أولاً-محددات
أساسية:
تتقاطع في منطقة شرق المتوسط وصولاً إلى جبال زاغروس، عدة
قوميات، تشكلت بينهما عداءات تاريخية يمكن وصفها بالمتواصلة، ومن أكثرها حدة
وإشكالية هي العلاقات الكردية مع القوميات الكبرى المجاورة (العربية، والتركية،
والفارسية)، وهنا لابد من تسجيل الملاحظات التالية:
- في الموروث الثقافي-السياسي
الكردي، فإن جميع القوميات المجاورة هم أعداء وجوديون، بمعنى أنه لا يمكن القبول
بتشارك المصالح والأرض معهم. وهنا نؤكد أن هذا الموروث يرى في العرب كما يرى في
سواهم، من أعداء مُحتلِّين.
- على هذه القاعدة
الأساسية، فإن الأكراد لا يثقون بالقوميات الثلاث هذه، وقد رهنوا خياراتهم منذ عدة
عقود لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تعتبران الحليفين الأساس للأكراد.
- لكن التطورات التي
تحدث في المنطقة، تدفع الأكراد إلى بعض المساومة مع إحدى هذه القوميات، لصالح
تحصيل مكاسب، يعتبرها الأكراد مكاسب تراكمية في "نضالهم"، أي أن العلاقات
البراغماتية المؤقتة لا تعني التنازل عن مشروعهم الأساس، ولا تعني التخلي عن
مرتكزات موروثهم الثقافي-السياسي.
- ضمن القومية العربية،
يبقى الأكراد أكثر كراهية للعرب السنة من الشيعة والعلوية، وذلك عائد إلى نزاعهم
مع صدام حسين من جهة، والبعث عموماً، وإلى تطلعهم إلى مناطق ذات موارد نفطية
يقطنها عرب سنة (منطقة الموصول) من جهة ثانية، عدا عن هجراتهم المتلاحقة إلى مناطق
ذا غالبية قبلية عربية سنية رافضة لهم (مناطق شرق-شمال سورية).
-
وفي حين يبقى الصراع الكردي مع الفرس في أدنى مستوياته حتى
الآن، فإنه يتركز في جبهتين رئيستين حالياً، إحداهما الجبهة التركية الداخلية،
والتي شهدت انخفاضاً حاداً للغاية في نشاط القوى الكردية المسلحة في السنوات
الأخيرة، نتيجة الإنهاك الذي طال تلك القوى من جهة، وتكثيف
العمليات العسكرية التركية في المناطق ذات الغالبية الكردية إلى ما خلف الحدود
الدولية.
- وعليه فإن الساحة
الأكثر نشاطاً هي الساحة العربية، وتحديداً السورية، عقب إخفاق الأكراد في مشروع
إعلان استقلالهم كدولة في العراق.
- وفق المعطيات
السابقة، فإن منطقة شرق-شمال سورية، هي المنطقة المقبلة للصراع شرق الأوسطي، بحيث
قد تشارك فيها كل من: الولايات المتحدة، روسيا، تركيا، إيران، إسرائيل، نظام
الأسد، بعض القوى العربية، الميليشيات الكردية، وربما الميليشيات الشيعية، وفصائل
عسكرية سورية معارضة مدعومة من تركيا، وربما أيضاً ما تبقى من تنظيم داعش.
- يضاف إلى ذلك، أن
القوى الكردية، سواء داخل سورية، أو على امتداد مناطق الوجود الكردي، هي قوى
متنافسة إلى درجة النزاع الداخلي، وتفضل في كثير من الأحيان التحالف مع إحدى
القوميات المجاورة لضرب خصومها الأكراد، والحفاظ على هيمنتها على الساحة الكردية
المحلية. فلكل مشروع كردي –سياسي أو عسكري-، هناك مشروع كردي مواجه ومناهض له،
لكنه يهدف إلى ذات التطلعات، أو ما يشباهها.
- وبالتالي، فإن ما
تحقق للأكراد من مكاسب خلال السنوات الماضية، لم يكن في حقيقته نتيجة عمل
"نضال" كردي، بقدر ما كان نتيجة إرادة خارجية –دولية غالباً-، بهدف
إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
- منذ مطلع القرن الماضي،
وتحديداً منذ السنوات الأخيرة في عمر الإمبراطورية العثمانية، تناوبت عدة قوى
دولية على استخدام الأكراد كورقة ضغط وتغيير في المعطيات الجيو-سياسية للمنطقة،
دون أن يدرك الأكراد أنه لا يمكن لهم تجاوز هذا الدور إلى استقلال القرار الكردي.
