إيران والجبل الأسود: محاولات هشّة لبناء علاقات

 


 

رغم تطلع إيران الحثيث إلى بناء علاقات واسعة ضمن دول البلقان، وخصوصاً عبر الاستفادة من أزماتها الإثنية، ووجود نسبة مهمة من السكان المسلمين فيها، والذي يتطلعون لتوفير دول داعمة لهم. إلا أن حضور إيران السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الجبل الأسود، يبقى أحد أقل أشكال العلاقات الإيرانية الخارجية تفاعلاً، حيث يلاحظ أنه لم يتجاوز حدود أطر اللقاءات البرلمانية، أو التهنئة الرسمية والدبلوماسية.

بل إن منظمة Trade Map والتي ترصد حركة التجارة الدولية، لم تشر بياناتها إلى أي تبادل تجاري بين الطرفين طيلة الأعوام 2013-2017، وذلك في الاتجاهين (صادرات وواردات).

ويمكن ملاحظة محدودية هذه العلاقات بين الطرفين، من خلال المحطات الأخيرة بين الدولتين، والتي لم تتجاوز النقاط التالية:

 

أ-العلاقات عام 2015:

لم تشهد هذه السنة سوى لقاء بين وزير الثقافة في الجبل الأسود مع السفير الإيراني غير المقيم، وتبادلا وجهات النظر حول العلاقات بين البلدين، وخلصا إلى أن الثقافة هي الأساس لتحسين التعاون الجيد في جميع المجالات. كما ناقش الطرفان إمكانيات تنفيذ العديد من المشاريع في مجال الإبداع الثقافي والفني، وإمكانية توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين في مجال الثقافة. (ديسمبر 2015، حكومة الجبل الأسود)

 

ب-العلاقات عام 2016:

هذا العام أيضاً، لم يشهد أكثر من اجتماع الرئيس الإيراني في مايو 2016، مع السفير المعتمد للجبل الأسود في طهران، وتأكيده استعداد إيران لتوسيع التعاون المتبادل في المجالات الاقتصادية والتجارية.

فيما أكد سفير الجبل الأسود آنذاك على أن كبار المسؤولين في بلاده مصممون على الإسراع في توسيع العلاقات مع طهران: "إننا مستعدون لتعزيز علاقات البلدين من خلال التعاون الاقتصادي والسياحي". وأن الجبل الأسود مستعد لتسهيل تنظيم التأشيرات للمواطنين الإيرانيين الراغبين في زيارة بلده. (مايو 2016، الرئاسة الإيرانية)

 

ج-العلاقات عام 2017:

بدأت العلاقات منذ عام 2017، تأخذ منحى تصاعدياً، ولكنه محدود للغاية، حيث لا يمكن الاعتداء بنتائجه التي ما تزال غير ملحوظة.

ومن ذلك لقاء رئيس الجبل الاسود مع السفير الايراني في بودغوريتشا، وتأكيده على الحاجة الى توسيع التعاون المتبادل، وأن البلدين لديهما القدرات اللازمة لتعميق علاقاتهما في المجالات البرلمانية والاقتصادية والثقافية. حيث أشار رئيس الجبل الأسود إلى تاريخ إيران الثري وثقافتها، وقال إن "الجبل الأسود مولع بتوسيع العلاقات في مجالات العلوم والثقافة والفن والسياحة".

من جانبه دعا السفير الإيراني القطاعين الخاصين في إيران والجبل الأسود ليوسعا التعاون في مجال السياحة والتجارة، كما أعرب عن استعداد إيران لتوسيع التعاون الثقافي والفني. (مايو 2017، Fares News Agency)

فيما أفاد نائب رئيس الوزراء الأسبق للجبل الأسود، في وقت لاحق من هذا العام، أن الجبل الأسود يدرس برنامجاً لإلغاء شرط تأشيرة الدخول للسياح ورجال الأعمال الإيرانيين. وذلك خلال لقائه مع رئيس الوفد البرلماني الإيراني. (مايو 2017، Fares News Agency)

لكن آخر تحديث تم الوصول إليه في ديسمبر 2017، يفيد بأن الجبل الأسود ما تزال تشترط الحصول على تأشيرة مسبقة من الإيرانيين.

كما التقى رئيس برلمان الجبل الأسود مع السفير الإيراني غير المقيم، لتباحث تعزيز التعاون البرلماني باعتباره أفضل طريقة لإقامة علاقات سياسية واقتصادية أقوى بين البلدين. حيث اتفق الطرفان على أن إنشاء مجموعات صداقة وكذلك زيارات على مستوى عال وعالي سيسهم في تعزيز العلاقات الثنائية. كما تبادل رئيس البرلمان والسفير الآراء حول التطورات السياسية في مناطق كل من الدولتين والتحديات التي تواجههما. (سبتمبر 2017، برلمان الجبل الأسود)

