تُعتَبر علاقة هاتين الدولتين من أكثر العلاقات
الدولية تشابكاً وتداخلاً في ملفاتها، حيث أنها تجمع بين مصالح عميقة لا يمكن
الانفكاك عنها، وتنافساً إقليمياً يُعبَّر عنه من خلال حرب بالوكالة، وتحالفات
دولية مشتركة ومتضادة معاً، وهو أمر ينمّ عن حجم الأزمة الدولية في إدارة الشرق
الأوسط، وحجم تشابك المصالح عالمياً، بحيث قد نشهد تغييرات في المشهد التحالفي
الدولي في حال استمرت الأوضاع على ما هي عليه.
وتحاول هذه الدراسة، تبيان حجم التشابك في
العلاقات بين الطرفين على المستويات الثلاثة التالية: الاقتصادية، السياسية والعسكرية،
والمواقف من الأزمات الإقليمية.
ويمكن موازنة العلاقات بينهما
وفق الشكل التالي، الذي يؤكد أنهما يتجهان لمزيد من التشابك:
المحور الأول: التشابك الاقتصادي
بلغ حجم التجارة بين
تركيا وإيران مستوى مرتفعاً غير مسبوق عام 2012، مع نحو 22 مليار دولار، قبل أن
يسجّل هبوطاً حاداً إلى نحو 14 مليار دولار في العام 2014، لا سيما بسبب العقوبات
الأميركية على إيران. فالعقوبات جعلت من الصعب على أنقرة تسديد ثمن وارداتها –خصوصاً
النفط والغاز الطبيعي والمواد البلاستيكية – من إيران، التي أُقصيَت من المنظومة
المصرفية الدولية.
نتيجةً لذلك، اضطرَّت الدولتان إلى اللجوء إلى
"مخطط الذهب مقابل الغاز"، الذي دفعت أنقرة بموجبه ثمن وارداتها من
إيران بالليرة التركية المودَعة في حسابات في مصرف بنك خلق، وكانت إيران
تشتري، بواسطة هذا المال، الذهب في تركيا وتشحنه إلى أراضيها أو تُبادله بعملات
أجنبية في بلدان ثالثة، لا سيما عن طريق دولة الإمارات العربية المتحدة.
وفي يناير 2018، أدانت هيئة المحلفين
الأمريكية، نائب المدير العام للخدمات المصرفية الدولية، في بنك خلق التركي، بتهمة
الاحتيال على البنوك، فضلاً عن مؤامرات لخرق العقوبات المفروضة على إيران،
والاحتيال على الولايات المتحدة، وارتكاب تزوير مصرفي، وغسل الأموال. وجاءت
الشهادة الرئيسة ضد المصرفي: محمد هاكان أتيلا، من قبل تاجر الذهب: رضا ضراب، وهو
إيراني يحمل الجنسية التركية، أقر بأنه مذنب بكونه مركز أكبر برنامج للتهرب من
العقوبات في التاريخ الحديث.
وخصوصاً أن بنك خلق، واحد من أهم البنوك
التركية، ويمتلك أصولاً مالية كبيرة ساعدته على هذا التلاعب، قُدِّرت بأكثر من
1.25 مليار دولار.
شكل رقم (1)
موقع بنك خلق بين أكبر البنوك
التركية من ناحية الأصول المالية
وقد قدرت قوات الدفاع عن الديمقراطية، التي ساعدت
الادعاء العام، أن المخطط الضخم -الذي يتضمن أيضاً إرسال الذهب عبر دولة الإمارات-
زوّد إيران بنحو 13 مليار دولار بين مارس 2012 ويوليو 2013.
حيث استخدمت تركيا وإيران ما عرف بـ "الثغرة
الذهبية" في نظام العقوبات الأمريكي (السابقة)، والذي يعني أن الذهب يمكن
إرساله إلى إيران طالما لم يتم إرساله إلى الكيانات الحكومية الإيرانية، رغم تأكيدات
أن الذهب لم يكن يذهب إلى التجار الأفراد، بل كانت عمليات الشراء مصممة من قبل
الحكومة الإيرانية أو بالنيابة عنها.
شكل رقم (2)
صادرات الذهب التركية خلال
الفترة 2010-2013
غير أنه بعد سد الثغرة في يوليو 2013
والاتفاقية النووية المؤقتة التي دخلت حيز التنفيذ في يناير 2014، بدأت تركيا وإيران
في إنشاء معاملات وهمية -تحت ستار الشحنات الإنسانية- لفتح الأموال من حساب ضمان
نفط إيراني يحمله بنك خلق. ووفقاً لبعض التقديرات، قد تكون إيران تحصلت على مبلغ
100 مليار يورو أخرى، بالنسبة لإيران كان من المفترض أن تظل مجمدة.
وفي سبتمبر 2017، اتهم المدعون الفيدراليون في
نيويورك أيضاً وزير الاقتصاد التركي السابق محمد ظافر كاجلايان (الذي كان من
المسؤولين الذين استقالوا في عام 2013)، وثلاثة آخرين فيما يتصل بجهود خرق
الجزاءات. (يناير 2018، Yahoo)
وقد أدّى إقرار خطة العمل المشتركة الشاملة في
أكتوبر 2015 إلى إلغاء القيود السابقة على الروابط التجارية بين أنقرة وطهران.
وفقاً للسفير الإيراني السابق في تركيا علي رضا بقدلي، افتتحت 174 شركة تركية فروعاً
لها في إيران بحلول يناير 2015 استباقاً لمرحلة تخفيف العقوبات.
وعلى الرغم من أنه كانت لدى الدولتَين آمالٌ
عالية بأن يعود حجم التجارة سريعاً إلى مستوياته السابقة، إلا أن وتيرة المعافاة
كانت بطيئة لجملة أسباب، منها: خلافاتهما السياسية الإقليمية في سورية والعراق
ومنطقة الخليج العربي. والأهم من ذلك، لم تكن طهران مستعدّة للإفادة من الاستثمار
التركي المتزايد في العديد من القطاعات الإيرانية، لا سيما الطاقة والتصنيع
والاتصالات السلكية واللاسلكية، خصوصاً بسبب غياب الشفافية، والبيئة القانونية غير
المواتية، والدور الاقتصادي المثير
للجدل الذي تضطلع به كيانات مثل الحرس الثوري.