لذا فإن أي صعود للقوى الكردية اليوم، ما يزال ضمن ذات المعطى.
ثانياً-الساحات
الكردية:
بالعودة
إلى موضوع الدراسة، وهو استخدام الأكراد في مواجهة تركيا، فإن هناك 4 ساحات كردية:
أ-
الساحة الإيرانية:
وهي الأبعد عن تركيا، ويعد الحزب
الديمقراطي الكردستاني أهم كيان سياسي كردي فيها، حيث نشأ عام 1946، وهو حزب يساري
يدعو لحكم ذاتي في منطقة كردستان إيران ضمن فيدرالية، ولا يطالب بالانفصال.
عدا عن أن العمل في هذه الساحة، وإن كان يحقق هدف مواجهة
إيران، إلا أنه لا يخدم مشروع مواجهة تركيا، عدا عن أن أي بروز لدعم إماراتي-سعودي
في هذه الساحة، يعني تقارباً تركياً-إيرانياً مكثفاً لضرب القوى الكردية في إيران،
والتي تعبر الأضعف بين الفاعلين دون الدول.
ب- الساحة العراقية:
يهمين على الساحة الحزبية في إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم
ذاتي واسع في شمال العراق، ثلاثة أحزاب رئيسة، وهي:
- الحزب الديمقراطي
الكردستاني: يتزعمه مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان السابق. وتأسس عام 1946
على يد والده الملا مصطفى البارزاني.
- حزب الاتحاد الوطني
الكردستاني: أسسه وتزعمه جلال الطالباني عام 1975، وهو ناجم عن انشقاق عن الحزب
الديمقراطي الكردستاني، ويتزعمه حالياً كوسرت رسول علي.
- حزب حركة التغيير
(جوران): أسسه السياسي الكردي نوشيروان مصطفى سنة 2009 بعد استقالته من حزب
الاتحاد الوطني.
ورغم ما بين هذه الأحزاب من تنافس، وصل
في مراحل تاريخية سابقة إلى حد النزاع المسلح، والاستعانة بنظام صدام حسين أو
إيران لمواجهة بعضها البعض، إلا أن جميع هذه القوى، تتفق على النقاط التالية:
- العداء مع حزب العمال
الكردستاني، الذي يستخدم جبال شمال العراق ملاذاً، لذا فالقوى الكردية العراقية،
راضية –ضمناً على الأقل- عن عمليات الجيش التركي شمال العراق.
- جميع هذه الأحزاب،
لها علاقات جيدة مع تركيا وحكومة بغداد، وطهران، والولايات المتحدة، وإسرائيل، وتحاول
تعزيز علاقاتها مع دول الخليج العربي.
- وتدرك أن مشروع الاستقلال
لم يعد ممكناً حالياً، ولا تتطلع إلى تحويل منطقتها إلى منطقة نزاع إقليمي، يذهب
بمكاسب التنمية المحلية، أي ما تم تحقيقه خلال العقدين الماضيين. لذا فهي غالباً
لن تقبل الانخراط في مشروع مواجهة تركيا، في حين أنها تعتمد بشكل كبير في تجارتها
البرية على تركيا، وفي صادراتها النفطية، عدا عن أنها ترى في تركيا حليفاً مؤقتاً
لضرب العمال الكردستاني.
ج-
الساحة التركية:
وتتمثل أهم الأحزاب
الكردية العاملة في تركيا ب:
- حزب الشعب الديمقراطي،
ويعد أكبر تجمع سياسي كردي في البرلمان التركي بعد انضمام نواب حزب السلام
والديمقراطية إليه.
- حزب السلام
والديمقراطية، أسس في ديار بكر عام 2008، ليصبح وريثاً لحزب المجتمع الديمقراطي. قبل
أن يتم حظر الحزب لاحقاً بعد اتهامه بعلاقته مع الانفصاليين الأكراد/العمال
الكردستاني.
