المحور الأول:
الهيكلة العسكرية في البلقان، والموقع
الصربي منها
مستويات
القوة:
تعتبر دول البلقان، بشقية الشرقي
والغربي، دولاً متوسطة وصغيرة القوة، وصولاً إلى دولة متناهية الصغر في مجال
القوة، وفي حال استبعاد كل من رومانيا والمجر، وحتى بلغاريا أيضاً، فإن كافة القوى
المتبقية لا تشكل وزناً عسكرياً حقيقاً على الساحة الدولية.
لكن الصورة تختلف كلياً على الساحة
الإقليمية، البلقانية خصوصاً والأوروبية عموماً، وحيث أن صربيا تحتل الترتيب 78
عالمياً، لكنها -بين محطيها المجاور مباشرة مع ألبانيا-، تأتي في المرتبة الخامسة
إجمالاً والرابعة في النفقات الدفاعية والثالثة في تعداد الجيش، وفق بيانات Global Firepower
التالية:
شكل رقم 1
أهم مقومات القوة العسكرية لصربيا ودول جوارها
تصنيف
القوى/التحالفات:
أما الوجه الآخر لمستويات القوى، فهو
شكل التحالفات التي تنضوي تحتها، فصربيا دولة "محايدة" عسكرياً وفق تعريفها
لذاتها، ووفق إقرار حلف الناتو بذلك، أي أنها دولة تتعاون مع حلف الناتو لكنها ليست
عضواً فيه، ولا تبدي رغبة في الانضمام إليه.
وفعلياً، فإن صربيا أكثر ميلاً لروسيا
بشكل واضح سواء في تصريحات الطرفين أو الزيارات والمواقف المتبادلة، أو عمليات التسليح
الروسي لصربيا.
وهي بذلك تكون دولة محاطة من جميع جهاتها
بدول أعضاء في الحلف، باستثناء كوسوفو غير المؤهلة حالياً للدخول إلى الحلف
والبوسنة التي لم تكتمل عضويتها في الحلف بعد.
وبذلك تكون صربيا جزيرة منفصلة عن روسيا
من جهة، ويمنعها وضعها هذا من التحرك بحرية في وسط أوروبا بعيداً عن التنسيق مع
الحلف من جهة ثانية.
ووفقاً لاستطلاع أجري في وقت سابق، فإن
حوالي ثلثي المواطنين الصرب (62%)، لم يغفروا لحلف الناتو قصفه يوغسلافيا عام
1999. ووفقاً للتقارير، فإن 62% لن يقبلوا أبداً أي مبرر يقدمه الناتو، في حين أن حوالي
ثلث المستطلعين، ومعظمهم من الشباب، مستعدون لنسيان الماضي.
وترى الأغلبية المطلقة من مواطني البلد
(84%)، أنهم ضد انضمام صربيا إلى منظمة حلف النانو، ويرى أكثر من الثلثين (68%)،
أن التعاون مع حلف الناتو لن يوفر أي فوائد في المستقبل. (23 أكتوبر، TASS)
في حين بدأت صربيا مفاوضات للدخول إلى
الاتحاد الأوروبي، ضمن محيط معظمه عضو في الاتحاد، وباقي دوله على وشك ذلك أو أنها
قيد التفاوض أو قيد الوعد، ما يخفف من أهمية الوضع العسكري، ويساعد صربيا في أن تكون
عوضاً أكثر فعالية في شؤون وسط أوروبا.
شكل رقم 2
أعضاء حلف الناتو والاتحاد الأوروبي في غرب البلقان
وبالعودة إلى مصطلح
"الجزيرة المعزولة"، فهو شكلاً لا مضموناً، وهو غير واقعي اليوم، لكن
احتمال حدوثه قائم في حالين: تغيير نهج العلاقات الدولية تجاه البلقان، انهيار
مفاجئ في المنطقة.
لكن فيما عدا ذلك، فإن العلاقة مع
الناتو تبقى ضمن مفهوم "الحياد"، فقد افتتح الأمين العام لحلف الناتو،
في سبتمبر الماضي، تمرين الطوارئ المدنية "Srbija 2018"، مع الرئيس الصربي، حيث يعد هذا أكبر
تمرين ينظمه مركز تنسيق الاستجابة للطوارئ الأوروبية الأطلسية التابع لحلف الناتو،
والأول الذي تستضيفه صربيا. وضم حوالي 2000 فرد من حوالي 40 دولة. وشمل التمرين اختبار
أدوات إغاثة جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي ونظام مراقبة الحوادث من الجيل التالي.
وشدد الأمين العالم للناتو، على أن المنظمة
تحترم تماماً حياد صربيا، وشرح الفوائد الملموسة للشراكة بين الناتو وصربيا. حيث عمل
التحالف مع صربيا للتخلص من أطنان من الذخائر الخطيرة، وساعد القوات الصربية في
المساهمة في بعثات حفظ السلام الدولية. (7 أكتوبر، NATO)
وفي فبراير الماضي، قال الأمين العام
لحلف الناتو، في مؤتمر دافوس: "نحن نحترم حياد صربيا، إن صربيا شريك مهم لنا"،
موضحا ًأن الدول ذات السيادة نفسها تتخذ مثل هذه القرارات، وأنه لا يحب أن يرى
صربيا داخل حلف الناتو لأن الحلف يجب أن يتكون من أعضاء" يريدون فعلا أن
يكونوا فيه".
وقال: "لكن، بينما نحترم حياد وقرارات صربيا، بالطبع، يجب
على روسيا أن تحترم كذلك قرارات سكوبي والجبل الأسود في أن تصبح أعضاءً في الحلف".
مشتريات
الأسلحة الصربية:
تعتمد القوات المسلحة الصربية، في الوقت
الحالي، وفي الغالب، على أسلحة ومعدات يوغوسلافية وسوفييتية قديمة وبعضها متهالك.
وفقاً لمنصة Airforce-technology
المتخصصة بالصناعة الدفاعية، فقد
تلقت وزارة الدفاع الصربية أول طائرة هليكوبتر عسكرية متعددة المهام
من طراز H145M
من إيرباص، في نوفمبر الماضي، ضمن صفقة تضم تسع طائرات هليكوبتر من طراز Airbus H145M
للقوات الجوية ووزارة الداخلية الصربية.
وسيتم تزويد الطائرات الأربع التي سيتم
تزويدها بالقوات الجوية الصربية بنظام إدارة الأسلحة من طراز HForce
من أيرباص.
وتشمل الاتفاقية أيضاً تقديم
التكنولوجيا ذات الصلة وقطع الغيار والأدوات والوثائق اللازمة لصيانة وإصلاح
الطائرات العمودية.
وكانت مصادر الإعلام الصربية، على رأسها
b92،
قد أكدت في أغسطس الماضي، تلقي القوات الجوية الصربية طائرتين مقاتلتين روسيتين من
طراز ميج 29، في إطار صفقة شراء الأسلحة.
وسبق لها في أكتوبر 2017، أن تلقت ست
طائرات من طراز ميج 29s من روسيا، والتي وعدتها أيضاً بتسليمها 30 دبابة قتالية و30 مركبة
مدرعة.
هذه الطائرات المستعملة في الأساس، مُنِحت
لصربيا بشكل مجاني، وخضعت لإصلاحات واسعة النطاق، حيث تكلّف إصلاحاها قرابة 213
مليون دولار، وتمّ تحديث هذه المعدات العسكرية بحلول مارس 2019.
كما تتفاوض صربيا، على شراء مزيد من
الأسلحة من روسيا، بما في ذلك طائرات الهليكوبتر الهجومية والنقل وأنظمة الدفاع
الجوي.
فيما تواجه صربيا سباق تسلح صغير مع
كرواتيا، العضو في الناتو، التي وافقت هي أيضاً في مارس 2018 على شراء 12 طائرة
مقاتلة من طراز F-16 من إسرائيل مقابل 500 مليون دولار.
فيما من المفترض أن يكون عام 2019 لعاماً
حاسماً للقوات المسلحة الصربية، ولا سيما القوات الجوية، حيث ستحصل صربيا على 14
طائرة ميغ 29، وعلى تسع طائرات هليكوبتر من طراز إيرباص.