نتيجةً لذلك، تراجع حجم التجارة الإجمالي إلى 9.6 مليارات دولار في
العام 2016، ولم يُسجِّل سوى معافاة طفيفة مع بلوغه 10.7 مليارات دولار في العام
2017، عندما وافقت تركيا وإيران على استخدام العملات المحلية (بدلاً من اليورو) في التجارة الثنائية.
غير أنه مع عام 2017، تخطّت إيران العراق لتصبح المصدر
الأول الذي تحصل منه تركيا على الطاقة، حيث أمّنت نحو 44.6% من مجموع الإمدادات
النفطية و17% من إجمالي واردات الغاز إلى تركيا، والباقي مصدره بشكل أساسي من
العراق وروسيا والكويت والسعودية.
شكل رقم (3)
مقارنة
الواردات التركية النفطية وغير النفطية من إيران خلال الفترة 2007-2017
وبالتالي، فإن خفض الواردات النفطية من طهران
يعني أنه سيكون على تركيا أن تزيد وارداتها من البلدان الأخرى –من العراق ودول
الخليج العربي في الأغلب– ما يمكن أن يترتب عنه كلفة أكبر بسبب ارتفاع تكاليف المواصلات
واختلاف خصائص النفط الذي تصدّره هذه البلدان، عدا عن أن النفط الخليجي يباع
بشكل رسمي ووفق الأسعار العالمية، وهو أعلى من السعر الذي تشتري به تركيا من
إيران، عدا عما قد يحمله من كلفة سياسية لتركيا، يجعلها مرتبطة بشكل كبير بتوجهات
دول الخليج العربي إقليمياً، ولا يبدو أن تركيا ترغب في أن تخضع لهذه الكلفة.
حيث أن تركيا تحصل على 92% من احتياجاتها
النفطية و99% من احتياجاتها من الغاز، عن طريق الواردات. وتؤدّي الزيادة في أسعار
الطاقة العالمية مقرونةً بارتفاع الطلب في الداخل التركي، إلى توسيع العجز في
الحساب الجاري، الأمر الذي سيؤدّي بدوره إلى زيادة التضخّم وخفض النمو الاقتصادي.
وفقاً لتقديرات نائب
رئيس الوزراء سابقاً للشؤون الاقتصادية، علي بابا جان، ففي مقابل كل زيادة بمقدار
10 دولارات في أسعار النفط العالمية، يزداد التضخم في تركيا بنسبة 0.5%، وينخفض
النمو بنسبة 0.3%.
وتُظهر البيانات التي حصل عليها معهد الإحصاء
التركي أن فاتورة واردات الطاقة التركية ارتفعت من
27.16 مليار دولار في العام 2016 إلى 37.19 مليار دولار في العام 2017. بسبب
الارتفاع في أسعار النفط العالمية من
36 دولاراً للبرميل في مطلع العام 2016 إلى نحو 60 دولاراً بحلول نهاية العام
2017، وإلى الزيادة في استهلاك الغاز في تركيا. ووفقاً لرئيس معهد أسواق
وسياسات الطاقة، تتوقع تركيا أن يبلغ
مجموع وارداتها من الطاقة أكثر من 40 مليار دولار في السنوات القليلة المقبلة. (يونيو 2018،
كارنيغي)
في المقابل، تعتبر تركيا الوجهة السابعة للنفط
الإيراني عالمياً (بحدود 200 ألف برميل يومياً)، ويتوقع أن تتقدم إلى مراتب أعلى
مع بدء تطبيق العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني، وخصوصاً أن تركيا تأمل
بالحصول على أسعار تفضيلية مناسبة لها، تغريها بالحفاظ على موقفها الرافض للعقوبات
على إيران.
شكل رقم (4)
أهم أسواق النفط الإيرانية 2017-2018
وقد تم استيراد ما يزيد قليلاً عن 50% من
واردات تركيا من النفط الخام والمكثفات في الربع الأول من عام 2018 من إيران. كما
أن تركيا لديها عقد للغاز الطبيعي مع إيران يمتد حتى عام 2026. كذلك، فإن إيران
تزود تركيا بحوالي 9.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي تعتمد عليه تركيا لإنتاج
الكهرباء. ويمكن لإيران أن تقبل الدفع بالليرة التركية نظير نفطها وغازها وأن
تستخدم هذه العملة، خاصة في منطقة الحدود التركية الإيرانية. (أغسطس 2018، Investing)
إذ سبق وأن تعهدت الدولتان منذ ديسمبر 2017،
بالبدء في التبادل التجاري بالعملات الوطنية، وهو ما يسمح لإيران بتجاوز العقوبات
الأمريكية، ويسمح لتركيا أيضاً بتأكيد الاستقلال المالي عن شركائها الغربيين
السابقين. ومن الناحية العملية، يتطلع البلدان إلى التعاون في مشاريع الطاقة
المتبادلة، بما في ذلك "خط الغاز الفارسي". ومن بين الأطراف المشاركة في
هذا المشروع، فإن تركيا وإيران هما الدولتان غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وهذا يعني أن إيران وتركيا تمثل الجانب الشرقي لمشروع يربط الغاز الأوراسي إلى
الجانب الأوروبي. (ديسمبر 2017، سبوتنيك عربي)
وتوسع هذا التنسيق ليشمل روسيا، حيث توصلت الدول
الثلاثة إلى اتفاق لإجراء تجارة ثنائية بالعملات الخاصة بها وتجنب استخدام الدولار.
ويشمل الاتفاق جميع التجارة في النفط والغاز الطبيعي والسلع الأخرى، فضلاً عن بعض
القضايا المصرفية، وذلك في أعقاب اجتماع الرؤساء الثلاثة الأخير في طهران. (سبتمبر 2018، S&P Global)
وهو ما أكد عليه أردوغان بأن لديه خططاً للتخلص
من الدولار في التجارة مع إيران والصين واستخدام العملات المحلية بدلاً من ذلك. وخصوصاً
أن إيران وتركيا افتتحت في إبريل 2018، أول خطاب ائتمان للمعاملات التجارية بالعملات
الوطنية كجزء من جهودهما للتخلص من العملة الأمريكية واليورو في التجارة الثنائية.