وإن كان هناك من قوى محلية واجتماعية
مؤيدة لحزب العمال الكردستاني، إلا أن الساحة الكردية التركية أيضاً تشهد مناهضين
للعمال الكردستاني، وخصوصاً أنه لم يحقق أي إنجاز يذكر، وكان سبباً في عمليات
عسكرية أدت إلى استنزاف بشري وتأخر تنموي للمنطقة ذات الغالبية الكردية، مع بروز
جيل كردي سياسي جديد، يفضل العمل ضمن مظلة الدولة التركية، والاستحصال على حقوق
ثقافية وسياسية وإثنية، عوضاً عن العمل المسلح والدفع نحو الحكم الذاتي أو
الانفصال.
- حزب العمال
الكردستاني:
وهو حزب محظور يتزعمه عبد الله أوجلان،
المسجون حالياً في تركيا، وقد انتهج هذا الحزب العمل المسلح، سعياً لإقامة كيان
كردي مستقل جنوب شرق تركيا، يمتد إلى دول الجوار.
والحزب يقبع في قائمة المنظمات
الإرهابية في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا
وإيران وسورية وأستراليا.
في الماضي، اتخذت الولايات المتحدة عدداً
من الإجراءات ضد حزب العمال الكردستاني بعد إعلانه جماعة إرهابية، لكن بالرغم من
ذلك واصلت علاقتها مع الحزب حينما كان هذا يتفق مع مصالحها بطريقة أو بأخرى.
ومن المحتمل أن يكون لقرار رصد مكافأة
لمن يساعد في القبض على قيادات حزب العمال الكردستاني تداعيات مهمة. فقد كانت هذه
خطوة كبيرة وصعبة على السلطات الأميركية؛ نظراً لأن هناك أعضاء في الإدارة
الأميركية على اتصال مستمر بحزب العمال الكردستاني.
ورغم أن نظام الأسد الأب قام بطرد
أوجلان من سورية عام 1998 بعد التهديد العسكري التركي، وساهم في إلقاء القبض عليه،
إلا أن تاريخ نظام الأسد يشير دوماً إلى تعاون وثيق مع العمال الكردستاني، سواء
ضمن سورية، أو لمواجهة العراق وتركيا، وعاد ثانية إلى التعاون المكثف معه –بشكل
مباشر وغير مباشر- عقب الثورة السورية، وقدّم لهم تسهيلات لوجستية كبيرة.
وهنا
فإنه للتواصل مع العمال الكردستاني للعمل داخل تركيا نتائج أبرزها:
- العمل مع حزب مصنف
حركة إرهابية في كثير من دول العالم، وهو ما قد يتسبب بملاحقات قانونية مستقبلاً، تحت
بند دعم الإرهاب، وبغض النظر عن أن الولايات المتحدة تقوم بالتواصل معه أحياناً.
- يُعتَبر الأكراد التهديد
الأمني الأكبر لتركيا، على مر التاريخ التركي المعاصر، ولا يختلف حول ذلك قوى
حاكمة أو معارضة سياسية، وأي بروز لدعم خارجي للعمال الكردستاني قد يوِّحد قوى
المعارضة خلف أردوغان لضرب الحزب.
- عدا عن ذلك، ففي حال
انكشاف دعم خليجي له، سيُعتبر تدخلاً خارجياً في شؤون دولة ذات سيادة، وهو غالباً
ما سترد عليه تركيا بالمثل، حيث أن هذا الموضوع تحديداً غير قابل للمساومة لدى تركيا
على عكس باقي الملفات. وهنا قد ترفع من مستوى دعمها لجماعة الإخوان المسلمين في
دول الخليج العربي، وتوسع حضورها في قطر وسواها.
- وسواء أكان الدعم
عسكرياً تسليحياً أو مالياً، للعمال الكردستاني داخل تركيا، فإن الساحة التركية
المحلية أثبتت تفوق القوات التركية على العمال الكردستاني في مراحل كان فيها الحزب
أكثر قوة ونشاطاً، وهنا نظن أن الحزب لن يقوى على التصدي للجيش محلياً، وخصوصاً أن
الجيش التركي منتشر على كامل الحدود مع سورية والعراق –في المناطق ذات الغالبية
الكردية-.
- أبرز ما قد يقوم به
العمال الكردستاني داخل تركيا، هو عمليات "إرهابية" لضرب مواقع حكومية
وعسكرية، وهو ما سيقدم لتركيا –لأردوغان شخصياً- مبرراً لتوسيع الحملات الأمنية من
جهة، وإعادة تصحيح العلاقات الخارجية بحجة تعرض تركيا لعمليات إرهابية.
