأردوغان.
رابعاً-التأثير في السياسة الخارجية:
نشرت قناة الحرة، تحليلاً لأهمية انتخابات
إسطنبول تحديداً في السياسة الخارجية التركية، وأشارت إلى أنه في ظل ظروف طبيعية،
قد يكون للتصويت المحلي صلة ضئيلة بالقضايا الجيوسياسية، لكن أردوغان وحزبه الحاكم
"حزب العدالة والتنمية" اعتمدا حملتهما الانتخابية على برنامج ذو توجه
أمني، مما يشير إلى أن "وجود" تركيا بحد ذاته يتوقف على النتيجة. وفي
السياسة التركية، تعتبر كلمة "وجود/ ("بقاء" باللغة التركية) رمزا
لمحاربة النزعة الانفصالية الكردية.
وقد يعني استمرار تحالف أردوغان-بهتشلي
اتباع المزيد من السياسات المتشددة في أنقرة، تشمل اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد
الشراكة بين الولايات المتحدة و"وحدات حماية الشعب" في سوريا، وفرض
إجراءات أمنية محلية أكثر تشددا، يبررها الكفاح لمحاربة الإرهاب ضد "حزب
العمال الكردستاني".
ومن شأن تحقيق "حزب العدالة
والتنمية" و"حزب الحركة القومية" انتصارات واسعة النطاق أن يعزز
أيضا مقاربة "إقامة علاقات مع دول أوراسيا" ضمن "حزب العدالة
والتنمية" ـ
أي السعي إلى توطيد العلاقات مع روسيا
والصين وإيران من دون الخروج فعليا من حلف "الناتو"، وسط توقعات بأن
يوافق جميع هؤلاء الخصوم على علاقات تركيا غير التمييزية.
وبناء على هذا التحليل، يمكن أن نرسم
صورة معاكسة أيضاً، وأن نقول إن انتصار أردوغان وحزبه –افتراضياً- في جولة
الإعادة، واستعادة الهيمنة على رئاسة بلدية إسطنبول ومجلس إدارتها، قد يخلق سلوكين
متضادين:
- الأول، إحساس
بالطمأنينة في الاستمرار في الحكم وفق الصورة الحالية، والتفرغ للتحضير للانتخابات
الرئاسية. مع التخلي عن الملفات الخارجية المتأزمة، وإحداث مصالحات مع الدول التي تضغط
على أردوغان.
- لكن طبيعة السياسة التركية
غير الثابتة، قد سوق احتمالاً ثانياً، وهو اعتقاد بالعظمة لدى أردوغان وحزبه، وأن
البيئة المحلية مناصرة بشكل كبير له في توجهاته، ومنها التوجهات الخارجية، ما
يدفعه إلى اتخاذ سلوك أكثر تشدداً من سابقه.
عموماً، نعتقد، أن السياسة الخارجية التركية،
منذ وصول أردوغان، شبيهة للغاية بالسياسة الفرنسية، حيث تصنع لذاتها مشاريع كبرى تسعى
للحصول عليها، دون قراءة متأنية لإمكانية تحقيق هذه المشاريع، وبالتالي فهي تصعّد
خطابها ومطالبها، قبل أن تصطدم بعدم إمكانية تحقيق ذلك، لتبدأ سلسلة متتالية من التنازلات
عن مشروعها الخارجي المعلن.
خامساً-البنى الديموغرافية والأهمية الاجتماعية:
نتجت في تركيا، وعبر البلديات، زيادة
التنمية المحلية وفرص العمل وكوفحت البطالة عبر تطوير سياسات استثمارية جديدة، ومن
جهة أخرى ازدادت كفاءة الخدمات على مستوى الصحة، والتعليم، والمعيشة والتكافل
المجتمعي.
وحدث التطور الفارق بعد قانون البلديات
الكبرى، التي أسندت وظائف وصلاحيات كثيرة للبلديات في مجال خدمات البلدية
المجتمعية مثل إنشاء المراكز الصحية والمستشفيات ومراكز الصحة المتنقلة لتقديم
الخدمات إلى النساء والأطفال والبالغين وكبار السن وذوي الإعاقات، والأنشطة
الثقافية والمجتمعية، وتطوير الخدمات على تلك الأصعدة، وإقامة مؤسسات ومراكز تحتضن
تلك الأنشطة، وفتح مراكز التدريب لتنمية ذوي المواهب وإدارتها، والتعاون مع
الجامعات والمعاهد والثانويات المهنية والمؤسسات الحكومية ومؤسسات العمل المجتمعي
في التنفيذ، أما فتح مراكز لذوي الاحتياجات الخاصة لإقامة الأنشطة الخاصة بهم،
فتقع تحت مسؤولية إدارة البلديات بشكل مباشر.