غير أن Daniel
Heler، وفق ما نشرته Balkan Insight،
في ديسمبر الماضي، يرى أنه منذ عام 2012، وعلى الرغم من الحديث عن مشاريع مشتركة
محتملة مع روسيا، بما في ذلك تحديث الدبابات القديمة والعربات المدرعة للجيش، فلم
يتم تنفيذ أي مشاريع مهمة.
فعندما يتعلق الأمر بالصادرات، فإن
روسيا وصربيا تشبهان المنافسين أكثر من الشركاء في السوق العالمي، حيث تنتج
الشركات الصربية تقريباً نفس أنواع السلع التي يحصل عليها الروس عندما يتعلق الأمر
بالعديد من الأسلحة الأقل تطوراً من الناحية التكنولوجية.
فيما يرى أنه يمكن لشركات الأسلحة
الغربية، التي تخضع في الغالب لسيطرة الدولة المباشرة أو غير المباشرة، أن تقدم
حوافز مالية لصناعة الدفاع الصربية، التي تحتاج إلى المزيد من رؤوس الأموال
وعمليات نقل التكنولوجيا الفائقة. في المقابل، فإنه يمكن لروسيا، في وضعها
الاقتصادي الحالي، أن تقدم المساعدة التكنولوجية فقط.
وبصرف النظر عن الموردين المحليين، هناك
اتفاق حول التعاون العسكري-التقني مع روسيا، يشمل حصول صربيا على 10 مقاتلات من
طراز ميج 29، تبرع ببعضها بيلاروسيا، و 30 دبابة قتالية رئيسة من طراز T-72C، و 30 مركبة مدرعة
من طراز BRDM-2،
و 17 طائرة عمودية، وربما مروحيات MI-35، وطائرات النقل Antonov
An- 26، وذلك بأسعار
مواتية للغاية، لكن تكاليف التحديث تجعلها أقل فائدة.
وهناك أيضاً اقتراحات حول عمليات شراء
منظومات دفاع جوي من روسيا، مثل نظام S-300.
إلى جانب العديد من المركبات الجوية غير
المأهولة للأغراض العسكرية من الصين. كما تدعم صربيا تعزيز قوات الأمن في صربسكا.
ويؤكد Daniel
Heler، أن هذه المشتريات مدعومة بقوة من قبل
السياسيين الصرب المناهضين للغرب، بما في ذلك الأعضاء المؤثرون في الأحزاب
التقدمية والاشتراكية الحاكمة.
في المقابل، تقتصر الإمدادات العسكرية
الغربية لصربيا، إلى حد كبير، على الأسلحة الخفيفة والمركبات، وهي أقل أهمية بكثير
من الأسلحة التي تحتفظ بها القوات المسلحة الصربية.
وهو دفع الباحث إلى أن يحذر من أن التكاثر
العام المتوقع للقوة العسكرية الصربية، إلى جانب التطورات العسكرية المتزامنة لا
سيما في كرواتيا، يمكن أن يؤدي إلى سباق تسلح إقليمي خطير، مع ما يترتب على ذلك من
آثار بالنسبة في كل أمن أوروبا.
في هذا المسار، يمكن فهم مشاركة صربيا
في التدريبات العسكرية التي عقدتها روسيا فوستوك 2018 (شرق 2018)، بمشاركة حوالي
297000 جندي، في أكبر مناورة عسكرية منذ ذروة الحرب البارد.
المحور الثاني:
تطورات مسألة كوسوفو
التطورات
العامة:
رغم إعلان كوسوفو استقلالها عن صربيا منذ عام 2008، واعتراف
الكثير من الدول بذلك، ما تزال صربيا رافضة لهذا الاستقلال، وتعامل كوسوفو على
أنها إقليم انفصالي متمرد على سلطة بلغراد. ويمكن اختصار تطورات المشهد بين
الطرفين، في العام الأخير، عبر النقاط التالية:
-
ضغط صربيا على المنظمات الدولية، وبمساعدة حلفائها، لمنع
انضمام كوسوفو إلى هذه المنظمات، بدءً من الأمم المتحدة، وأحدثها الإنتربول.
-
ما دفع كوسوفو إلى فرض رسوم جمركية على المنتجات الصربية
والبوسنية، بنسبة 10% كإجراء عقابي، على أمل إجبار صربيا على تغيير منهجها. وحيث
لم يتحقق لكوسوفو ذلك، فإنها رفعت الرسوم الجمركية إلى نسبة 100%.
-
في هذه الأثناء، كانت صربيا تواصل نهجها في الضغط والتقارب مع
الدول التي تعترف بكوسوفو، لسحب اعترافها، وقد أفلحت في دفع 13 دولة لسحب اعترافها،
حتى يناير الماضي.
-
بينما توجهت كوسوفو، في ظل الرفض الصربي للاعتراف بها مع استمرار
تحركاتها الدولية بهذا الشأن، إلى تحويل قوة أمن كوسوفو، إلى جيش رسمي للدولة.
في
المقابل، ورغم هذا التصعيد الظاهري، والذي قد يوحي للمتابع بأن الطرفين يتوجهان
نحو المواجهة المسلحة، أو ما شابه ذلك، إلا أن الطرفين في المقابل، يعملان وفق نهج
تصعيد مضبوط، سواء محلياً في كل دولة، أو إقليمياً عبر الدول الأوروبية، أو دولياً
عبر روسيا والولايات المتحدة.
فكل طرف يحاول أن يحصل على أعلى مكاسب بهذا
التصعيد، سواء في الرأي العام المحلي أو الدولي.
ويمكن أن نضع في هذا المساق ذاته، إصدار
الرئيس الصربي أوامره، بوضع الجيش في حالة تأهب، بعد نشر كوسوفو لقوات في محيط
بحيرة غازفودا بالقرب محطة الطاقة الكهرومائية التي تسيطر عليها بلغراد. حيث يوجد في
المنطقة نحو 60 جندياً من القوات الخاصة لكوسوفو، ودخل بعض منهم مركزاً لعلم
البيئة والتنمية الرياضية، بالقرب من بحيرة غازفودا في شمال كوسوفو. (29 سبتمبر، سبوتنيك عربي)
ويمكن ملاحظة أن الطرفين يعمدان على استخدام أسلوب التصعيد والتسريبات
معاً، بحيث يكون هناك دوماً منافذ للأزمة القائمة، بما يمنع تحولها إلى أزمة حادة
قابلة للانفجار. وللتدليل على ذلك، يمكن ملاحظة التصريحات التالية لكلا الطرفين،
في الأشهر الأخيرة:
-
أغسطس 2018: قال وزير خارجية صربيا، إن كوسوفو "وهم لا
حقيقة له في الواقع الدولي"، وذلك في تصريح له لقناة برفا الصربية. ضمن تأكيد
بلجراد على موقفها من استعادة كوسوفو للأراضي الصربية، رغم كل المساعي التي يبذلها
المجتمع الدولي للإصلاح بينهما.
-
ديسمبر 2018: هددت صربيا بالتدخل المسلح المحتمل في كوسوفو بعد
أن وافق برلمان كوسوفو يوم الجمعة الماضي، بأغلبية ساحقة على تشكيل جيش. ووصفت
بلغراد الخطوة بأنها "تهديد مباشر للسلام والاستقرار" في البلقان
وانتقدت الولايات المتحدة لدعمها. -euro news-
-
يناير 2019: قال الرئيس الصربي، في خطاب للرئيس الأمريكي، إن
بلاده مستعدة لاستئناف الحوار مع كوسوفو حول تطبيع العلاقات، ولكن حصراً بعد أن
ترفع بريشتينا التعريفات الجمركية على السلع الصربية. وأشار إلى أن هذه الرسوم
"لا تزال عبئاً وعقبة لا يمكن تجاوزها لاستمرار الحوار".