وحول لقائه برئيس البرلمان في الجبل الأسود، قال السفير الإيراني: "لقد تم خلال اللقاء بحث تطوير العلاقات البرلمانية بين البلدين"، مشيراً إلى أن الاجتماع مع أعضاء مجموعة الصداقة البرلمانية مؤشر واضح على رغبة البلدين في تعزيز التعاون البرلماني. ووجه دعوة رسمية إلى رئيس لجنة السياسة الخارجية في برلمان الجبل الأسود، لزيارة إيران. (أكتوبر 2017، ارنا)

كما قام السفير بلقاء مع وزير الثقافة في الجبل الأسود، الذي أكد أن بلاده تبدي رغبتها في تعزيز العلاقات مع إيران في مختلف المجالات، وأشار إلى مساهمات إيران الثقافية والحضارية للمجتمع البشري، وقال إنه يتطلع للتعاون مع دولة غنية بالتراث الثقافي والحضاري لعدة آلاف من السنين، وأن هذا أمر قيّم للغاية بالنسبة لدولته.

حيث يعتقد الوزير أن واحدة من الرؤى المشرقة للثقافة الإيرانية هي دور السينما، التي هي مصدر إلهام وقيمة بالنسبة للمجتمع البشري بأكمله. وبالتالي أعرب عن استعداد بلاده للتعاون مع إيران في مجالات مثل صناعة السينما والموسيقى والرسم والمسرح والتراث الثقافي، ورحب باقتراح تبادل وسائل الإعلام والتفويض الثقافي بينهما.

وأعاد السفير الإيراني طرح موضوعين، أولهما موضوع إلغاء شروط التأشيرة بين البلدين، والثاني دعوة الجبل الأسود للمشاركة في معرض طهران الدولي للكتاب. (أكتوبر 2017، Iran Daily)

وفي ذات الفترة كذلك، اجتمع المستشار الثقافي الإيراني في صربيا والجبل الأسود، مع خمسة من أعضاء مجلس الجبل الأسود، في بلغراد. وأعلن المستشار الإيراني عن استعداد طهران لتطوير العلاقات الثقافية المتبادلة مع الجبل الأسود في مجال السينما والمسرح، وإقامة معارض الكتاب والفنون التشكيلية، والفعاليات الجامعية والبحثية، وإجراء التحضيرات اللازمة لإبرام مذاكرات التفاهم التي تحتاجها المؤسسات الثقافية في البلدين.

كما أعلن استعداد إيران توفير الإمكانيات اللازمة لتدريس اللغة الفارسية في جامعات الجبل الأسود، في حال رغبة الجامعات بذلك، مع تقديم منح دراسية لطلابها خاصة لتعليم الأدب واللغة الفارسية.

فيما أعلنت عضو مجموعة الصداقة من الجبل الأسود، أن بلادها تولي اهتماماً خاصاً للسينما، واستعدادها للتعاون مع إيران في هذا المجال وكذلك إقامة معارض للكتاب. (أكتوبر 2017، ارنا)

 

د-العلاقات عام 2018:

حافظت العلاقات بين الطرفين منذ مطلع هذا العام، على ذات النسق السابق، أي أنها ظل تحاول بناء علاقات فعالة، دون أن تصل إلى نتائج ملموسة، بل ظلت في ذات الإطار من الدعوات والآمال واللقاءات الدبلوماسية والبرلمانية المشتركة.

حيث صرح النائب الإيراني ورئيس مجموعة الصداقة البرلمانية، في اجتماع مع عضو المجموعة المونتيغري، بأن تطوير العلاقات السياحية بين إيران والجبل الأسود سيعزز من الإمكانات الاقتصادية بين البلدين. وقال إن برلماني إيران والجبل الأسود يمكن أن يعززا العلاقات الودية.

وأكد أنهما يتبادلان وجهات النظر بين لجان الخبراء في البلدين حول القضايا الاجتماعية والثقافية، حيث أن تبادل الخبرات في مجالات النساء والشباب ومجال التوظيف يمكن أن يحل المشاكل الاجتماعية. كما شدد على ضرورة تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية المشتركة بين إيران والجبل الأسود. (فبراير 2018، IRNA)

ولعل التطور الأبرز فعلياً، كان مع شهر مارس، حين بدأت شركة Montenegro Airlines تسيير رحلات جوية مستأجرة بين بودغوريتشا وطهران، بعد أن أبرمت الشركة اتفاقاً مع شركة الرحلات السياحية الإيرانية Negin Parvaz Pars في نوفمبر 2017. وستصبح أول شركة طيران من يوغوسلافيا السابقة تقوم بتشغيل خدمات أسبوعية لإيران منذ رفع العقوبات الدولية. (مارس 2018، Financial Tribune)

وللتأكيد على النهج الذي نذكره، بأن العلاقات لم تشهد تطوراً حقيقياً وملموساً، رغم اللقاءات البرلمانية والدبلوماسية، ورسالة التهنئة التي أبرق بها روحاني إلى رئيس الجبل الأسود بمناسبة اليوم الوطني في مايو 2018. يظهر ذلك من خلال سعي إيران لتطبيق بعض الاتفاقيات التي تم عقدها سابقاً، دون أن يتم تنفيذها.