فالكثير من القفزات التي حققتها تركيا
منذ 2002 بقيادة الإصلاحيين المحافظين بدأت لبنتها الأولى في البلديات، التي
اقتربت من الشعب وحصلت على ثقته بمستوى الخدمات والعدالة في الحقوق والواجبات، بعد
أن نزعت فتيل القنبلة الموقوتة وهي التفرقة بين الطبقات والذي كان سائدا بل
مستحسنا بعد إعلان الجمهورية وحكم التيار العلماني الأتاتوركي (حزب الشعب
الجمهوري).
وللتركيبة السكانية في إسطنبول خصوصية
عن باقي المدن التركية، فغالبية سكان المدينة هم من المهاجرين من المدن الأخرى، الذين
انتقلوا للعيش فيها للعمل أو الدراسة واستقروا فيها على مدار تاريخ الجمهورية،
وشهدوا القفزات التي تحققت فيها، ما يجعلهم متابعين لنهضتها.
ومن المهم الإشارة إلى أن غالبية هؤلاء
السكان لهم ارتباطات عائلية في مدنهم الأصلية ما يعني قدرتهم على التأثير أيضا في
أصوات أقربائهم في المدن الأخرى.
وقد تخطت مدينة إسطنبول، 131 دولة حول
العالم، من حيث الكثافة السكانية. وبحسب معلومات وكالة الأناضول من هيئة الإحصاء
التركية، فإن عدد سكان إسطنبول، بلغ 15 مليون و67 ألفا و724 نسمة. وأوضحت المعطيات
أن 18.4 في المئة من إجمالي سكان تركيا البالغ عددهم مع نهاية العام الماضي، 82
مليون و3 آلاف و882 نسمة، يعيشون في إسطنبول.
وخلال الأعوام الخمسة الأخيرة، زاد عدد سكان إسطنبول بنسبة 6.4
في المئة، وتجاوز بذلك التعداد السكاني لـ 131 دولة حول العالم.
وتضم إسطنبول بضعة آلاف فقط من العلويين العرب، وأقل من ذلك
بكثير من العلويين الأكراد والأتراك، وحوالي 18 ألف يهودي.
كما تضم إسطنبول عشرات الآلاف من ذوي الأصول اليونانية، ومثلهم
من ذوي الأصول الأرمنية.
وقد هاجر معظم السريان إلى إسطنبول وهم بحدود عشرين ألفاً، إلى
جانب مئات الكلدان الذي نزحوا إلى إسطنبول.
في حين تشهد إسطنبول حضور 3-4 مليون كردي. إلى جانب جماعات
صغيرة من:
-
عرقية الأليان، وهم مسلمون.
-
جماعات عرقية ذوات أصول أوروبية، وأخرى ذوات أصول من آسيا
الوسطى، والبلقان والقوقاز.
أما على المستوى السياسي، فيمكن ملاحظة
أن المدينة انقسمت في الانتخابات الأخيرة، وفق الشكل التالي:
-
حزب العدالة والتنمية AK PARTI: 47.95% من أصوات إسطنبول.
-
حزب الشعب الجمهوري CHP: 40.08% من أصوات إسطنبول.
-
حزب الشعوب الديموقراطية HDP: 4.84% من أصوات إسطنبول.
-
حزب الحركة القومية MHP: 3.97% من أصوات إسطنبول.
-
حزب السعادة SP: 1.44% من أصوات إسطنبول.
وعليه لا يمكن القول إن المدينة تحت
هيمنة مطلقة لحزب العدالة، بل إن حضور القوى السياسية الأخرى واضح، ومنافس حاد لدى
الشعب الجمهوري، عدا عن أن مستوى حضور القوى الأخرى يرتفع تدريجياً، ما يشبه تسرب
إسطنبول من يد العدالة عبر السنوات الأخيرة.