تسريبات
الطرفين، حول آليات حل الأزمة:
هنا لا بد من التمييز
بين ثلاثة اتجاهات رئيسة:
- الاتجاه الصربي، وهو اتجاه موحد تقريباً،
ويطالب بإجراء تبادل أراضٍ وإعادة رسم الحدود وفق معايير عرقية. (ما زال موقفاً
نهائياً)
- اتجاه الرئيس
الكوسوفي، وهو اتجاه قريب من الاتجاه السابق. (موقف متردد)
- اتجاه رئيس الوزراء
الكوسوفي، وهو اتجاه رافض لذلك، حيث يقبل أحياناً بإعادة رسم حدود وليس إعادة
تبادل للأراضي وفق أسس عرقية، ويؤيده في ذلك غالبية القوى السياسية الكوسوفية، وإن
كانت لم تستطع التوافق فيما بينها داخل البرلمان، حول إصدار قانون يمنع تبادل
الأراضي، وذلك بسبب خلافاتها السياسية. (موقف شبه نهائي)
وقد
اقترح رئيس وزراء كوسوفو، في يناير الماضي، عقد مؤتمر دولي للتوصل إلى اتفاق نهائي
لتطبيع العلاقات مع صربيا. ونشر رسالة على حسابه في فيسبوك في 28 يناير، تتضمن
الخطوط العريضة للاقتراح. وقال إنه أرسل إلى الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا
وإيطاليا وبريطانيا نص المقترح.
وجاء فيه أن مثل هذه الصفقة التي تسمح
بالتعليق الفوري للتعريفات التي فرضتها كوسوفو على السلع الصربية، لا يمكن أن تشمل
تغييرات على الحدود، محذراً من أن مقايضات الأراضي قد تحيي العداوات القديمة في
البلقان.
واشترط في الرسالة أنه على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي
الموافقة على أنه لن يكون هناك أي "إعادة رسم للحدود الحالية لكوسوفو، أو
تقسيم كوسوفو أو تبادل الأراضي مهما كانت طبيعتها".
وتشمل الشروط الأخرى السفر بدون تأشيرة
لمواطني كوسوفو إلى الاتحاد الأوروبي، والتنفيذ الكامل لمعاهدة الطاقة الموقعة بين
البلدين في بروكسل، وإزالة صربيا لجميع الحواجز غير الجمركية المفروضة على البضائع
القادمة من كوسوفو، وإعلان بلجراد علناً أنها لن تعمل ضد "تطلعات كوسوفو
كدولة ذات سيادة".
بدوره، كان الرئيس الصربي، في سبتمبر
2018، قد أكد أن أي اتفاق مع كوسوفو يجب أن يشمل ضمانات بمنح صربيا عضوية الاتحاد
الأوروبي، وأنَّه يرغب في التوصل إلى تسوية دائمة مع كوسوفو في المحادثات التي
يرعاها الاتحاد الأوروبي.
ومرة أخرى، وفي فبراير الماضي، أعرب
رئيس كوسوفو، عن استعداد بريشتينا لتسليم بعض أراضيها لصربيا مقابل اتفاق تسوية
نهائية بين الطرفين". وأضاف "إذا كان التعديل الطفيف للحدود ثمناً
لاتفاق سلام نهائي، فهذا الأمر يبدو مقبولاً".
لكنه أشار إلى أن "بعض الأراضي
والمنشآت تعتبر ذات أهمية استراتيجية، وبالتالي فهي لا تخضع للتسليم، ومنها بحيرة
غازيفودا الحدودية أكبر خزان للمياه في المنطقة، ومدينة كوسوفسكا–ميتروفيتسا ومجمع
تريبشا الصناعي الواقع بالقرب منها. وأضاف "لن تكون عملية تحقيق الاتفاق بين
كوسوفو وصربيا مشواراً سهلاً، لكنها السبيل الوحيد لتفادي العودة إلى حالة التوتر
والنزاع".
كما شدد على أن "سلطات كوسوفو لن
تقبل اتفاقاً ترفضه الولايات المتحدة، لأن الدعم الأميركي حيوي بالنسبة لها ...
هدف كوسوفو الرئيس هو نيل اعتراف صربيا والانضمام إلى الأمم المتحدة".
وقال رئيس كوسوفو إن روسيا وعدت بدعم
الجهود التي تبذلها بلغراد وبريشتينا للتقريب بينهما، وذلك في خطاب ألقاه في
واشنطن في الخامس من فبراير حيث أضاف أنه تحدث إلى نظيره الروسي في نوفمبر في
باريس على هامش الاحتفالات بنهاية الحرب العالمية الأول، وسأله بشكل مباشر جداً:
"ماذا سيكون رد فعل روسيا إذا توصلت كوسوفو وصربيا إلى اتفاق؟ ورده كان أنه
سيدعمه". وفي ذات السياق، أكد أن الدعم الأمريكي لاتفاق شامل أمر حيوي:
"لن نقبل باتفاق غير مقبول لواشنطن".
وفي منتصف فبراير الماضي، اكتمل برنامج
كوسوفو للتفاوض مع صربيا وسيتم إرساله إلى البرلمان لاعتماده، حسبما قال رئيس
مشارك لفريق التفاوض في بريشتينا. كما سيُرسَل إلى أحزاب المعارضة التي رفضت
المشاركة في فريق التفاوض، وإلى عدة رؤساء دول لمراجعته قبل أن يناقشه البرلمان.
كما بعث وزير خارجية كوسوفو، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة،
يقول فيها إن الوقت قد حان للتوصل إلى اتفاق نهائي مع صربيا.
كما اجتمع رئيس وزراء كوسوفو مع مسؤولي
بريشتينا وأعضاء فريقه التفاوضي من أجل المحادثات مع بلجراد، وقال في نهاية
الاجتماع، إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى متحدث باسمها في كوسوفو، مضيفاً أن
برنامج بريشتينا للتفاوض مع بلجراد سيصبح جاهزاً قريباً.
ووصف البرنامج بأنه "وثيقة مستدامة
تتماشى مع الدستور، تحتوي على المبادئ التي تقف عليها كوسوفو في الحوار"،
لكنها لم يحدد تفاصيلها. فيما سبق وأن تبنى قادة كوسوفو منهاج الحوار مع بلغراد،
دون أن يتضمن تشكيل مجتمع البلديات الصربية (CSM) وأي تصحيح للحدود.
ونقلت صحيفة بلغراد دانا عن دبلوماسيين
أجانب لم تذكر أسماءهم، قولهم: إن الوثيقة التي ستطرح قريباً ستصر على
"احترام دستور كوسوفو" الذي ينص على أن "كرامة كوسوفو غير قابلة
للجدل، وضرورة حمايتها بكل المقاييس التي ينص عليها القانون".
كما ستطرح فكرة أن وضع الكنيسة
الأرثوذكسية الصربية في كوسوفو سيُحدد وفقاً للخطة الدولية لعام 2007، التي تقترح
أن "تعترف بها كوسوفو، بما في ذلك أديرة الكنيسة والكنائس والأماكن الأخرى
المرتبطة بالدين، والتي هي جزء من مجمع SPC في بلغراد ".
فيما قال وزير الخارجية الصربي بدوره،
إن عضوية الاتحاد الاوروبي والاستقرار الإقليمي هي أولويات السياسة الخارجية
لصربيا.
وفي حديثه للطلاب في الفصل الثامن
للدراسات الأمنية العليا والدفاع، قال إن كوسوفو هي قضية ذات أهمية قومية عليا
وأكبر تحدٍ سياسي وأمني، مضيفاً أن صربيا ستظل ملتزمة بالحوار والتفاوض بين بلغراد
وبريشتينا فهي الطريقة الوحيدة للوصول إلى حل قابل للتطبيق.
وأضاف أن العضوية في الاتحاد الأوروبي
هي مصلحة استراتيجية لأن اندماج المنطقة في أوروبا هو أفضل ضمان للاستقرار الدائم.
كما قال إن سياسة الحياد العسكري في
البلاد ليست عقبة أمام التعاون مع حلف الناتو، وإن دور قوة كوسوفو في كوسوفو ينصب
على المنطقة برمتها من حيث الأمن، وتؤيد صربيا تماماً ولايتها التي تضمن أمن
المجتمع الصربي وممتلكاته وتراثه الثقافي. وقال إن رغبة بريشتينا في تغيير تفويض
قوات الأمن في كوسوفو وتحويلها إلى جيش أمر غير مقبول على الإطلاق.