- وخصوصاً أنه ليس
للعمال الكردستاني من حلفاء حقيقين ومؤثرين في الساحة التركية، يمكن من خلالهم توفير
شرعية لعمليات الحزب. عدا عن أن أي حزب معارضة ذي شعبية، لن يضحي بحاضنته الاجتماعية
لدعم العمال الكردستاني المرفوض من الغالبية السكانية.
د-
الساحة السورية:
يوجد العشرات من الأحزاب الكردية في سورية لكن اللافت أن كثير
منها يتشابه في أسمائه، نتيجة انشقاقات كثيرة حدثت في أجسام تلك الأحزاب. ومن بين
36 حزباً، لا يبرز سوى خمسة أحزاب برز اسمها مع اندلاع الثورة السورية. وهي:
- حزب الاتحاد
الديمقراطي، وهو أهم الأحزاب شعبياً في المناطق التي يهمين عليها الأكراد، ويتزعمه
صالح مسلم، وتعتبره تركيا فرعاً سورياً عن حزب العمال الكردستاني.
- الحزب الديمقراطي
الكردي، بقيادة نصر الدين إبراهيم.
- حزب اليسار الكردي،
بقيادة محمد موسى.
- الحزب الديمقراطي
الكردي السوري، بقيادة جمال باقي.
- حزب اليكيتي الكردي،
بزعامة إسماعيل حمي.
وقد تباينت أجندات الحراك الكردي في
سورية منذ عام 2011، بين قوى انفصالية وأخرى منخرطة في المجالس الثورية (العربية)،
وثالثة ذات حراك محلي خاص بها (حراك ثوري كردي)، ورابعة تعاون مع نظام الأسد للحفاظ
على نفوذها في هذه المناطق. وتلقت بعض المجالس الكردية دعماً مباشراً عسكرياً
ومالياً وسياسياً من أربيل، قبل أن يهمين الاتحاد الديمقراطي –الخصم الأكثر حدة
لكافة القوى الكردية الأخرى- على هذه المناطق. وقد استخدم في هيمنته عدة وسائل،
على رأسها:
- التعاون مع نظام
الأسد.
- طرد وتهجير عشرات
آلاف العرب من قراهم، لتحقيق أغلبية كردية لم تكن قائمة (تطهير عرقي).
- التحالف مع الولايات
المتحدة في مشروع مواجهة داعش.
-
فرض
تحالفات مع المكونات الاجتماعية الأخرى التي تبقت في المنطقة: عرب وتركمان وآشور
وسريان.
- اعتمد في ذلك على
سياسة الأمر الواقع، أي فرض المعطيات الحالية كحقائق لا يمكن التراجع عنها، رغم
أنها تبقى معطيات مؤقتة مرتبطة بالصراع القائم في المنطقة.
- تبقى بعض القبائل
العربية شرق سورية أكثر قبولاً من غيرها للعمل مع الأكراد، وخصوصاً شمر والبقارة.
- وهنا لابد من التنويه
إلى أن جميع القوى الكردية في سورية، رغم ما بينها من خلافات تصل إلى حد النزاع
المسلح، إلا أنها تشترك جميعاً في عدائها لتركيا، سواء أتوافقت مع العمال الكردستاني
أم لا.
وإن
كان ما يعرف بقوات سوريا الديموقراطية (قسد SDF)، تحاول الظهور بمظهر قوات متعددة الأعراق،
من عرب وأكراد وتركمان وآشور وسريان، إلا أن هذا التعدد يبقى تعدداً شكلياً، حيث
أنه يطغى عليها بشكل كبير للغاية الطابع الكردي، من خلال الهيمنة المطلقة لميليشيا
وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) عليها، وهي الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي
السوري (PYD)،
التابع بشكل مباشر لحزب العمال الكردستاني (PKK).
هيمنة
وحدات الشعب ربما ليست في التعداد الكلي، بقدر ما هي في إدارة مجمل القوات، ووضع
الخطط لها، والتعاون الخارجي مع الولايات المتحدة، وفرض الأجندات على كافة المكونات،
والتي تهدف إلى الحصول على شكل من أشكال الحكم في منطقة شرق الفرات –فدرالية أو
انفصال عن سورية-.
يضاف
إلى ميليشيا YPG،
ميلشيا كردية أخرى داخل قسد، وهي وحدات حماية المرأة (YPG)، وهي مجموعة نسائية كردية تمثل ثلث
الميليشيات الكردية، ولهن نصف الحصص العسكرية والسياسية والمدنية في المناطق التي
يهمين عليها الأكراد في شرق سورية.
ولا
يسعى حزب الاتحاد الديمقراطي السوري إلى التنسيق مع الأحزاب الكردية في العراق أو
ربط مطالبه بها، على خلاف القوى الكردية التي هيمنت على المشهد السياسي سابقاً.
وإنما يسعى لتحقيق للحكم الذاتي في سورية. ويختلف مع قياديّ الحزب، أحزاب وفصائل
كردية سورية أخرى مقيمة خارج سورية والتي ترى أنه على قوات سوريا الديمقراطية
الدفاع عن مناطق وجود الأكراد فقط.
وحول
ارتباط حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بحزب العمال الكردستاني، فإن هذا يظهر في
المحفوظات الرسمية، حيث ورد في تقرير استخباراتي مقدم إلى الكونغرس في الولايات
المتحدة، في يناير من العام 2018، ورد اسم حزب الاتحاد الديمقراطي/حزب العمال
الكردستاني في قائمة للمنظمات الإرهابية المتمركزة في الخارج التي تعمل في سورية،
وذُكر اسم صالح مسلم، الرئيس المشترك لوحدات حماية الشعب (الجناح المسلح لحزب الاتحاد
الديمقراطي) باعتباره الزعيم السابق لحزب العمال الكردستاني في سورية.
وتُستخدم
نفس اللهجة في المؤتمرات الأكاديمية بالولايات المتحدة، بما يشير ضمناً إلى وجود
علاقة قوية بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب.
وفي
حين أن هذه العلاقة بين المنظمتين تُذكر بوضوح من جهة، إلا أن السلطات الأميركية
على الجانب الآخر ما زالت تعتبر وحدات حماية الشعب شريكاً يمكن الاعتماد عليه
بينما تعلن حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية.
هذا
التناقض ناجم عن التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب في سورية،
أو أن الأهمية النسبية التي يحظى بها حزب العمال الكردستاني قد تضاءلت نتيجة
التعاون الوطيد الذي تحتفظ به واشنطن مع وحدات حماية الشعب.
حيث
التقى وزير الدفاع الأميركي في شهر فبراير الماضي مع وزير الدفاع التركي خلال قمة
لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل، وأوصى بدق إسفين بين حزب الاتحاد
الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني، مما يدفعهما إلى محاربة بعضهما البعض. وتردد
أن وزير الدفاع التركي لم يجد ذلك "معقولاً ولا منطقياً ولا قابلاً للتطبيق".
وترى
الولايات المتحدة –وكذا إسرائيل- أن الوجود الكردي في شمال شرق سورية يصب في
مصلحتها، ذلك أن المنطقة تمثل نحو ثلث أراضي سورية وتحوي جزءً كبيراً من مواردها
النفطية والمائية. وتظن الولايات المتحدة أنها ستكون صاحبة اليد العليا في عملية
إرساء "الديمقراطية" إذا نجحت في تأسيس وجود كردي قوي في هذه المنطقة
يمكنها التلاعب به.
وعليه، فإن أي دعم
سيم تقديمه، سيكون وفق المحددات التالية:
- دعم قوات قسد –والتي
تعني دعم فصيل يشتبه بعلاقته بمنظمة إرهابية دولية-، وأي دعم لأطراف أخرى لا يبدو
مجدياً، وخصوصاً أن فعاليتها بالكاد تظهر.
- أشكال الدعم الممكنة:
o
دعم مالي يوجه نحو تعزيز البنية التحتية وإعادة إعمارها، بما
يضمن استقرار الحاضنة الاجتماعية الداعمة لهذه القوات.
o
دعم مالي يوجه إلى تمويل مشتريات الأسلحة الكردية.
o
دعم سياسي، من خلال توفير دول داعمة لهذه القوات، وإيجاد شرعية
لعملياتها.
o
وبما في ذلك، الدعم الإعلامي المساند.
o
دعم عسكري غير مباشر، عبر التدريب
والتوجيه.
o دعم عسكري مباشر، من خلال وجود قوات خليجية في شرق الفرات.
ثالثاً-ملاحظات
ختامية:
وعليه تبقى الساحة السورية، الأكثر
قابلية للتدخل فيها، حيث تغيب فيها سلطة الدولة –غياب السيادة الفعلية-، عدا عن تدخل
كثير من الدول في هذه الساحة لتحقيق مصالحها.