حيث أكد كبير مسؤولي مؤسسة مراقبة سوق المال في الجبل الأسود، أن الظروف مناسبة لتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران عام 2010، لتأسيس صناديق مشتركة وصناديق للمشاريع، وذلك خلال لقائه رئيس مؤسسة البورصة والأوراق المالية الإيرانية في الجبل الأسود.

فيما أكد المسؤول الإيراني أن التعاون بين البلدين سيدخل مرحلة جديدة في مجال القضايا القانونية، وتأسيس صناديق مشتركة أو صناديق مع عائدات ثابتة أو متغيرة، والتعاون في مجال البورصات. (أكتوبر 2018، ارنا)

 

ه-البعد الاجتماعي (الشيعة في الجبل الأسود):

طالما ارتبطت سياسات إيران الخارجية وتدخلاتها، بالبعد الاجتماعي، من خلال العمل على توثيق الصلات بالجماعات الشيعية في الخارج، أو العمل على إنشاء جماعات شيعية (تبشير مذهبي)، تخدم مصالحها. وهي سمة ملازمة دائماً للسياسة الخارجية الإيرانية حيثما كانت. غير أنها تبقى غير واضحة في دولة الجبل الأسود، وربما تكون ضعيفة مقترنة بضعف العلاقات بين الدولتين، رغم وجود مقومات تسمح لإيران بذلك، وخصوصاً مع وجود نسبة مهمة من الأقلية المسلمة في الدولة.

فوفق إحصاء عام 2011، بلغ عدد المسلمين 118477 نسمة، وبنسبة 19.11% من مجمل السكان، فيما ترى مصادر أخرى أحدث أن النسبة تصل إلى 29% من مجمل السكان.

غير أن مصادر محلية من مسلمي الجبل الأسود، ترى خلاف ما يقال عن عدد المسلمين، حيث تدعي هذه المصادر أنه منذ 1991 لم يجر أي إحصاء للسكان، وأن هناك مناطق شاسعة جميع سكانها من المسلمين وهم يشكلون الأغلبية في أكثر من 50% من مساحة الجبل الأسود.

ورغم عدم الحصول على مصادر واضحة حول نسبة الشيعة في الجبل الأسود، إلا أن كتاب معجم المشاريع الحسينية، الصادر عام 2015 عن دائرة المعارف الحسينية، يدّعي أن نسبة الشيعة تبلغ 70% من مسلمي كل من ألبانيا وكوسوفو ومقدونيا والجبل الأسود، بل ويرى أن المصادر الغربية والعربية المعادية لأهل البيت تحاول التقليل من عدد الشيعة.

غير أن ذلك يبقى غير دقيق، بل يمكن القول إنه مبالغ فيه للغاية. وخصوصاً أن كثيراً من مصادر الشيعة أنفسهم لم يتطرقوا إلى وجود شيعة في الجبل الأسود، عدا ما تذكرهم مصادرهم الأخرى من نسب ضئيلة لا تكاد تبلغ 10% في الدول الأخرى، بل وأقل من ذلك. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال طبيعة مذاهب مسلمي تلك المنطقة الذين يخضعون في غالبيتهم للتأثير التركي، وبنسبة أقل للتأثير الوهابي السعودي.

ووفق تصريحات مفتي الجبل الأسود، عام 2016، فإن نسبة المسلمين تبلغ 30% من مجمل السكان، ونفى وجود أي مدٍّ شيعي في الدولة، بل وأكد أن كل المسلمين في الجبل الأسود هم من السنة حصراً.

وأكد المفتي أن السفير الإيراني قد زاره في مكتبه، وعرض عليه السفر إلى طهران، وكان رد المفتي: "إذا سحبتم جيوشكم، وعسكركم من سورية وقتها أزور طهران، أما أن تقتلوا إخواننا في سورية، وتطلبوا منا أن نزور طهران، فهذا ليس من المروءة، ونحن هنا في البلقان عموماً، والجبل الأسود خصوصاً لن نسمح لأي مذهب إسلامي يخالف أصول أهل السنة والجماعة أو يخالف مذهب أبي حنيفة على وجه الخصوص بأن ينتشر بيننا". (نوفمبر 2016، سبق)

غير أن تصريحات المفتي لصحيفة سعودية، قد تكون بهدف سياسي أو مالي، إذ إن إيران ناشطة في كافة دول البلقان ولها مؤسسات في البوسنة وألبانيا وكوسوفو، لذا ليس من المستعبد أن يكون لها حضور في الجبل الأسود ولكن حضور محدود للغاية، ولم يتم إنشاء مؤسسات علنية له على الأقل، ولا يخرج عن النسق العام للمنطقة، بحدود 3-10% من مجمل المسلمين فيها.

وحيث أن هناك نشاطاً محدوداً للغاية للبعثة الدبلوماسية الإيرانية سياسياً، فربما يكون نشاطها مع هذه المجموعة محدوداً كذلك.

 

د. عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري