أولاً-لمحة
حول نتائج الانتخابات النصفية:
لم تكن نتائج انتخابات الكونغرس النصفية،
مفاجئة بشكل حاد، وإن كانت بعض التوقعات قد ذهبت إلى احتمال هيمنة الجمهوريين على
المجلسين، في مقابل دعاية مضادة حول الموجة الزرقاء، والادّعاء بقدرة الديمقراطيين
على تحقيق تلك الهيمنة، إلا أنه خارج هذه النسق الدعائية، كانت عدة توقعات تذهب
إلى النتائج الحالية، بهيمنة كل حزب على مجلس من مجلسي الكونغرس. وقد جاء النتائج
كالتالي:
- فوز الديموقراطيين بأغلبية مجلس النواب (219
مقعداً مقابل 193 للجمهوريين).
- فوز الجمهوريين بأغلبية مجلس الشيوخ (51 مقعداً
مقابل 45 للديموقراطيين).
- تقدم الجمهوريين بأغلبية حكام الولايات (25
مقعداً مقابل 22 للديموقراطيين)، دون تحقيق أي من الطرفين الأغلبية المطلوبة (26
مقعداً).
ثانياً-لمحة
عن تداعيات هذه النتائج على صناعة القرار الأمريكي:
رغم
تراجع شعبية الرئيس ترامب، إلى حدود 40% وفق أحد الاستطلاعات، إلى أن هذه النتائج
لا تُحدِث كثير تأثير في مكانته كرئيس للولايات المتحدة، وذلك للأسباب التالية:
- يبقى أنه مُنتَخبٌ شعبياً وبالتالي يتمتع بقوة
خاصة به بعيداً عن الكونغرس. فيما تُشكِّل عدة ملفات أدوات دعم له، وعلى رأسها: الانسحاب
من الاتفاقي النووي، استمرار تحسن المؤشرات الاقتصادية، دعم الشركات.
- ما زال الجمهوريون يمتلكون أغلبية مجلس الشيوخ،
وبالتالي يدعمون الرئيس من جهة، وقادرون على فرض تعيينات جمهورية في السلك
القضائي.
- عدا عن أنه، لن يستطيع الديمقراطيون عزل
الرئيس، فذلك يتطلب موافقة أغلبية بسيطة في النواب، ولكن موافقة ثلثي الشيوخ. عدا
عن أن عزله لم يكن من أولويات الديمقراطيين (وفقاً لزعيمتهم نانسي بيلوسي).
بالمحصلة فإن أبرز التداعيات تتمثل فيما يلي:
- فرض بعض القيود على التشريعات التي يحاول
الرئيس والجمهوريين تمريرها، ونقض مقترحات القوانين التي يتقدم بها الرئيس. غير أن
للرئيس صلاحية نقض أية مشروع قانون لا يتفق مع سياساته، وليس هناك (وفق التركيبة
الحالية) قدرة على التصدي لهذا النقض، حيث أن تجاوز نقض الرئيس يتطلب موافقة ثلثي
المجلسين معاً.
- إحداث ضغط على إدارة ترامب، لناحية التحقيق معه
بشكل شخصي، في مجلس النواب، حول ملفات داخلية وخارجية، أو التحقيق مع أهم قيادات
إدارته. ما يزيد العبء على الإدارة، ويحرجها أمام ناخبيها في بعض الملفات، ويعزز
موقف الخصوم الديمقراطيين.
- ويمتلك الديمقراطيون عدة ملفات خاصة بترامب، قد
يتم استخدامها من باب المساومة والضغط، على رأسها أعماله التجارية وعائدات الضرائب
واحتمال تضارب المصالح.
وبالنظر إلى أوليات الديمقراطيين من هذا التقدم
في مجلس النواب، فإنها تتمثل فيما يلي:
- إعادة تهيئة الأجواء العامة للانتخابات
الرئاسية عام 2020، بشكل يعزز موقف الديمقراطيين، أي محاولة ضرب شعبية الجمهوريين
وترامب نفسه، وإفقادهم الحاضن الانتخابي.
- ملفات محلية تأتي على سلم الأولويات كذلك، وهي:
ملف الصحة، ملف الضرائب، ملف الموازنة العسكرية، ملف المهاجرين، ملف المساواة
الاقتصادية، ملفات اجتماعية عديدة. وهنا سلوك الديمقراطيين ليس من باب المساومة بقدر
ما هو من باب الحصول على أفضل قانون ممكن في هذه الملفات.
- أما الملفات الخارجية فهي لاحقة، وسيحاول
الديمقراطيون استخدامها لمساومة الرئيس لتحقيق مصالح في ملفات أخرى. وعلى رأسها
ملفان أساسيان: سلوك ترامب مع روسيا وتشديد العقوبات عليها، ملف اليمن.
ثالثاً-سيناريوهات
محتملة فيما يتعلق بتداعيات النتائج على التحالف العربي:
نعتقد
أن ملف الحرب في اليمن، سيكون على رأس أولويات الحزب الديمقراطي في المجال
الخارجي، وذلك في عدة نقاط:
- من باب الضغط على إدارة ترامب، وتقليص بعض
صلاحياتها.
- من باب المساومة على ملفات محلية أكثر أهمية.
- عدا عن أن الملف ينصبّ ضمن توجهات خاصة
بالديموقراطيين تتعلق بقضايا حقوق الإنسان.
وعليه،
نعتقد أن الديمقراطيين سيحاولون استخدام الملف تدريجياً، ورفع سقف المطالب تجاهه،
وصولاً إلى المطالبة بقطع الدعم الأمريكي عن عمليات التحالف، وخصوصاً أن
الديموقراطيين إبان رئاسة أوباما استطاعوا فرض بعض الحظر على دعم العمليات في
اليمن.
حيث يضغط النواب الديموقراطيون (وبعض
الجمهوريين أيضاً)، منذ عدة أشهر لوقف دعم العمليات العسكرية لقوات التحالف، بل
ويضغط بعضهم بهدف توجيه تهم ارتكاب جرائم حرب في اليمن للسعودية تحديداً.
تعزز هذا الاتجاه بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي،
غير أن مقتل الصحفي ذاته لن يكون موضوع نقاش بذاته، بقدر ما سيستخدم للتدليل على "نهج
الجريمة" الذي تعتمده السعودية وفق تلك الآراء.
وحيث أن الديموقراطيين قد يتجهون للضغط على
ترامب في مسائل شخصية كما مر في المحور السابق، فإنه من المحتمل أن يكون قابلاً
للمساومة في ملف اليمن، لتحقيق مصالحه الشخصية، وخصوصاً أن إدارته دعت نهاية شهر
أكتوبر الفائت إلى وقف إطلاق نار، والانخراط بشكل أكبر في مفاوضات السلام التي من
المفترض أن تنعقد هذا الشهر.
في حال تم التوافق بين الرئيس والجمهوريين من
جهة والديمقراطيين من جهة أخرى، فإن الإدارة الأمريكية قد تمنع التزويد بالوقود
للطائرات السعودية، أو تمنع استهداف بعض المواقع، وتقييد استخدام بعض الأسلحة،
وربما فرض إشراف أوسع على عمليات الاستهداف الجوي، والضغط على السعودية ودولة
الإمارات والحوثيين للوصول إلى اتفاق سلام.
رغم أن هناك نواباً سيدفعون باتجاه حظر بيع
سلاح إلى السعودية وربما لدولة الإمارات أيضاً، ولكن من المرجح أن يدافع ترامب عن
هذه المبيعات بشدة (نهج ترامب المالي)، عدا أنه ليس للجمهوريين تلك الصلاحيات التي
تؤهلهم لمنع بيع السلاح. وأي محاولة من الديمقراطيين لمنع مبيعات الأسلحة، ستدفع
لوبي السلاح إلى مزيد من تأييد ترامب، ودعم قواعده الانتخابية، وهو ما لا يرجوه
الديمقراطيون.
هذا
النهج سيتأثر سلباً وإيجاباً بعد عوامل، على رأسها:
- نتائج المفاوضات المنتظرة بين التحالف
والحوثيين، حيث أن أي اتفاق أولي سيخفف من ضغوط الديموقراطيين المفترضة.
- أي خطأ قد ترتكبه القوات الجوية السعودية في
المرحلة القبلة (قصف مدنيين)، سيؤثر سلباً وبشكل كبير في التحالف، بل وسيدفع
الرئيس ترامب إلى مهادنة أكبر للديمقراطيين. وبالتالي، ربّما يعمد الحوثيون إلى
عمل عسكري ضد مدنيين بالتزامن مع عمليات جوية سعودية، بهدف إحداث ضغط جديد عليهم.
- كما أن نهج الرئيس ترامب غير التفاوضي، والذي
عهدناه طيلة الفترة الماضية، حيث أنه لم يعتد تقديم تنازلات لأطراف داخلية أو
خارجية، قد يدفع إلى جدال أكثر حدة داخل مجلس النواب في هذا الملف. وهنا غالباً ما
سيحاول الرئيس ترامب استخدام هذا المنهج في البداية، قبل أن تتضح له صورة الضغوط
الجديدة، وخصوصاً أنه يدرك أنه بمأمن من أية عمليات عزل أو تجاوز نقضه أو مراسيمه
التنفيذية.
ولكن
بالإجمال، في حال قرر الرئيس ترامب عدم الخضوع لضغوط الديمقراطيين في مجلس النواب،
فإن ملف اليمن سيبقى (جدالياً وإعلامياً) دون كثير تغيير في سلوك الإدارة
الأمريكية. ولكن نؤكد على حاجة الرئيس إلى مساومات حزبية، لتمرير مشاريع القوانين
الجديدة، وملف اليمن هو الأقل أهمية بالنسبة لترامب من باقي الملفات التي قد يضغط
الديموقراطيون بشأنها.
وهنا، فإن أية تداعيات سلبية تجاه التحالف
العربي، ستكون السعودية هي المستهدف الأكبر فيها، لعدة أسباب، أبرزها أنها قائدة
التحالف، وأنها صاحبة العمليات الجوية، عدا عن عدة انتهاكات محلية وخارجية لحقوق
الإنسان يتناولها النواب الديمقراطيون منذ أشهر.
وبالتالي،
فإن التداعيات ستكون أقل حدة بكثير تجاه دولة الإمارات (إعلامية أكثر منها
سياسية)، وتتعلق بـ:
- فتح ملف السجون السرية.
- فتح ملف الصفقات مع القاعدة.
ولكن الملف الإماراتي بحد ذاته، لا يشكل أية
قيمة مضافة لمصالح الديموقراطيين، ولا يشكل أداة ضغط حقيقية على الجمهوريين
وترامب، سوى بما يتعلق بالضغط الإعلامي عليهم، أو تضخيم ملف اليمن.
رابعاً-مقترحات:
نقطتان
مهمتان تدفعنا إلى تقديم مقترحنا، وهما:
- ضرورة تجاوز أي تداعيات سلبية قد تتخذها
الولايات المتحدة تجاه التحالف العربي، حالياً أو لاحقاً.
- ضرورة التخلص من عبء الحرب، وخصوصاً أن هذه
الحرب تهدف –فيما تهدف إليه- إلى استنزاف القدرات المالية والعسكرية والبشرية
لقوات التحالف.
في ظل هاتين النقطتين نقترح ما يلي:
- الإعلان عن وقف العمليات العسكرية بشكل مؤقت
إبان المفاوضات.
- يعتبر تحرير مدينة الحديدة، إنجازاً عسكرياً
إماراتياً أكثر منه سعودياً، لذا نقترح أن تتوقف المهمة العسكرية الإماراتية عقب
التحرير (الإنجاز)، بمعنى إيقاف الحرب في لحظة تفوق، وخصوصاً أن التقدم البري إلى
معاقل الحوثيين أكثر فأكثر سيشكل مزيداً من الاستنزاف.
- أن تقود دولة الإمارات عقب تحرير الحديدة،
مشروع سلام جديد، تفرضه من خلال القوات البرية التي نشرتها في غالبية مناطق اليمن.
- عمليات الفرض هذه تأتي على القوات الموالية
لدولة الإمارات، وداخل التحالف العربي، وبين الحلفاء الغربيين، وداخل الأمم
المتحدة، وإجبار الحوثيين عليه.
- لا بد أن تشمل عملية إجبار الحوثيين: نزع
السلاح الثقيل، السماح لهم بالمشاركة السياسية، قطع الصلات العسكرية مع إيران وحزب
الله.
- يمكن الاستفادة من العقوبات الأمريكية الجديدة
على إيران لإقناع الحوثيين بهذا المشروع.
وبالتالي، فإن تحرير المدينة وإطلاق مشروع
السلام هذا، يساعد أصدقاء دولة الإمارات داخل الكونغرس في الدفاع عنها ضد أية
محاولات قد تنشأ للنيل منها (ولو إعلامياً)، ويعطي مكانة مهمة لها بين
الديمقراطيين، وخصوصاً في حال تغيرت موازين القوى الانتخابية عام 2020 لصالحهم.
عدا عن أنه يحفظ لدولة الإمارات مصالحها
الحالية في اليمن، ويسمح لها بالتفرغ لمشاريع إقليمية أخرى، وينزع عنها كثيراً من
التكاليف المالية المرهقة، ويعزز من صورتها الإقليمية الجديدة.
أي أن هذا المقترح، هو عملية استباقية لأية
ضغوط أمريكية-غربية، وبالتالي فإنه يحفظ للدولة قدرتها على صنع القرار وإدارته،
وليس مجرد اتخاذ ردود فعل على قرارات دولية.
د.
عبد القادر نعناع
باحث
وأكاديمي سوري