إلا أنه كما أوردنا سالفاً، فإن منطقة
شرق الفرات، تبدو حالياً المنطقة الأكثر أهمية في الحرب السورية، حيث أن كافة
الأطراف تتطلع إلى مد سيطرتها عليها، لذا قد تشكل هذه المنطقة بؤرة استنزاف لكافة
القوى التي ستعمل على الوصول إليها في المرحلة القادمة.
وبالنسبة لتركيا، أشار الكاتب والمحلل
الروسي زاؤور كاراييف، في مقال له في "سفوبودنايا بريسا"، عن استعداد
الجيش التركي لمهاجمة المناطق الكردية في سورية حيث تتمركز القوات الأميركية،
مُشيراً إلى أنّ تركيا تُهدّد مرة أخرى باتخاذ إجراءات جدية وتعد بعملية كبيرة ضد
الأكراد.
لكنّ الكاتب والمحلل السياسي في
"أحوال تركية" يشار ياكش، وتحت عنوان "تركيا أمام التقييم الصعب
لعملية شرق الفرات"، كتب يقول إنّه من غير الواضح حتى الآن إن كانت تركيا
ستمضي قدماً في عملية عسكرية شرق الفرات، لكنها إن تمت، فسوف تشمل إما قصف مراكز
قوات الأكراد المنتمين لوحدات حماية الشعب الكردية انطلاقاً من الأراضي التركية،
أو شنّ غارات جوية، أو دخول قوات تركية إلى سورية، أو توليفة من كل هذه الأشياء.
وقد استطاعت تركيا من خلال العمليتين
اللتين تديرهما في سورية، تأمين جزء كبير من حدودها مع سورية بعد طرد تنظيمات (PYD /PKK /YPG).
غير أنه حتى الآن، لا يبدو أن تركيا
قادرة على المواجهة مع القوات الأمريكية، وبالتأكيد لا تنوي ذلك في المعطيات
الحالية، وإنما تأمل بانسحاب أمريكي علها تهيمن على المنطقة.
وبالنسبة لتركيا،
فإنها تمتلك الأدوات التالية:
- إضافة إلى قواتها
وأسلحتها، فإنها تعمل على تشكيل قوات سورية خاصة بها، عبر تدريب قسم من فصائل
المعارضة في المناطق التي تديرها في سورية، تمهيداً لمعركة شرق الفرات.
- كما تمتلك تركيا سلاح
المياه، حيث أن كافة المنطقة تعتمد في مواردها المائية بنسبة شبه مطلقة على تركيا.
- عدا عن أن عداد
الأكراد في هذه المنطقة لا يمكن أن يشكل قوة مستقلة قادرة على الحراك كما في شمال
العراق.
- رغم أن الميليشيا
الكردية في هذه المنطقة على تواصل مع نظام الأسد، إلا أن النظام –ومن خلفه روسيا
وإيران- يتطلع إلى استعادة سيطرته على هذه المناطق، ويتفق مع المعارضة في معاداة الانفصالية
الكردية.
- عدا عن أن تطلع روسيا الحثيث إلى تثبيت نظام الأسد، يتطلب استعادة الهيمنة على المنطقة، لذا فإن تنسيقاً روسياً-تركياً-إيرانياً تجاه هذا الموضوع، وارد للغاية حين يأتي أوانه.
عدا أن مواجهة تركيا
ليست على رأس أولويات حزب الاتحاد الديموقراطي، والتي يمكن وضعها على الشكل التالي:
- فرض هيمنتيه على
المشهد الكردي شرق الفرات، ومنع خصومه من العودة إلى صدارة هذا المشهد.
- الحفاظ على تفوق إثني
في المنطقة.
- ضرب داعش، الذي يعتبر
أحد أبرز خصوهم.
- الحفاظ على وجود
أمريكي داعم لهم في هذه المنطقة.
- الدفع نحو إنشاء كيان
سياسي –حكم ذاتي أو انفصال- في المنطقة.
- مواجهة تركيا في حال
هاجمت المنطقة التي يهمين عليها الحزب.
- وإن كان الحزب يتطلع إلى مد سيطرته إلى غرب الفرات حيث القوات التركية، إلا أن كافة المعطيات تشير إلى صعوبة قيامه بذلك، سواء نتيجة التوافقات الدولية، أو الطبيعة الديموغرافية العربية، أو موازين القوى العسكرية.