(سبتمبر
2108، Press TV)
غير أنه وفق مصادر أخرى، لم يتجاوز حجم التبادل
التجاري بين الطرفين عام 2017، ما قيمته 7.2 مليار دولار، مع ارتفاع في كلا
الاتجاهين، وبفائض تجاري لصالح إيران بلغ قرابة مليار دولار.
شكل رقم (5)
وفيما تنوعت واردات إيران من تركيا، فإن
الصادرات المتعلقة بالنفط والغاز طغت على صادرات إيران وبنسبة 60% منها.
شكل رقم (6)
شكل رقم (7)
يُفسِّر هذا التشابك النفطي، رفض وزير الاقتصاد
التركي، قطع العلاقات التجارية مع إيران على خلفية مطالبة الولايات المتحدة حلفائها
بالتوقف عن شراء النفط الإيراني، حيث اعتبر أن مطالبة الولايات المتحدة لدول
العالم بوقف استيراد النفط الإيراني حتى لا تتعرض لعقوبات أمريكية: "غير
ملزمة لأنقرة". وأن بلاده ستنظر فيما إذا كانت هناك قرارات أو عقوبات من جانب
الولايات المتحدة في هذا الشأن، وأن أنقرة ستتبع مصالحها في هذا السياق.
وهو ما وجد فيه البعض استغلالاً تركياً لموقف
إيران الضعيف سوقياً وحاجتها لتصدير نفطها بأي طريقة وبتسهيلات ائتمانية ومالية
وبأسعار أدنى من السعر الدولي. حيث ترغب تركيا أن تستثمر الضغط الأمريكي الهائل
على إيران للحصول منها على الخام بأقل من السعر العالمي. وعليه تم تبرير انتقاد
الوزير التركي ما وصفه بـ "القرار الأحادي لواشنطن"، وقال: "لا أرى
شيئاً خطيراً يستحق القلق بشأنه في هذه المرحلة".
ويأتي في هذا السياق إعلان المتحدث باسم
الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، أن بلاده تعتبر إيران شريكاً تجارياً مهماً ولن
تتخلى عن صفقات الغاز والنفط معها. وأضاف: "لدينا اتفاقيات غاز طبيعي ونفط،
ولن ندخل أبداً في خطوة تعريض ذلك للخطر". (يونيو 2018، قناة العالم)
ورغم تخفيض شركة التكرير التركية
"توبراش" وارداتها النفطية من طهران بالفعل، فإن وقف واردات الطاقة كلياً
يبدو بعيداً؛ نظراً لأن الغاز الطبيعي الإيراني يستخدم في إنتاج نحو 40% من
الكهرباء في تركيا.
فيما نجد أن حجم التبادل التجاري خلال الأشهر
التسعة الأولى من العام الحالي ارتفع بشكل كبير، وبلغ نحو 20 مليار دولار، بحسب
بيان هيئة الإحصاء التركية، غالبيها واردات تركية من الغاز الإيراني.
ويستفيد الطرفان من اتفاقية تجارة تفضيلية تم
توقيعها عام 2014، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2015، وتقضي بتخفيض نسبة الضرائب
المفروضة على 140 منتجاً من تركيا، و125 منتجاً من إيران. حيث يسعى البلدان إلى
رفع حجم التبادل التجاري فيما بينهما إلى 30 مليار دولار (أغسطس 2018، التحرير)
غير أن مستوى التشابك الاقتصادي يتجاوز ذلك إلى
استثمارات متبادلة، رغم ضعف الاستثمارات التركية نتيجة البيئة الإيرانية غير
المواتية، إلا أن من أهم الاستثمارات التركية في إيران، هي تلك المفاوضات الجارية مع
شركة الطاقة التركية: Unit International،
لبناء محطتين لتوليد الطاقة من الغاز الطبيعي المركب في إيران، والتي بلغت المرحلة
النهائية.
تبلغ قيمة هذه المشاريع، 1.2 مليار دولار، وتشمل
بناء مصنع بسعة 1200 ميغاواط في مدينة ساوه بوسط البلاد، ومصنع بسعة 800 ميجاواط في
زاهدان بالقرب من الحدود الباكستانية. (يوليو 2018، XINHUA)
ورغم أن تركيا هي وجهة مهمة للسياح
والاستثمارات الإيرانية، حيث بلغ عدد السياح الإيرانيين عام 2017 قرابة 1.5 مليون
سائح، إلا أن إيران لم تشهد في المقابل سوى 400 ألف سائح تركي. (أكتوبر 2017، Financial Tribune)
حركة السياحة الإيرانية، مرتبطة أيضاً بعمليات
تهريب الدولار وإعادة توظيفه في الخارج، فوفقاً لمعهد الإحصاء التركي، قفز عدد
العقارات التي اشتراها الإيرانيون في تركيا في الأشهر الستة الأولى من عام 2018
إلى 944 عقاراً، مقارنة بـ 792 عقاراً في عام 2017. وقال رضا كامي رئيس غرفة
التجارة الإيرانية-التركية ومقرها طهران، إن الإيرانيين اشتروا نحو ألف منزل وشقة
في تركيا منذ الربيع. معظمها تتراوح قيمتها 50-200 ألف، والمشتري مؤهل تلقائياً
للحصول على تصريح إقامة. (سبتمبر 2108، Middle East Eye)
أي أن الإيرانيين هرّبوا مبلغ 50-200 مليون
دولار إلى تركيا وحدها، وفي مجال العقارات فقط، وهي موجة اشتدت خلال الأشهر
الأربعة الماضية، وتركزت في اسطنبول ومنتجعات انطاليا وألانيا، وهي المدن الرئيسية
الثلاث التي يفضلها الايرانيون. ووفق Middle East Eye، فإنه خلال الأشهر الستة الماضية، زاد عدد المهاجرين الإيرانيين
الذين قدموا إلى تركيا، بنسبة 25%.
شكل رقم (8)
مشتريات العقار الإيرانية في تركيا
شكل رقم (9)
المقيمون الإيرانيون بشكل قانوني في تركيا
هذا الهروب للعلمة الأجنبية باتجاه تركيا
وسواها، في ظل وضع اقتصادي متأزم للغاية داخل إيران، يدفعنا إلى الاعتقاد أن
عمليات الشراء العقاري في تركيا تتم من قبل المؤسسات الإيرانية الحكومية، وتحديداً
من قبل مؤسسات الحرس الثوري، سواء بشكل فردي للحفاظ على المدخرات المتأتية من
الفساد ونهب المال العام، أو بشكل حكومي للتهرب من العقوبات الأمريكية.
حيث تحتل إيران المرتبة الثامنة عالمياً لناحية
المشرين الأجانب للعقارات التركية، ومن المتوقع أن تشهد هذه الحركة زخماً متصاعداً
مع اشتداد العقوبات.
شكل رقم (10)
أبرز المستثمرين العقارين الأجانب في تركيا
ففي 2017، تم شراء 3% من العقارات التي اشتراها
الأجانب في تركيا من قبل الإيرانيين والتي أظهرت نمواً نسبته 19% مقارنة مع عام
2016. (يونيو
218، Iran Economy in Brief)
وذكرت سبوتنيك التركية أن رجال الأعمال
الإيرانيين قاموا بتسجيل شركاتهم في تركيا من أجل تجاوز العقوبات الأمريكية على
إيران. وقال أحمد هاشمي من وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية لسبوتنيك إن الزيادة
الكبيرة في عدد الشركات الإيرانية المسجلة في تركيا كانت نتيجة لجهود الشركات
لتجاوز العقوبات، بدلاً من زيادة التجارة الثنائية بين البلدين. (يوليو 2018، Ahval)
غير أن ذلك لم يمنع من ملاحقات قانونية ومالية
لأشخاص متورطين في عمليات غير شرعية مع إيران. حيث أصدر القضاء التركي منذ أيام،
مذكرات ضبط بحق 400 شخص، اعتقل منهم 216 بتهم غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، نتيجة
تحويلهم عملات صعبة لحسابات مصرفية في الولايات المتحدة مملوكة لإيرانيين.
حيث تلقوا عمولات في مقابل تحويلهم عملة صعبة
قيمتها 2.5 مليار ليرة تركية (423 مليون دولار) إلى 28088 حساباً مصرفياً في
الخارج، غالبيتها تعود إلى إيرانيين في الولايات المتحدة. فيما كان الرئيس التركي
حذّر المواطنين من تحويل العملة الأجنبية إلى الخارج باستثناء ما هو للاستثمار. (أكتوبر 2108، Asia Times)
المحور الثاني: التشابك السياسي والعسكري
لا يمكن فصل هذين الملفين عن بعضهما في
العلاقات الإيرانية-التركية، فمنذ 2011، بات الطرفان متشابكان إقليمياً ودولياً –تقارب
وتنافر-، حيث أتاحت لهما الفرصة التي وفرتها الثورات العربية إلى إعادة صياغة
علاقاتهما الثنائية من جهة، وتنسيق مواقفهما تجاه القوى الدولية –الولايات المتحدة
وروسيا-، وصولاً إلى العمل على فرض هيمنتهما على ما يعتبرانه فراغاً استراتيجياً
في العالم العربي.
وتشكل القاعدة الاقتصادية في المحور السابق،
تفسيراً مهماً لمدى عمق العلاقات السياسية بين الطرفين، وصعوبة الانفكاك بينهما،
وخصوصاً مع توسع تلك العلاقات إلى مستوى التشابك الإقليمي (المحور الثالث).
وقد قدم مجلس التعاون التركي الإيراني رفيع
المستوى (HLCC)،
الذي تأسس في عام 2014، أساساً منظماً للعلاقات التركية الإيرانية. وعُقد الاجتماع
الأول للجنة HLCC في
أنقرة في يونيو 2014 أثناء زيارة روحاني إلى تركيا. فيما عُقِد الاجتماع الثاني في
إبريل 2015 خلال زيارة أردوغان إلى إيران. وأتى الاجتماع الثالث بمناسبة زيارة روحاني
إلى تركيا في إبريل 2016. وعُقِد الاجتماع الأخير بمناسبة زيارة أردوغان إلى إيران
في أكتوبر 2017.
غير أن العلاقات شهدت عدة محطات خارج هذه اللجنة،
إذ قام روحاني بزيارة أخرى إلى تركيا في ديسمبر 2017 بمناسبة الدورة الاستثنائية
لمؤتمر القمة الإسلامي، فيما قام أردوغان بزيارة طهران في سبتمبر 2018 في إطار
التنسيق مع إيران وروسيا في الشأن السوري (مخرجات أستانة).
أما على مستوى رؤساء الوزراء، فقد قام النائب
الأول للرئيس الإيراني، بزيارة تركيا في أكتوبر 2017 بدعوة من رئيس الوزراء التركي.
كما حضر مؤتمر قمة الثمانية في إسطنبول. في حين سبق وأن قام رئيس وزراء تركيا
بزيارة إلى طهران في مارس 2016.
وتتكرر الزيارات بشكل متواصل، حيث قام وزير
خارجية تركيا بزيارة إلى إيران في نوفمبر 2016، تلتها زيارة وزير خارجية إيران لتركيا
في يونيو 2017.
كما تمت مناقشة أمن الحدود ومحاربة الإرهاب
والجرائم المنظمة خلال الزيارات المتبادلة لرؤساء الأركان العامة لدولتين وزيارة
وزير الشؤون الداخلية لجمهورية تركيا إلى إيران. (وزارة الخارجية التركية)
بالتالي، يمكن القول إن الدولتين قد عززتا
علاقاتهما بشكل وثيق منذ صيف عام 2016 (بعد محاولة الانقلاب)، ووضعتا أسساً سياسية
واقتصادية لبناء نمط دائم بينهما، لذا فإن الموقفين التركي والإيراني الأخيرين
يقومان على تلك الأسس، وهما يدافعان عن مصالح الدولتين التي تشهد مزيداً من التوسع.
فرغم اندفاع تركيا لتأييد موجة التظاهرات
والثورات العربية، والدفع بدعم بعض أطرافها، مستغلة حقوق المتظاهرين العرب
ومطالبهم، فإن موقفها كان على النقيض من ذلك مع تظاهرات إيران مطلع هذا العام.
حيث أعلن أنها تقف إلى جانب القيادة السياسية
الإيرانية في
أزمتها، مع ضرورة احترام ما يقوله الشارع وتفهّمه. ورفضت تركيا أي تدخّل خارجي في
الأزمة، لكنها رفضت أيضاً استخدام القوة ضد المتظاهرين. وكان ذلك موقف المسؤولين
وصناع القرار والإعلاميين والباحثين الأتراك.
ومع تصاعد الموقف الأمريكي تجاه إيران، وفي ظل
إحساس تركيا بتوسع الهوة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فضّلت تركيا إحداث
مزيد من التقارب مع إيران (فرضية: كل تباعد تركي
عن الولايات المتحدة يقود إلى تقارب بنفس الوتيرة والمسافة مع إيران وورسيا).
من ذلك أتى حديث أردوغان عبر الهاتف مع روحاني،
لتأكيد دعمه للاتفاق النووي وانتقاد قرار ترامب. وقال أردوغان في مقابلة مع محطة CNN: "نحن لا نحتاج إلى أزمات جديدة في المنطقة"، محذراً من
أن الانسحاب الأمريكي من الصفقة النووية لن يكون له تداعيات إقليمية فحسب، بل
عواقب عالمية. وقال: "يجب على الدول الوقوف بجانب المعاهدات التي وقعتها".
وهو موقف وزير الخارجية التركي أمام الصحفيين
في أنقرة: "إن لم يفعلوا ذلك، فإن جميع المعاهدات الدولية في الماضي يمكن أن
تتجاهل فجأة يوماً ما". (مايو 2108، VOA News)
واعتبر
وزير الخارجية التركي لاحقاً، أن العقوبات الأمريكية ضد إيران: "تهدد
السلام والأمن في المنطقة"، مشدداً على أن أنقرة "لا تعترف" بتلك
العقوبات. وذلك خلال استقباله مدير مكتب الرئيس الإيراني محمود واعظي الذي وصل إلى
أنقرة، حاملاً رسالة سلمها إلى الرئيس التركي. كما قال أوغلو "أعلنا صراحة أننا
لن ننفذ العقوبات الأحادية الأخيرة على إيران، ونحن نعتبر العقوبات الأمريكية ضد
وزيري الداخلية في تركيا غير صحيحة، وأن القضايا يمكن حلها من خلال الدبلوماسية".
فيما
أشاد مدير مكتب الرئيس الإيراني بالموقف التركي ضد العقوبات الأمريكية على طهران،
مشدداً على "أهمية رفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين إلى 30 مليار دولار".
وقال
واعظي: "يمكننا أن نعمل معاً لاتخاذ خطوات مهمة لضمان وتدعيم السلام
والاستقرار في المنطقة، كما علينا زيادة جهودنا لتسوية الأزمة السورية ... نحن
نرحب باستعداد رجال الأعمال الأتراك للتجارة والاستثمار في إيران، ويجب أن نسعى
جاهدين للتغلب على العقبات والمشاكل في كلا الجانبين". (أغسطس 2018،
إرم نيوز)
إيران هي الأخرى حريصة على هذا النهج، حيث تشكل
تركيا منفذاً سياسياً واقتصادياً بالغ الأهمية، لا يمكن التضحية به، بل ويمكن
القول إن أزمة الليرة التركية، تشكل مبعث قلل للمصالح الإيرانية، إلى جانب موضوع
العقوبات والتعريفات الجمركية الأمريكية.
لذا، انتقد المتحدث باسم وزارة الخارجية
الإيرانية برهام قاسمي السياسات الأمريكية حيال تركيا، مؤكداً على استعدادهم
لتقديم كافة أنواع الدعم لتركيا. وأفاد قاسمي أنه يمكن لتركيا والشعب التركي
النجاح في مواجهة الضغوط الخارجية، وأفاد أنهم يقفون إلى جانب تركيا ضد العقوبات
التي فرضتها الولايات المتحدة عليها.
وأشار أيضاً إلى أن تركيا وإيران يمكن أن
يكونان صديقين جيدين: "لا يمكن استبدال إرادة الشعب بالتنمر والتهديدات".
وذكر قاسمي أن الدول الأخرى المجاورة لإيران يجب أن تشعر بدعم إيران لها، مؤكداً
على أهمية التعاون بين دول المنطقة. (أغسطس 2018، TRT عربي)
كما اتهم وزير الخارجية الإيراني الولايات
المتحدة بالتسبب في الصعوبات الاقتصادية التي تشهدها تركيا، وقال ظريف إن الإدارة
الأميركية تمارس ما وصفه بترهيب تركيا. (أغسطس 2108، سكاي نيوز)
لكن مستوى العلاقات بين الطرفين، يبقى أعمق حتى
من كل ما تقدم، إذ تشكل الدولتان محورين إقليميين يتعاونان –أكثر من تنافسهما- على
مواجهة الضغوط الدولية وعلى توازع المصالح في المنطقة. بل إن تركيا عملت على تعزيز
القوة العسكرية لإيران، وخرق الحظر الدولي العسكري عليها.
حيث فتحت الأمم المتحدة تحقيقاً ضد تركيا
للاشتباه في بيعها معدات إلكترونية لإيران، أدرجت هذه التقنيات المتعلقة بالطاقة
والكهرباء والتبريد على قائمة الممنوعات للبيع والاستيراد لها، وفقاً لقرار مجلس
الأمن رقم 2231 لعام 2015، وذلك وفقاً لصحيفة "يديعوت أحرونوت"
الإسرائيلية.
وقد طلبت الأمم المتحدة من إسرائيل أن تفتح
تحقيقاً، بعد أن تبين أن العتاد الإلكتروني الذي أرسل إلى إيران من تركيا تم
تصنيعه في شركة إسرائيلية بمدينة القدس وتعد من كبريات شركات تصنيع أجهزة
"مكثفات الطاقة المبردة بالتوصيل" وهي معدات إلكترونية حساسة.
وسبق وأن ضبطت دولة الإمارات في يوليو 2017
شحنة من عتاد إلكتروني أرسل من أنقرة إلى طهران، تشمل المكثفات المحظور على إيران
امتلاكها. وبعد الكشف الإماراتي توجهت الأمم المتحدة بطلب إلى إسرائيل أشار إلى أن
المنتجات الإلكترونية تم تصنيعها في شركة " سيليم- باور كباسيتي".فيما اعترفت
الشركة الإسرائيلية ببيع البضاعة لشركة تركية بعد فحص وتدقيق وقبض للأموال مسبقاً.
(مايو
2018، Euro News)
في المقابل، تحاول إيران ربط الصناعات العسكرية
للدولتين ببعضهما البعض، حيث قال روحاني إنه من الممكن لبلاده أن تقيم تعاوناً في
مجال الصناعات العسكرية مع تركيا وتصنيع طائرة حربية معها. وذلك خلال اجتماع في طهران
للتعريف بطائرة "كوثر". حيث يأمل روحاني بإقامة تعاون بين إيران وتركيا
وباكستان لتصنيع طائرات حربية. (أغسطس 2018، TRT عربي)
المحور الثالث: التشابك الإقليمي
عززت
هذه البيئة المحيطة الجديدة، موقف الدولتين باعتبارهما (قوى إقليمية غير قانعة)،
أو قوى إقليمية صاعدة، وباتت علاقاتهما فيما يمكن وصفه بأفضل مراحلها التاريخية
على الإطلاق، وخصوصاً من خلال تشارك المصالح الواسعة إقليمياً على عدة مستويات،
فكلا الدولتين تبحثان عن:
- بيئة مصالح وتمدد ونفوذ إقليمي، لإثبات مكانتها
الإقليمية والدولية، وتحديداً في البيئة العربية.
- منع قيام تكتل عربي قوي، وخصوصاً في شرق
المتوسط (سورية والعراق)، في امتداد لسياسات تركيا وإيران التاريخية تجاه المنطقة.
- تقويض القوى الخليجية، وإحاطتها بجملة أزمات،
تتسبب في إشغالها بعيداً عن مصالحهما، وخصوصاً من خلال قضية الحوثيين في اليمن،
وقضية العمل مع قطر.
- الاستفادة من الحراك الثوري العربي، وتحويل
مساره بما يتوافق مع مصالح الدولتين، سواء من خلال دعم أنظمة أو حركات سياسية أو فصائل
عسكرية أو ميليشيات أجنبية، ومنع قيام نظم ديمقراطية عربية في دول الثورات، بما
يهدد مصالح الدولتين.
- اضطرار الدولتين إلى الاستعانة والتنسيق مع
روسيا صاحبة المصالح الاستراتيجية المتقاربة في المنطقة. وخصوصاً بعد ما اعتبرت
تركيا أن هناك خذلاناً أوروبياً وأمريكياً لها، ودعماً أمريكياً للأكراد في
المنطقة.
- مناهضة قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق،
وينساق في ذلك، موقفهما المشترك من تصفية الجيب الكردي في سورية تحت الحماية
الأمريكية، من خلال الضغط مع روسيا على الولايات المتحدة للانسحاب من شرق الفرات.
- كما يستخدم الطرفان القضية الفلسطينية ونفس
الأدوات فيها (حماس والجهاد/حركات الإسلام السياسي)، لإضفاء شرعية على حراكهما
الإقليمي، وقد نجحا إلى حد ما في ذلك.
- عدا عن توظيف كثير من جماعات الإسلام السياسي
(نفس الجماعات في كلا الطرفين أحياناً)، لحماية المصالح الإيرانية أو التركية أو
كلاهما في المنطقة.
- رغم أن موقف الدولتين كان متناسقاً مع مصر فترة
حكم الإخوان، فإن عدم وجود موقف واضح لإيران من نظام السيسي، لا يعني أن إيران لا
تتفق مع تركيا في ضرورة محاصرة هذا النظام أو استبداله. كما أن موقف إيران غير
المحدد علناً تجاه ليبيا، هو قريب للغاية من موقف تركيا الداعم لجماعة الإخوان.
- هذا التشارك في التمدد والنفوذ الإقليمي يبلغ
ذروته في سورية، وصولاً إلى الانتقال من التشابك المصلحي إلى الاشتباك المسلح. حيث
فضّل الطرفان العمل من خلال وكلاء (الحرب بالوكالة)، لتثبيت مصالحهما في سورية،
وتفاديا نزاعاً مسلحاً مباشراً (تنافس إقليمي).
شكل رقم (11)
مستويات التشابك المصلحي
فيما رحّبت طهران ببناء تركيا سياجاً حدودياً
على الحدود معها كآلية لمنع تحرك "المتطرفين" الأكراد بين البلدين. وهناك
مسألتان أخريان محل اتفاق بين البلدين هما النزاع بين قطر ودول مجلس التعاون
الخليجي، حيث انحازتا إلى الموقف القطري، والثانية دعم الفلسطينيين.
في حين أن استمرار تركيا في توسيع نطاق تعاونها
الأمني مع إيران، يثير مخاوف الناتو من أن تتحول تركيا في القريب إلى عدو. وهذه المخاوف
تتوازى مع القلق الإيراني من عضوية تركيا في الناتو. وبعبارة أخرى فإن الناتو قد
يكون أكثر انزعاجاً من الشراكة الأمنية التركية مع إيران من قلق إيران من وجود
الأسلحة الأمريكية. حيث أن الشراكة بين إيران وتركيا قد بنيت على أساس مجموعة من
الضرورات الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن أهداف مماثلة لمشروعات التجارة والطاقة
والتجارة. ولن تتحول هذه الشراكة إلى تحالف رسمي ما لم تترك تركيا -أو حتى يتم
إخراجها- من حلف الناتو. (ديسمبر 2017، سبوتنيك عربي)
ففي العراق، تحسنت العلاقات الثنائية بشكل كبير
في الأشهر الأخيرة بين إيران وتركيا، منذ أن انتقد الرئيس التركي طهران في يونيو
2017، متهماً إياها بالتوسع الفارسي في المنطقة، وهو تهديد قال إنه يجب تحديه.
ووفقاً للكاتب السياسي سميح اديز: كان "هذا
جزء من تذبذبات أنقرة، بالطبع يبدو أن أنقرة تقترب أكثر من طهران، خاصة بعد أن قام
الأكراد العراقيون بإجراء استفتاء استقلالهم، والذي تعارضه كل من تركيا وإيران
بشدة، وهو ما وحّد موقف الدولتين". (نوفمبر 2107، VOA News)
كما أعلن وزير الدفاع التركي أن إيران عرضت
مساعدة تركيا في العمليات العسكرية التي تقوم في شمال العراق ضد من تصفهم بـ
"إرهابيي" حزب العمال الكردستاني. وقال إن "القوات المسلحة التركية
حيّدت أكثر من 500 إرهابي شمالي العراق، منذ مطلع العام الجاري"، وإن قوات
بلاده ستبقى في شمال العراق "إلى حين القضاء على الإرهاب تماماً". وأضاف
"العمليات العسكرية ستتواصل بالشكل الذي لا يخلّ بوحدة أراضي دولة أخرى بأي
شكل من الأشكال". وتابع بالقول إن "الإيرانيين أعربوا بشكل واضح جداً عن
ترحيبهم بتقديم الدعم اللازم للعمليات ضد الإرهابيين شمالي العراق، بما يشمل جبال
قنديل". (يونيو 2018، CNN بالعربية)
في حين أكد وزير الخارجية التركي أن تركيا على
اتصال مع إيران بشأن العملية العسكرية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في منطقة
قنديل بشمال العراق بالقرب من الحدود الإيرانية. وقال "حزب العمال الكردستاني
يشكل تهديداً لهم أيضاً، قنديل قريب جداً من الحدود الإيرانية ... سنحسن التعاون
مع إيران". (يونيو 2018، HAARETZ)
وتدرك تركيا حجم النفوذ الإيراني في العراق،
وحجم الهيمنة على مؤسسات الدولة والميليشيات المسلحة فيه، لذا فإنها في المقابل
تعلم أنها لن تستطيع الحصول على كثير مكاسب، لذا فإنها تركز على مدخلين مهمين
بالنسبة لها، الأول يتعلق بتقويض الحراك الكردي في العراق، والثاني حماية مصالح
تركمان العراق. ورغم أنها تتطلع إلى مد نفوذ لها داخل الأوساط العربية السنية
العراقية، والاستفادة من وضع السنة السيء للغاية، إلا أنها لم تنجز كثير فعل في
ذلك.
أما في سورية، فقد ساد الاعتقاد خلال الفترة
2011-2016 بأن تركيا وإيران على طرفي نقيض، وأنهما يتجهان تدريجياً إلى الصدام
المباشر، غير أنه ومنذ محاولة الانقلاب في تركيا، تكشفت كثير من التوجهات التركية
والإيرانية، التي كانت تعمل بالتنسيق المشترك مع روسيا. وخصوصاً مع الخذلان التركي
لمعارضي حلب نهاية عام 2016، ثم الخذلان لمعارضي الغوطة الشرقية نهاية عام 2017،
في مقابل مكاسب كانت في الأولى من خلال الهيمنة العسكرية المباشرة على مناطق ما
يسمى بدرع الفرات، والثانية في الهيمنة على مناطق ما يسمى بغصن الزيتون.
وإن كان الهدف التركي المعلن حتى الآن إطاحة
نظام الأسد، أو لاحقاً الاكتفاء بمطلب الإطاحة بالأسد وحده دون النظام، إلا أن
تركيا هي الأخرى عملت على تهديم الدولة السورية وتفكيك أوصالها، كما فعلت إيران
تماماً، وبالتالي فإن الطرفين –إلى جانب روسيا- مسؤولان بالتعاون المشترك عما وصلت
إليه الأوضاع السورية، سواء من خلال دعم النظام من قبل إيران وروسيا أو دعم بعض
أطراف المعارضة من قبل تركيا.
وقد تأكد هذا التوجه بخصوص الهجوم الروسي الذي
كان مزمعاً على محافظة إدلب السورية، حيث راعت كافة الأطراف مصالح/مسببات القلق لدى
تركيا (تجنب موجات لجوء جديدة، ومنع عودة الميليشيات الكردية إلى الحدود التركية)،
وتم تأجيل الهجوم، إلى حين إيجاد آلية تراعي مصالح هذه الأطراف، مع حضور عسكري
تركي يضمن أمن قوات النظام وروسيا والميليشيات.
بل إن هذه الأطراف الثلاثة، ومن خلال وكلائها
أيضاً (النظام والميليشيات والفصائل)، تعمل ضمن إطار اتفاق سوتشي، الذي يشكل إطار
عمل يتم من خلاله توزيع مصالح هذه الدول في المنطقة، ومنع الصدام المباشر بينها.
ومن ذلك تأتي زيارة وزير الخارجية التركي إلى
طهران في فبراير 2108، لإجراء محادثات مع وزير الخارجية الإيراني، بشأن العمليات
العسكرية التركية في عفرين، حيث سبق ذلك أن حثت طهران تركيا على وقف حملتها
العسكرية قائلة
إن العملية في منطقة عفرين تنتهك السيادة السورية، وستزيد التوترات في البلد.
وتذهب بعض الآراء إلى أن انسحاب القوات
الأمريكية قد يسبب فراغاً في السلطة يشجع نظام الأسد وداعميه وتركيا على الدخول
إلى منطقة شمال شرق سورية، ومن المرجح أن تستخدم تركيا وكلاء سوريين لمهاجمة
الأكراد، بينما سيعتمد النظام على الميليشيات المدعومة من إيران. وفي حال سمحت
روسيا بالتدخل التركي، فإن هذا من شأنه أن يزيد من خطر الصراع المباشر بين القوات
التركية ووكلاء الحرس الثوري الإيراني على الطاقة والكهرباء والبنية التحتية
للطرق. (إبريل
2018، Jane's 360)
في حين يرى محللون آخرون أن روسيا وإيران لن تدعما
عسكرياً عملية تركية محتملة ضد المسلحين الأكراد الذين تدعمهم الولايات المتحدة في
سورية، على الرغم من وجود مخاوف من أن ظهور منطقة كردية مستقلة يمثل تهديداً كبيراً
لسلامة الأراضي السورية. وقال فاروق لوغ أوغلو وهو دبلوماسي كبير سابق:
"ستكون تركيا مخطئة إن بدأت عملية عسكرية لأنه من غير المحتمل أن تدعمها
روسيا أو إيران". وأضاف أن التوافق المبدئي في مواقف تركيا وروسيا وإيران
الأولى بشأن الجزء الشرقي من نهر الفرات في سورية سطحي".