بدوره قال وزير خارجية صربيا إن تعديل الحدود مع كوسوفو ليس
اقتراحاً رسمياً، بل فكرة بين قادة الدول، وذلك تصحيحاً لتصريحاته السابقة بعكس
ذلك. وقال إنه إذا أصبحت الفكرة هي الاقتراح الرسمي فسيتم عرضها على البرلمان وسيكون
للمواطنين كلمة أخيرة في الاستفتاء.
وأكد أنه "في الحوار مع بريشتينا
المعلق، لم تتم مناقشة هذه المسألة، ولكننا منفتحون على اقتراحات وتنازلات
أخرى".
فيما أشار الرئيس الصربي، إلى أنه بعد
عقدين من النزاع الأكبر في أوروبا، قد حان الوقت للتوصل إلى اتفاق بشأن كوسوفو،
وذلك على هامش مؤتمر ميونيخ، حيث أكد أن "كلانا يعرف ما يريد".
أما رئيس كوسوفو، فقد قال إن المنطقة قد
تواجه زعزعة للاستقرار ما لم تتوصل بلغراد وبريشتينا إلى اتفاق نهائي هذا العام.
ونقل التلفزيون الرسمي الصربي عنه قوله إن حوار بلغراد-بريشتينا لتطبيع العلاقات
والتوصل إلى اتفاق نهائي أمر لا مفر منه. وأشار إلى أن الرسائل الأخيرة من الرئيس
الأمريكي ووزير خارجيته، تقدم تأكيدات واضحة بأن الاتفاق مع صربيا يتضمن اعترافاً
متبادلاً.
وأكد أن الوقت قد حان للتخلي عن العداء
الذي تسبب في المأساة في كوسوفو، وأضاف أن المحادثات في بروكسل لن تكون سهلة.
لكن رئيس وزراء كوسوفو، كرّر رفضه إلغاء
الرسوم الجمركية 100%، قائلاً إن صربيا يجب أن تعترف بكوسوفو على أنها شكل من
أشكال الاعتذار. وأكد أن "هذه التعرفة لن يتم إلغاؤها ما دمت رئيساً
للوزراء".
وفقاً لرئيس وزراء كوسوفو، فإن التقسيم
على أسس عرقية ليس بسيناريو واقعي، والمجتمع الدولي لن يقبله. وأضاف "مثل هذه
التصريحات خطيرة للغاية وأوروبا والعالم لا يفهمان ذلك. التقسيمات العرقية مستحيلة
من الناحية العملية ولا معنى لها من الناحية السياسية".
ومع نهاية فبراير الماضي، قال وزير الخارجية
الصربي، إن الموقف الرسمي لبلاده، في الحوار مع كوسوفو، يتمثل في ترسيم الحدود على
أسس عرقية بين بلجراد ومقاطعتها السابقة. وقد قوبل بيانه باحتجاجات في كل من
بلغراد وبريشتينا.
وقال إن الحدود ستقع حيث وجدها الطرفان
مقبولة، لكنه لم يذكر ما إذا كان ترسيم الحدود سيعني كذلك اعتراف صربيا الرسمي
بكوسوفو.
وأشار إلى أن خطوات بريشتينا لها علاقة
بالعلاقات في أوروبا والعالم، وأوضح أنه كانت هناك دول دعمت الحوار، مثل فرنسا
والنمسا، وأولئك الذين يريدون أن ينتهي الأمر كله في أقرب وقت ممكن، مثل بريطانيا
وألمانيا.
وفي بريشتينا، وصف رئيس الوزراء
الكوسوفي، اقتراح الوزير بغير المعقول، مؤكداً أنه لم يحدث أي شيء من هذا القبيل
في أي مكان. وفي الوقت نفسه، اتهم فيديريكا موغيريني، بقيادة حوار سري حول تطبيع
العلاقات بين كوسوفو وصربيا. وكرر أن بلاده لن ترفع الرسوم الجمركية على الواردات
من صربيا والبوسنة والهرسك، على الرغم من مطالب من الولايات المتحدة والاتحاد
الأوروبي، إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق حول الاعتراف المتبادل. (Euractiv)
فيما تم مؤخراً، الكشف عن مسودة الاتفاق
النهائي بين كوسوفو وصربيا، واستناداً إلى هذه الاتفاقية، التي تم نشرها على
الشبكات الاجتماعية في كوسوفو، تحصل مدينة ميتروفيتسا على وضع "مدينة
حرة"، في حين يحصل مجمع التعدين في تريبكا، الذي يقدر أنه يحتوي على 500
مليار يورو من الموارد الطبيعية، على وضع خاص.
كما سيتم إنشاء كونسورتيوم
أمريكي-فرنسي-صيني مشترك، لتشغيل المنجم لمدة 99 عاماً، وسيذهب 15% من الأرباح إلى
مدينة ميتروفيتشا، و35% إلى صربيا و50% إلى كوسوفو.
كما ستذهب بلدية بريسيفو، التي تقع في
جنوب صربيا بالكامل إلى كوسوفو. كما تحصل بلدية بويانوفاتش على وضع مقاطعة خاصة.
وفقاً لمشروع الاتفاق، سيكون لهذه المدينة مجلس مكون من 3 أعضاء وجمعية تضم 30
عضواً. سيتم تمويل ميزانية هذه المدينة من قبل صربيا وكوسوفو والاتحاد الأوروبي.
وستنال أيضاً وضع حالة منطقة ضريبية مجانية.
وستصبح قاعدة "JUG" العسكرية في
Cepotine
قاعدة أمريكية، ومع ذلك ستكون مختلطة، بسعة 1700 جندي. 50% من الصرب، و50% من
الألبان بوضع استشاري مدني. فيما سيحمي الناتو هذا الممر لفترة تصل إلى 15 سنة،
وستكون جميع الأطراف قادرة على التحرك بحرية فيها.
أما 75% من شبكة الكهرباء فستكون من
نصيب كوسوفو، و25% من نصيب صربيا، بسبب الربط البيني، في حين ستدير الولايات
المتحدة والنمسا وألمانيا قطاع الطاقة.
كما ستحصل البطريركية والكنيسة الصربية
في كوسوفو على وضع خارج إقليم الدولة في كوسوفو.
ومن المتوقع أن يتم ضمان هذه الاتفاقية
من قبل مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ومن المتوقع أن
يتم الانتهاء من الاتفاقية بحلول 15 مايو 2019. وأيضاً من المتوقع أن يتم توقيع
الاتفاق النهائي في الفترة من 28 يونيو إلى 13 يوليو 2019.
وبحلول أكتوبر 2019، من المتوقع أن يصادق برلمانا البلدين على
الاتفاقية مع تعديل دستوريهما. على أن يبدأ التنفيذ الكامل لهذه الاتفاقية في 1
نوفمبر 2019.
وفي حين لم تعلق السلطات في بريشتينا
على هذه الوثيقة، فإن الشخص الوحيد الذي أبدى رد فعل هو زعيم حزب تقرير المصير،
وهاجم الرئيس هاشم ثاتشي وخطته. (IBNA)
شكل رقم 3
مقترح تبادل الأراضي بين صربيا وكوسوفو
بدوره، قال رئيس الوزراء الكوسوفي، إن
بلاده ليس لديها ادعاءات إقليمية تجاه أي دولة أخرى، ورفض احتمال تبادل الأراضي مع
صربيا: "إذا كان هذا هو الثمن فليست هناك حاجة للاعتراف به، يمكننا الانتظار،
يمكننا القيام بذلك دون اتفاق". وفي حديثه بعد اجتماع لمجلس الوزراء، قال إنه
لا يعرف السياق الذي تحدث فيه الرئيس هاشم ثاتشي عن ضم وادي بريسيفو. وقال إن قضية
الحدود جزء من جدول أعمال الرئيس الروسي.
فيما أكد أنه سيتم إلغاء التعريفات على صربيا والبوسنة
والهرسك، بمجرد أن يرى اتفاقًا حول الاعتراف المتبادل على الطاولة. وحذر من أن فتح
مسألة الحدود سيفتح أزمة وجلب المأساة إلى المنطقة. (N1)
ردود الفعل الدولية على تطورات مسألة
كوسوفو
يمكن إيجاز هذه
الردود في الاتجاهات التالية:
-
الموقف الأمريكي والبريطاني: مؤيد لاستقلال كوسوفو، وتشكيل جيش
مستقل، ورافض للرسوم الجمركية، ومواقف على التقسيم على أسس عرقية إن اتفق الطرفان
على ذلك.
-
الموقف الأوروبي عموماً: مؤيد لاستقلال كوسوفو، ورافض لتشكيل
جيش مستقل ورافض للرسوم الجمركية، ورافض للتقسيم على أسس عرقية، ومعترض على تحركات
صربيا في المحافل الدولية ضد كوسوفو.
-
الموقف الروسي: هو موقف يكاد أن يكون مطابقاً للموقف الصربي،
بل وداعماً له للاستمرار على ما هو عليه، أي بذات الملامح الصربية: رفض استقلال
كوسوفو حالياً، رفض تشكيل جيش، رفض الرسوم الجمركية، مزيد من الضغط الدولي، مع
المطالبة بتبادل أراض على أسس عرقية.
ويمكن
توضيح ذلك، من خلال المحطات التالية، في الأشهر الستة الأخيرة:
الولايات
المتحدة وبريطانيا:
أعلن مستشار الأمن القومي الأمريكي، في
24 أغسطس، من كييف، أن الولايات المتحدة تؤيد تبادلاً محتملاً للأراضي بين كوسوفو
وصربيا، في إطار حل نهائي حول وضع كوسوفو.
وفي ديسمبر الماضي، قال السفير الأمريكي
المعين حديثاً آنذاك، في كوسوفو، إن كوسوفو قصة نجاح، مضيفاً أن تشكيل الجيش هو خطوة
إيجابية، وأضاف أنه "من الطبيعي أكثر أن تكون كوسوفو دولة مستقلة وذات سيادة،
ولها قدرات دفاعية". وتعليقاً على تصريحات المسؤولين في بريشتينا بأن الجيش
الجديد سيشارك في عمليات السلام، قال إن كوسوفو "وصلت إلى نقطة يمكن أن تسهم
فيها في الأمن الدولي"، وإنه أمر مرحب به، وأضاف أن كوسوفو لا تزال تحتل
مرتبة متقدمة في قائمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. -6 ديسمبر، N1-
وهو نهج أكد عليه رئيس الوزراء الكوسوفي، حيث قال إنه إذا
أرسلت صربيا قواتها العسكرية باتجاه كوسوفو، فإن الولايات المتحدة ستدافع عن
كوسوفو، وأضاف أن صربيا لن تجرؤ على إرسال قوات: "جندي أمريكي واحد هنا سيكون
كافياً". -7 ديسمبر، N1-
وجاء ذلك متسقاً مع ما قاله السفير
الأمريكي في بريشتينا، بعد أيام، من أن تصويت البرلمان حول تحويل قوات الأمن في
كوسوفو إلى جيش هو أمر تاريخي لكوسوفو. وأن الخطوة التالية يجب أن تكون تركيز القادة
بشكل كامل على الحوار حول تطبيع العلاقات مع بلغراد. فيما كرر وعد الولايات
المتحدة دعم التطوير المهني والتحول التنظيمي لقوات كوسوفو. -13 ديسمبر، N1-
ويتفق الموقف البريطاني مع ذلك، حيث قال
سفير المملكة المتحدة في بريشتينا إن بلاده تؤيد تشكيل جيش كوسوفو، ضمن مزيد من
التشاور مع حلف شمال الأطلسي: "تعتقد بريطانيا العظمى أن كوسوفو لها الحق في
تشكيل قواتها المسلحة. إننا نواصل تشجيع كوسوفو على التصرف بمسؤولية وشفافية
والبقاء على اتصال مع الحلفاء في حلف الناتو، واحترام التزامها تجاه قوة كوسوفو
التي يقودها حلف شمال الأطلسي". -12 ديسمبر، N1-
غير أن الولايات المتحدة، ورغم كل دعمها
المعلن لكوسوفو، في مواجهة الدعم الروسي المعلن لصربيا، إلا أنها صعدت موقفها في
مسألة الرسوم الجمركية الكوسوفية تجاه صربيا، حيث تهدف الولايات المتحدة إلى خفض
حدة التوتر من جهة، وعدم إيجاد مزيد من مبررات اندفاع صربيا نحو روسيا.
فقد ذكرت وسائل إعلام كوسوفية، في يناير
الماضي، أن واشنطن طلبت من بريشتينا إلغاء الرسوم الجمركية على السلع من صربيا أو
أنها ستعلق المساعدات الأمريكية لقوات الأمن في كوسوفو. وذكرت أنه تم إرسال رسالة
خطية إلى بريشتينا من مجلس الأمن القومي الأمريكي ووزارة الخارجية، محذرة من أن
دعم واشنطن لم يكن غير مشروط، مشيرة إلى أن التعريفات تم فرضها دون استشارة
الإدارة الأمريكية.
كما أعربت عن أسفها لعدم وجود ردود فعل
إيجابية من حكومة كوسوفو على رسالة الرئيس الأمريكي إلى الرئيس الكوسوفي، لكن عدد
السلع التي تدخل في نطاق قرار الرسوم قد ازداد. ويُزعَم أن الرسالة تقول إن سلوك
بريشتينا غير المسؤول يهدد بشكل خطير صداقة كوسوفو مع الولايات المتحدة.
وقد اجتمع السفير الأمريكي في بريشتسنا،
مع كل من رئيس كوسوفو، ورئيس الوزراء، ورئيس البرلمان، حيث ناقشوا تعليق أو الغاء الرسوم
الجمركية على السلع من صربيا والبوسنة. ووفق بعض التسريبات، فإن الولايات المتحدة
لن تمنح تأشيرات دخول لأي مسؤول في كوسوفو بعد أن رفضت بريشتينا إلغاء أو تعليق الرسوم.
ومع منتصف فبراير الماضي، ألغى قائد الحرس الوطني في ولاية
أيوا الأمريكية زيارة إلى كوسوفو، بسبب رفض رئيس الوزراء الكوسوفي، إلغاء الرسوم
الجمركية على البضائع من صربيا والبوسنة والهرسك.
روسيا:
تشكل روسيا، ومعها بيلاروسيا، الداعم
الرئيس لصربيا في عموم البلقان، ويمكن القول إن هذا الدعم يساهم ضمن عوامل أخرى،
بمزيد من التعنت الصربي نحو إيجاد تسويات لأزمة كوسوفو
ففي أكتوبر الماضي، التقى رئيس صربيا بالرئيس
الروسي في موسكو لمناقشة كيفية دفع الاتفاق مع كوسوفو بعد أن واجهت خطة لإعادة
صياغة حدودها مقاومة دولية. (2 أكتوبر، Bloomberg)
كما ناقش الرئيسان بشكل تفصيلي التوترات
الإقليمية الأخيرة المحيطة بصربيا وكوسوفو، وبدا الرئيس الصربي سعيداً بنتائج
المحدثات، حيث طمأنت موسكو بلغراد بأنها تدعم وحدة أراضي وسيادة صربيا، وقال
الرئيس الصربي: "لقد تلقينا كل شيء كنا نبحث عنه، لقد اتفقنا على كل
شيء". ووفق بوتين فإن الوضع في غرب البلقان لا يزال "معقداً
للغاية"، وتواجه صربيا "استفزازات عديدة يومياً". (3 أكتوبر، RT)
بعد ذلك بأيام، طالب نائب وزير الخارجية
الروسي، ممارسة المزيد من الضغط على كوسوفو من أجل تسوية صراعها مع صربيا، وقال:
"يتعين على بروكسل أن تمارس المزيد من الضغط على كوسوفو كي تنفذ الالتزامات
التي تعهدت بها في وقت سابق بموجب قرار مجلس الأمن الدولي". (17 أكتوبر، اليوم السابع)
وهو ما دفع الرئيس الصربي إلى أن يقول إن
حل مشكلة كوسوفو غير ممكن دون مشاركة روسيا، باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن
الدولي: "كما أنه من غير الممكن التوصل إلى حل دون الولايات المتحدة، فكذلك
من غير الممكن التوصل إلى حل دون روسيا ... في كل الأحوال لا يمكن دون الاتحاد
الأوروبي، وعلى وجه الخصوص، صربيا. ... يجب
أن يكون كل هذا متصلاً، لذلك أقول إنني لست متفائلاً جداً، رغم رغبتي في التوصل
إلى حل وسط".
وأضاف: "كيف يعتقدون أنه يمكن
التوصل إلى اتفاق دون روسيا؟ كيف سيقدمون هذا في مجلس الأمن أو في الجمعية
العامة؟ لا يوجد مثل هذه الطريقة". (30 أكتوبر، سبوتنيك عربي)
وتعزز
الموقف الروسي الداعم لصربيا، مع إعلان كوسوفو فرض الرسوم الجمركية، حيث اعتبرت وزارة الخارجية الروسية، أن الرسوم الكوسوفية
الجديدة على السلع الصربية، بمثابة إعلان حرب تجارية محفوفة
بمخاطر تفاقم الأوضاع في منطقة البلقان. وذكر بيان مقتضب لوزارة الخارجية الروسية،
أن هذا القرار استفزاز من بريشتينا ويعتبر دليلاً لا لبس فيه على فشل دولة كوسوفو.
وأضاف البيان أن الاتحاد الأوروبي بصفته وسيطاً في الحوار بين بلجراد وبريشتينا ملزم
بالتأثير في سلطات كوسوفو والتوصل لإلغاء فوري لهذا القرار غير القانوني والمحفوف
بمخاطر التفاقم الحاد للأوضاع في البلقان. -22 نوفمبر، الأسبوع-
بل وصعدت موسكو من خطابها المساند
لصربيا، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية إنه إذا كان هناك قرار جديد
للأمم المتحدة بشأن كوسوفو، فإن موسكو لن تعطي الضوء الأخضر لها إلا إذا كانت في
مصلحة بلغراد. وفي تعليق على ذلك، قال السفير الروسي لدى صربيا، إنه يجب
"اتخاذ قرار نهائي بشأن ترسيم الحدود" في قرار جديد، وإن موسكو تحترم
الآن القرار الحالي.
وأكد أنه في حال "حصل تغيير، فإنه
لا يمكن أن يحدث إلا لمصلحة بلغراد وشعب صربيا، وهذا سيتبع حتماً تغييرات في
القانون الدولي حول أي قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هو جزء منه". -13 ديسمبر، N1-
كما أدان السفير الروسي لدى بلغراد، إنشاء
الجيش الكوسوفي معتبراً أنه "انتهاك خطير للقرار 1244"، ولوّح بخطر
"وضع يمكن أن ينفجر في أي لحظة". وحذّر السفير الروسي من أنه "إذا
دخلت وحدات إلى قطاعات صربية، فإن بلغراد ستدافع عنها".
ولعل الاستقبال الباهر الذي شهدته صربيا
لبوتين مع منتصف يناير الماضي، دليل على عمق الميل العام الصربي نحو روسيا، رغم
مساعي الحكومة الصربية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
بل إن الموقف الروسي ذهب أبعد من ذلك
بكثير، حين تماهى مع الموقف الصربي باعتبار قوة كوسوفو، مجموعة إرهابية. ففي فبراير
الماضي، أعلن مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أنه "بمساعدة الولايات
المتحدة وحلف شمال الأطلسي، يجري إعداد جيش كوسوفو الألباني، فضلاً عن إمدادهم
بالأسلحة والمعدات".
واستبعد وجود ضمانات بعدم استخدام القوات المسلحة لكوسوفو
"التي تتكون في معظمها من الإرهابيين التابعين لـجيش تحرير كوسوفو، ضد السكان
الصرب".
الاتحاد
الأوروبي:
ويبقى الموقف الأوروبي، كما مر سابقاً،
موقفاً بين هذين الموقفين، وسجل عدة تحفظات على الطرفين، لكنها كانت أكثر انتقاداً
لكوسوفو في مسألة الرسوم، مع رفض إعادة طرح قضية الحدود العرقية.
ففي سبتمبر الماضي، أعربت ألمانيا عن
رفضها لحل النزاع المستمر منذ عقود بين صربيا وكوسوفو عبر تبادل الأراضي،
وقال وزير الخارجية الألماني خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في
فيينا: "نعتقد أن هذا قد يفتح الكثير من الجراح القديمة بين المواطنين".
كما أعربت النمسا، التي تتولى
حالياً الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، عن تشككها إزاء الأمر، وقالت وزيرة
الخارجية النمساوية: "التغييرات الحدودية تثير مشكلات، كما عهدنا في حالات
سابقة". إلى جانب تحذير وزير خارجية كل من فنلندا من فكرة تبادل
الأراضي، على اعتبار أن إعادة ترسيم الحدود سيعزز التوترات العرقية، في إطار مقترح
ضمن جهود طويلة الأمد لتطبيع العلاقات بين الخصمين السابقين.
وصرح رئيس الوزراء إيرلندا أنه
لم يتم إجراء أي مناقشة حول التغيير الحدودي مع صربيا خلال الاجتماع في 7 سبتمبر،
واعتبر أن "تغيير الحدود مع صربيا يعني الحرب". (4 سبتمبر، European West Balkan)
وهو موقف وزير خارجية لوكسمبورغ:
"إنني أحذر من حيث المبدأ من الذهاب إلى هذه المنطقة وتمزيقها نظراً لأن ذلك
يمكن أن يكون له آثار سلبية في دول أخرى في هذه المنطقة. ولهذا يجب أن تكونوا
حذرين للغاية في هذا الصدد". وكذلك وزير الخارجية الفنلندي قال إنها فكرة
محفوفة بالمخاطر. (1 سبتمبر، الشرق الأوسط)
ولم تجد كرواتيا أن هذا مقترح
تبادل الأراضي جيد، في ظل الاستقرار الذي تشهده المنطقة، ووفق تصريح وزيرة
الخارجية. (5 سبتمبر، Total Croatia News)
غير أن وزير خارجية بلجيكيا قال إنه
ليس من سلطة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تملي محتوى المناقشات بين
الجانبين.
في حين يتوسط الاتحاد الأوروبي
في المحادثات بين بلغراد وبريشتينا، وقد عرض إمكانية انضمامهما إلى الاتحاد
الأوروبي إذا تمكنتا من حل خلافاتهما تماماً.
وقد أدلى الممثل الأعلى للاتحاد
الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيديريكا موغيريني، ببيانات يمكن
تفسيرها بطرق متعددة. وخلال اجتماع غير رسمي بين وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي
ووزراء الخارجية الستة في فيينا في اليوم الأخير من شهر أغسطس، أكدت أن الاتحاد
الأوروبي سيدعم أي حل يتوصل إليه الجانبان وفقاً للقانون الدولي وقانون الاتحاد الأوروبي.
أما المفوض الأوروبي يوهانس، فقد غرّد
قائلاً إنه ينبغي على قادة صربيا وكوسوفو أن يحددا اتفاقاً بين البلدين، لقد أحرزا
بعض التقدم، لكن من السابق لأوانه الحديث عن التفاصيل.
أما الولايات المتحدة فقالت إنها
قد تقبل بمثل هذا الحل إذا وافقت عليه كل من بلغراد وبريشتينا، وأعرب مصدر
دبلوماسي فرنسي الأسبوع الماضي عن احتمال أن تكون باريس أيضاً منفتحة على
مقترح التبادل الإقليمي.
وقد دافع سفير بريطاني سابق في يوغوسلافيا عن احتمال
تبادل الأراضي بين صربيا وكوسوفو، على أنه أفضل من خطر عدم وضع حد للنزاع على
الإطلاق، وقال إنه ينبغي السماح للبلدين باستغلال أي حل يناسبهما دون أي ضغط
خارجي. (6 سبتمبر، Balkan Insight)
فيما يطالب الغرب بأن تخفض بلغراد من
أنشطتها الدبلوماسية الرامية إلى خفض عدد الدول التي تعترف باستقلال جمهورية
كوسوفو، حسب وزير الخارجية الصربي. والذي قال: "يشكو الجانب الألباني مني إلى
الغربيين، ويطالب الغرب بوقف الأنشطة الدبلوماسية ضد الاعتراف باستقلال كوسوفا،
لأنه يزعج الألبان ويزعم أنه يضر بالحوار، في الوقت الذي يضغط فيه من أجل اعتراف
أوسع نطاقاً باستقلال كوسوفو ... إن عضويتها في المنظمات الدولية يتم تصويرها على
أنها عادية".
ووفقاً لتقارير إعلامية، فإن بروكسل تقوم بابتزاز الرئيس الصربي عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، لمواصلة المحادثات
مع كوسوفو، في مقابل فتح فصول مفاوضات جديدة للانضمام إلى الاتحاد، ويعتقد أن
الرئيس الصربي قد رفض العرض.
وكتبت صحيفة "فيشرنيي نوفوستي" اليومية، أن
بلغراد الرسمية لن توافق على هذا الابتزاز حتى لو كان هناك خطر أن تتوقف عملية
تكامل الاتحاد الأوروبي لفترة غير محددة. وصرح وزير التكامل الأوروبي الصربي، بأنه
"في ظل الظروف الحالية، أصبحت سياسة العصا والجزرة سياسة عفا عليها الزمن".
-19 نوفمبر، Serbian Monitor-
ويبدو أن ذلك فعلي، حيث وافق الاتحاد
الأوروبي على فتح فصلين آخرين في مفاوضات صربيا قبل الانضمام، في ديسمبر الماضي. ووفقاً
لتقرير داخلي للمفوضية الأوروبية تم تسليمه إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي
في الشهر الماضي، أظهرت صربيا عدم كفاية أو عدم إحراز أي تقدم في المجالات
الرئيسة.
وأكدت مصادر دبلوماسية أن الدول الأعضاء
غيرت وجهات نظرها في أعقاب التوترات المتصاعدة بين بريشتينا وبلغراد، اعتقاداً بأن
افتتاح فصول جديدة يمكن أن يشكل "تعويضاً أخلاقياً عن الضربة التي عانت منها
صربيا بإدخال تعريفات مرتفعة من قبل كوسوفو".
وقالت المصادر الدبلوماسية إن معظم
الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعتقد أن فتح فصول جديدة سيسهم في النجاح
المحتمل للحوار بين بلغراد وبريشتينا. -5 ديسمبر، N1-
أما وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي،
فقد وجهت تحذيراً لصربيا وكوسوفو لوقف مناكفاتهما، وخلال مؤتمر صحافي
عقدته في بروكسل بحضور رئيسة الوزراء الصربية، ذكّرت موغيريني البلدين بأن رغبتهما
بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ذات يوم، تبقى مرتبطة بتقدم المباحثات، مشيرة إلى
أنه إذا لم يحصل ذلك فإن الوضع سيصبح "خطيراً جداً". -19 ديسمبر، النهار-
كما دعت كوسوفو، لرفع الرسوم الجمركية على السلع من صربيا
والبوسنة والهرسك. وقالت إنه "من مصلحة كوسوفو إلغاء هذا القرار على
الفور"، وحثت بريشتينا على تسوية شكاواها من خلال الحوار.
الناتو
والأمم المتحدة:
يأتي موقف الناتو بين الموقفين الأمريكي
والأوروبي، غير أنه أكد اعتراضه على مسألة جيش كوسوفو.
وأعرب الأمين العام للحلف الأطلسي عن أسفه
للتصويت على ذلك، موضحاً أن الحلف "سيكون مجبراً على إعادة النظر في مستوى
التزام" المنظمة مع قوة أمن كوسوفو. -14 ديسمبر، France
24-
ومع منتصف فبراير الماضي، قال الأمين
العام لحلف شمال الأطلسي، إنّ وزراء دفاع الحلف سيراجعون دور الحلف في كوسوفو، وسط
عدم ارتياح إزاء قرار بريشتينا إنشاء جيشها الخاص.
وقال إنّ عدة دول أوروبية تشعر أن
الخطوة "سيئة التوقيت"، مشيراً إلى أن التحالف سيعيد النظر في أنشطته في
كوسوفو، لكنه أوضح أنّ قوة الحلف في كوسوفو (كفور) لن تتأثر. وأضاف "ما سيتم
إعادة تقييمه هو الأنشطة التي نقوم بها خارج إطار بعثة كفور، وهي أنواع مختلفة من
بناء القدرات".
بدوره، أكد الأمين العام للأمم
المتحدة، رغبة الأمم المتحدة في الحفاظ على قوة كوسوفو باعتبارها الهيئة التي
تضمن سلامة كوسوفو.
وفي هذا السياق، قال قائد القوات
الدولية KFOR، إن القوة مستعدة
للتدخل في كوسوفو إذا تعرض الاستقرار للخطر: "الشيء المؤكد هو أن حلف الأطلسي
ما زال ملتزماً بتأمين بيئة آمنة في كوسوفو وكذلك لاستقرار غرب البلقان".
وأضاف أن قرار بريشتينا ببدء تحويل قوات الأمن الكوسوفية إلى
قوات مسلحة اتخذ في الوقت الخطأ، وأن مجلس شمال الأطلسي سيتعين عليه الآن مراجعة
مستوى مشاركة الناتو مع قوات الامن الكوسوفية. -17 ديسمبر، N1-
المحور الرابع:
سيناريوهات حول غرب البلقان
محددات
أساسية:
قبل أن نضع عدداً من السيناريوهات لمستقبل غرب البلقان، وعموم
البلقان، لابد من التذكير بالأساسيات التالية:
-
يبقى البلقان، إلى جانب الشرق الأوسط، أكثر المناطق عالمياً،
لناحية الأزمة الهوياتية والحضارية، ببعدها الإثني (العرقي والديني والجهوي)، بما
يشكل شرخاً قابلاً للانكسار وإحداث أزمة عالمية بمجرد توفر معطيات ذلك. وما السلام
القائم حالياً إلا سلام هش، لا يؤكد تاريخ المنطقة. وهو سلام قائم نتيجة الضبط
الدولي فقط.
-
في عملية صعود روسيا ثانية، فإنها تعمد إلى تفعيل نشاطها في
مناطق نفوذها السابق، ونلحظ أنها ابتدأت بمحيطها القريب ثم الشرق الأوسط، وحالياً تنشط
بشكل تصاعدي في البلقان.
-
أي نشاط روسي متصاعد سيليه –في لحظة مناسبة- نشاط عسكري تصادمي
مع القوى المحلية أو الوكيلة للقوى الدولية.
-
في المقابل، منذ نهاية الحرب الباردة، والولايات المتحدة تعتبر
شرق البلقان منطقة نفوذ خالص لها، أو شبه ذلك، وتسعى لإبعاد كافة المنافسين عن
المنطقة، ونجحت في إبعاد التأثير الأوروبي القوي. بل استخدمت دول البلقان وشرق
أوروبا لموازنة أي دور أوروبي محتمل.
-
من جهة ثالثة، فإن لدى أوروبا، دوماً، مخاوف من تجدد النزاع في
البلقان، وتحديداً على أسس عرقية، ما ينذر بانتشار فوضى النزاعات العرقية في عموم
المنطقة. وبما لذلك من تداعيات سلبية حادة في كافة مناحي الاتحاد الأوروبي.
-
بالمحصلة، يمكن القول إن البلقان يعيش حالة استقرار، مرتبطة
بالأساس بالوضع الدولي، أكثر منه بالوضع المحلي.
وفق
هذه المعطيات نضع السيناريوهات التالية:
سيناريو
المجال القصير:
وهنا نتحدث عن ثبات المعطيات الحالية إلى نهاية هذا العام، دون
وجود متغيرات طارئة، وهو الأكثر ترجيحاً حالياً.
وفي ظل هذا السيناريو، فإن المناكفات
السياسية البادية، قد تستمر على ما هي عليه، مع صعود وهبوط حسب تدخل القوى
الخارجية، لكنها تهدف إلى قبول اتفاق تبادل الأراضي على أساس عرقي، وهو ما يبدو حتى
الآن الخيار الأكثر قبولاً من قبل الطرفين، ومن قبل روسيا والولايات المتحدة.
لكن ذلك لا يعني غياب مؤشرات، قد توحي بنذر اشتباك عسكري، أو تهديد
بذلك، إلا أننا، وفي ظل المعطيات الحالية، لا نرجح أن يحدث اشتباك فعلي، مع رغبة
الطرفين الجادة بالاستفادة من الاتحاد الأوروبي ومشروع الانضمام إليه، وما يجنيه
من منافعه اقتصادية، تتطلع لها كافة الدول.
سيناريو
المجال البعيد:
وبغض النظر عن تحديد فترة زمنية محددة
بدقة، إلا أنه على المدى لطويل، نعتقد أن روسيا ستعمد إلى مزيد من التغلغل في
صربيا، في مسارها نحو استعادة القطبية، وبما يترافق مع ذلك من تعمد إثارة النزعات
العرقية في المنطقة، والاشتغال على دعم المتطرفين السلاف في عموم المنطقة.
لكن ذلك بدوره مرتبط بمدى قدرة الولايات المتحدة والاتحاد
الأوروبي على ربط صربيا بمزيد من المنافع الاقتصادية.
سيناريو
الحالات المفاجئة:
وهو السيناريو الذي قد تلجأ فيه أطراف
عرقية سلافية متطرفة إلى التسبب بأزمة هوياتية في مناطق من البلقان، وتدفع إلى
مزيد من التوتر الدولي في المنطقة، وخصوصاً إن قررت روسيا تفعيل مشروعها في
المنطقة هذه.
مع التذكير، أن الصرب طالما كانوا سبباً في أزمات إقليمية
وحروب كبرى نتيجة السلوك العرقي مفرط التطرف.
محاذير
المواجهة:
رغم تركيز الصرب
حالياً على موضوع كوسوفو:
-
إلغاء الرسوم الجمركية.
-
تبادل أراضي، بما يقود إلى قضم أراضي كوسوفو، وصولاً إلى تقويض
استقلالها لو استطاع.
إلا أن عوم المنطقة ما تزال تستذكر علناً مأساة انهيار
يوغسلافيا، وتحمل مقومات استعادة بعض من ذلك، وخصوصاً مع:
-
سباق التسلح بين كرواتيا وصربيا.
-
تطلع صرب البوسنة إلى الانفصال والانضمام إلى صربيا.
-
تطلع بعض القوى في الجبل الأسود إلى إلغاء الحدود مع صربيا.
-
تطلع غير معلن من قبل ألبانيا إلى مد نفوذها إلى كوسوفو.
وذلك يتفق مع التوزيع العرقي للمنطقة
وفق الشكل التالي:
شكل رقم 4
التوزيع العرقي الألباني والصربي في البلقان
ووفقاً للباحث Daniel
Heler، وفق ما نشرت Balkan Insight،
في ديسمبر الماضي، فإن الكيان الصربي، جمهورية صربسكا، يسعى لتسليح قوات الشرطة
الخاصة به. وتقول بعض التقارير إنه بهدف أيضاً إلى إعادة تأسيس قواته العسكرية
الخاصة، والتي تم الاعتراف بها في الأصل في اتفاقية دايتون للسلام عام 1995 التي
أنهت الحرب في البوسنة.
كما سبق لرئيس الاتحاد السابق للبوسنة
والهرسك، أن قال في أغسطس الماضي، إنه إذا استقلت جمهورية صربسكا، فسيستمر تقسيم
صربيا، من خلال الإشارة إلى تطلعات إقليم سنجق: "الناس في سنجق يهتمون
بتصرفات دوديك، لأنهم شكل من أشكال الكيانات منذ فترة طويلة. وبعض البلديات
الألبانية في صربيا ترى أيضاً أنها كيان، والعرق المجري في فويفودينا يشكلون
مجموعات واضحة ... لذا صربيا لن تصر على تقسيم البوسنة". (28 أغسطس، b92)
فيما حثّ ثلاثة من كبار الممثلين
السابقين للبوسنة والهرسك في رسالة مفتوحة إلى رئيسة السياسة الخارجية للاتحاد
الأوروبي، الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على عدم الموافقة على أي خطط لتبادل
الأراضي بين صربيا وكوسوفو. حيث يرون أن هذا لن يحل الانقسامات بل سيعمقها بدلاً
من ذلك، وأنه سيجشع الداعين إلى العودة إلى مرحلة ما قبل اتفاقية دايتون.
(29
أغسطس، Balkan Insight)
وفي يناير الماضي، أطلق سياسيان معارضان
في جمهورية الجبل الأسود، حملة "دعونا فتح الحدود بين الجبل الأسود وصربيا وجمهورية
صربسكا في البوسنة والهرسك". وهي مبادرة موجهة إلى الرئيس الصربي، ورئيس مجلس
الرئاسة في البوسنة والهرسك، حيث قالا في بيان مشترك إن صربيا كانت دائماً
"المحرك الدافع لمنطقة البلقان"، وأشارا إلى "الاتجاهات
الخطيرة" في المنطقة التي أعلن عنها مؤخراً رئيس وزراء كوسوفو، عبر الرجوع
إلى إنشاء "تحالف ضد الصرب"، يتألف من ألبانيا والجبل الأسود وكرواتيا
ومقدونيا وما يسمى كوسوفو.
ويشرح الباحث Blerim
Reka، من جامعة جنوب
شرق أوروبا، عبر بحث مطول نشرته Emerging Europe، أنه من المرجح أن تقسم أي حرب مختلطة
ومنافسة عسكرية المنطقة إلى منطقتين أمنيتين: الأولى تحت المظلة الروسية (صربيا
وجمهورية صربسكا) والثانية مع التطلعات الأوروبية-الأطلسية (ألبانيا وكوسوفو
ومقدونيا والجبل الأسود).
ويرى أن الخريطة العسكرية للبلقان
بسيطة: صربيا والبوسنة والهرسك ليسا عضوين في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل
تجاور البلدان الأعضاء في الحلف.
فيما روسيا موجودة في المنطقة، من خلال
مركزها الإنساني الروسي الصربي في نيس، لكن لم يتلق المركز دعماً دبلوماسياً على
الرغم من الدفع القوي من موسكو؛ نظراً لأن العديد من الحكومات الغربية تتهمها
بالانخراط في أنشطة استخبارية. عدا عن أن هذه القاعدة قريبة من حدود صربيا مع
اثنين من أعضاء الناتو (بلغاريا ورومانيا)، بالإضافة إلى اثنين من الطامحين لعضوية
الناتو (مقدونيا وكوسوفو).
كما تخطط روسيا الآن لإنشاء مركز إقليمي
لخدمة طائراتها العسكرية، وأعلنت في الآونة الأخيرة أنها ستنشر قوات في صربيا.
في المقابل، تمتلك قوة كوسوفو التابعة
للناتو قاعدة في كوسوفو منذ عام 1999 وستبدأ قريبا في بناء قاعدة جوية في كوكوفا/ألبانيا،
هذا التجديد العسكري المتجدد سيخلق توتراً خطيراً في المنطقة.
وفي أغسطس 2018، أعلن حلف الناتو أنه
سيستثمر حوالي 51 مليون يورو في القاعدة الجوية في كوكوفا، وهذه ليست سوى المرحلة
الأولى. وسيوفر المرفق الوقود والدعم اللوجستي ودعم الشرطة، بالإضافة إلى تدريب
التحالف عبر الأطلسي.
ويبدو أن الناتو قرر تأسيس أول قاعدة
جوية له في البلقان كنتيجة لما اعتبرته روسيا موقفاً عسكرياً عدائياً جديداً،
وبلغت ذروتها في ضم شبه جزيرة القرم في مارس 2014. وفي أبريل عام 2018، اتفقت
وزيرة الدفاع الألبانية مع نظيرها الأمريكي حول مسألة القاعدة الجوية خلال محادثات
في واشنطن.
رد فعل الكرملين كان سريعاً، ووصف رئيس
الوزراء الروسي هذا الاتفاق بأنه "استفزاز" وقال إن موسكو لن "تقف
جانباً لتشاهد ذلك" أثناء بنائها، بل إن الخدمات الإخبارية الروسية حذرت من
أن الناتو يتعدى على "حدود" روسيا.