وحيث أن الولايات المتحدة هي الداعم
الرئيس لهذا الحزب، فإنها توفر له دعماً عسكرياً –محدوداً- مع تدريب قواته، ومساعدته
على فرض هيمنته السياسية والإدارية، مع محاولة الحصول على تمويل لإعادة بناء هذه
المناطق، بما يكرس حكم القوى الكردية من جهة، ويخفف أعباء الوجود الأمريكي من جهة
ثانية.
وهنا نعقد أن الولايات المتحدة ستبقى لفترة
طويلة سبياً، ولن تنسحب منها قريباً، بغض النظر عما تشير إليه أحياناً حول ذلك،
ونرى أن إشاراتها تلك تهدف إلى الحصول على تمويل خليجي لإبقاء قواها في المنطقة،
في حين أنها ستبقى حتى لو لم تحصل على هذا التمويل.
وقد اتهم رئيس هيئة الأركان الروسية، الولايات المتحدة بمحاولة إنشاء كيان كردي مستقل عن دمشق، شمالي سورية. وحذّر من أنّ الولايات المتحدة تحاول أن تنشئ هناك "مؤسسات حكومية بديلة" وتخصص مئات الملايين من الدولارات لإعادة إعمار هذه المناطق، لكنها في الوقت نفسه ترفض إعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية.
ويبقى أن هناك جملة
محاذير للدعم المحتمل، وعلى رأسها:
- قد يتم تفسير هذا
الدعم بأنه توجه خليجي إلى إنشاء كيان كردي انفصالي يساهم في تفكيك الخارطة
السورية.
- الأسلحة حتى الآن، تصل
إلى الأكراد من قبل الولايات المتحدة، أي أن دفع الأموال سيكون للولايات المتحدة،
الي ستستمر في الحفاظ على الهياكل الكردية الي أنشأتها، بهدف حماية مصالحها، سواء
استطاع ترامب تأمين تمويل خليجي أم لم يستطع.
- عدا عن أن اعتماد الأكراد
في عمليات التدريب هو على الولايات المتحدة بشكل مطلق، ومن غير الواضح إن كانوا
سيقبلون بوجود مدربين عرب، إلا إن كان ذلك ضمن إشراف القوات الأمريكية.
- وجود قوات عربية،
سيكون بمثابة انخراطاً مباشراً في المواجهات المسلحة، وبما يشبه مواجهة مع تركيا،
عوضاً عن الأساليب السابقة التي ستكون حرباً بالوكالة.
- تعتبر استنزافاً
بشرياً وعسكرياً ومالياً للقدرات الخليجية، في أزمة يبدو أنها ستتصاعد في شرق
الفرات، وخصوصاً أن حرب اليمن لم تنه بعد.
- عدا عن أن صورة الدول الخليجية، عربياً، ستظهر بمظهر الداعم لطرف غير عربي، لتفكيك دولة عربية، في حين توانت هذه الدول عن دعم الحراك العربي السني طيلة السنوات الماضية.
وربما يمكن ضرب المشروع التركي من خلال مداخل سياسية أقل تكلفة
وخطورة، عبر إحداث تغيير داخل بنية النظام السوري، لصالح استبدال الأسد بأحد القوى
العربية السنية داخل نظامه، الذين لم يكونوا في واجهة الأحداث طيلة السنوات
الماضية، بما يحقق المكاسب التالية:
- ضرب المشروع
الإيراني.
- إحداث مصالحة مع
الغالبية العظمى من قوى المعارضة، والحاضنة الاجتماعية لها.
- إمكانية العمل مع
الأطراف السورية الأخرى بطرق أسهل بكثير حينها، على استعادة الهيمنة على كامل التراب
السوري.
- بما في ذلك طرد القوات
التركية وسواها.
- الحفاظ على هيمنة
عربية خليجية على النظام، الذي سيبقى طويلاً بحاجة الإسناد الخليجي، سياسياً واقتصادياً.
- وفي حال كان لابد من توفير
شكل من أشكال الدعم للطرف الكردي، في مشروع مواجهة تركيا، فإننا نعتقد أن السعودية
أقدر على تحمل كلفة الاستنزاف لفترة طويلة من الزمن، أكثر من دولة الإمارات
-سياسياً ومالياً-. وعليه، يكون الدعم الإماراتي العلني والفعلي هو لجهود السعودية
وليس لحروب أهلية أو عابرة للحدود أو مشاريع إثنية في المنطقة.
د.
عبد القادر نعناع
باحث
وأكاديمي سوري