في حين قال الرئيس التركي مراراً خلال الأسابيع
القليلة الماضية إن أنقرة مصرة على القضاء على التهديد الذي تفرضه وحدات حماية
الشعب؛ لأن تركيا تعتبر هذه الجماعة الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني الذي
يحارب الحكومة التركية منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ومنذ
اجتماع قادة تركيا وروسيا وإيران في تركيا في شهر سبتمبر في طهران، أعربت روسيا
وإيران أيضاً عن مخاوفهما بشأن المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد ووجود الولايات
المتحدة هناك. ومع ذلك لا تستطيع أنقرة الحصول على دعم من موسكو وطهران لمحاربة
الميلشيات بسبب اختلاف في المصالح.
وقال
لوغ أوغلو إن "روسيا وإيران تريدان خروج الولايات المتحدة من سورية، بينها
تسعى تركيا لكبح نفوذ وحدات حماية الشعب الكردية في المنطقة". وعلى الرغم من التقارب
الواضح، من غير المحتمل أن تدعم موسكو وطهران، الهجوم العسكري التركي لطرد وحدات
حماية الشعب، بحسب ما قاله رئيس الأركان السابق في الجيش التركي، ورئيس المعهد
التركي للقرن الـ 21 في أنقرة. وقال إن إيران لا تريد أن تقوم تركيا، التي تعتبر
الولايات المتحدة حليفاً لها، بتوسيع سيطرتها على الجزء الشرقي من سورية، بينما لا
يمكن أن تقوم روسيا بعمل عسكري ضد الولايات المتحدة في الجزء الشرقي من نهر
الفرات.
فيما حث الرئيس الإيراني في قمة طهران شركاء
أستانة على إقناع الولايات المتحدة بمغادرة سورية لإزالة التشابك في شرقي الفرات. وقال
أردوغان مؤخراً إن الولايات المتحدة زودت وحدات حماية الشعب بحمولة 19 ألف شاحنة
من الأسلحة، متهماً واشنطن بمساعدة الإرهابيين: "إننا مصرون على تطهير الممر
الإرهابي في الجزء الشرقي من نهر الفرات". لكن يرى المحللون أن العملية
العسكرية التركية ضد وحدات حماية الشعب تعتبر خطوة نحو مواجهة مع الولايات
المتحدة. (أكتوبر
2108، شنخوا)
بالمحصلة،
فإن الملف السوري يبقى أكثر الملفات قلقاً في علاقة الدولتين، ويشهد الاحتمالات
التالية:
- توافق على مسببات القلق التركية، وإيجاد حلول
قبل نهاية عام 2019، في مقابل سعي إيران وروسيا إلى إعادة فرض هيمنة النظام على
غالبية/كل الأراضي السورية، وخصوصاً أن مستوى المصالح التركية-الروسية أكبر بكثير
من قضايا التدخل التركي في سورية (نهج براغماتي مفترض، ذو احتمال كبير).
- غير أن هناك احتمالاً آخر، يقوم على أسس غير
براغماتية، وخصوصاً أن أردوغان له تطلعات شخصية (مجد شخصي)، ويأمل بأن يكون زعيماً
إقليمياً، لذا قد يرفض التسويات، لصالح تعزيز حضوره على امتداد شمال سورية (نهج
شخصي ضعيف الاحتمال).
- بين هذين الاحتمالين، هناك جملة عوامل مساعدة
قد ترجّح احتمالاً على آخر، سواء فيما يتعلق بتغيرات الموقف الإقليمي العربي أو
الدولي الأمريكي، وخصوصاً مع الحرب التجارية الأمريكية الدولية التي تُقرِّب وتبني
كثيراً من الحلفاء في مواجهة الولايات المتحدة، عدا عن أن تركيا قد تستشعر حاجة
روسية وإيرانية لها في ملفات أخرى (النفط والبلقان والبحر الأسود)، لفرض تسويات في
المناطق العربية.
- على المدى القصير جداً، حتى نهاية عام 2018، لا
نرى أن هناك تغييراً فعلياً في علاقة هذه الدول ببعضها، طالما لم يطرأ حدث مهم
يدفعها إلى توجهات جديدة.
بالعودة
إلى باقي الملفات الإقليمية، فإن تركيا وإيران على توافق شبه تام، وخصوصاً لناحية
دعم بعض/كل جماعات الإسلام السياسي، وتحديداً حركتي الجهاد وحماس في فلسطين
وجماعات الإخوان المسلمين، على اختلاف أشكال الدعم بين سياسي وعسكري ومالي.
إلى جانب توافق كبير للغاية على دعم قطر في
مواجهة دول الخليج العربي، وصولاً إلى تنسيق سياسي وعسكري وتجاري معها، بهدف
اختراق المنظومة الخليجية، وإشغالها من الداخل. حيث يعد الموقف التركي ممالئاً
لإيران في قطر، وبغض النظر عن الاختلافات البنيوية والفوارق بين موقفي الدولتين
تجاه الأزمة القطرية إلا أن تحالف الدوحة مع أنقرة وطهران جعل من قطر نقطة التقاء
بين المصالح المالية والأمنية والسياسية الإقليمية بين البلدين، وتحويل قطر إلى
أداة عربية جديدة لنفوذهما.
كما استفادت إيران من ذلك، بوجود قوتين سنيتين
إلى جانبها، لنفي بعض إشكاليات دورها المذهبي في المنطقة.
د. عبد القادر نعناع
باحث وأكاديمي سوري












