سيناريوهات المستقبل المنظور في إيران

 

 


 خلاصة

-      تعتبر خطة العمل المشترك، فعالة نسبياً قبل الانسحاب الأمريكي، حيث أنها حدّت من مسار تطوير السلاح النووي، ولكنها تركت منافذ يمكن لإيران التلاعب بها.

-      لا يوجد دليل واضح ومؤكد على اختراق إيران للاتفاق، قبل الانسحاب الأمريكي.

-      فعالية الخطة اليوم، هي فعالية طوعية، تستمر طالما أن الشركاء الآخرون (4+1)، قادرون على إقناع إيران باستمرار الالتزام بها، وطالما أن إيران ترى في ذلك مصلحة. وهو المتوقع على المدة القصير.

-      لكن الوضع اليوم، يسمح لإيران بالانسحاب من الخطة، والعودة إلى تنشيط برنامجها النووي، لكن هذه سياسة عدم العودة، أي أنها ستواجه عقوبات دولية واسعة، وربما عمليات عسكرية.

-      هناك شكوك بأن إيران تستخدم سورية لتطوير برنامجها النووي والبالستي.

-      استقرار النظام يشهد انهيارات حادة متسارعة، وفق الأداء الاقتصادي، وخصوصاً في ظل تآكل شرعية النظام، وتوسع الاحتجاجات ضده في الحاضن الشيعي الفارسي.

-      رغم أن الاحتجاجات قائمة في بعض الأقاليم/الأطراف، إلا أنها أقل حدة من احتجاجات المركز، وهو أمر جيد على المدى القصير، حيث لن يستطيع النظام حشد الشارع الفارسي خلفه قومياً لمواجهة الأقاليم غير الفارسية، لكن من الضروري أن يتم تصعيدها لاحقاً.

-      من المتوقع أن يستمر تزعزع استقرار النظام على المدى القصير، في ظل الانهيارات الاقتصادية.

-      الاحتجاجات ومسبباتها مستمرة في إيران، وهي المسبب الداخلي في زعزعة استقرار النظام.

-      العقوبات الدولية ومسبباتها مستمرة تجاه إيران، وهي المسبب الخارجي في زعزعة استقرار النظام.

-      رغم التنافسات داخل أجهزة ومراكز قوى النظام، إلا أن النظام سيحاول على المدى القصير رص صفوفه، ولو اضطر إلى التضحية ببعض الأشخاص، لمواجهة الداخل والخارج، وليس هناك مؤشرات واضحة على أن النظام قابل للانهيار خلال الأشهر القادمة، ربما يحتاج إلى ضغوط أكبر أو فترة أطول.

-      مستوى النفوذ الإيراني في العراق وسورية يبلغ (80%)، بالتشارك مع الولايات المتحدة وروسيا، في حين بالكاد يصل إلى (30%) في اليمن ولبنان. لكن فعاليته واستقراره يختلفان حسب كل منطقة.

-      على المدى القصير، يبدو أن نفوذ إيران في العراق سورية ولبنان مستمر وفق الصيغ الحالي، أو قريب منها، في حين أن نفوذه في اليمن مرتبط بمستوى تقدم العمليات العسكرية الخليجية.

-      النفوذ الإيراني في المشرق العربي يمتد عبر شبكة واسعة من الأدوات، التخلص منها يحتاج إلى جهد طويلة وقاسية، ولكن انهيار النظام الإيراني سيسرّع من ذلك.

 

المحور الأول:

تقييم فعالية خطة العمل المشتركة على المدى القصير

تتعرض خطة العمل المشتركة لتحدٍّ خطير، من خلال تهديد النظام الإيراني بالانسحاب منها عقب انسحاب الولايات المتحدة، في حين تضغط الدول الشريكة الأخرى في الخطة (4+1)، لإقناع إيران بالوفاء بالتزاماتها، مقابل إغراءات تجارية أو سياسية تتعهد بها هذه الدول.

لذا فإن تقييم فعالية الخطة، يقوم على افتراض استمرار إيران بالالتزام بتعهداتها من جهة، وبالتالي فإن التقييم هو للمرحلة السابقة لانسحاب الولايات المتحدة، حيث تظهر الخطة أنها كانت فعالة "نسبياً"، أي أنها وضعت قيوداً على تطوير البرنامج النووي الإيراني (العسكري)، لكنها ليست قيوداً شاملة، لكنها تضمنت عدة ثغرات أخرى. ويتضح ذلك من خلال الاستعراض التالي.

أ-إطار عام:

-      بعد تبني الاتفاق، أشارت تقديرات إلى أن المدة التي تحتاجها إيران لجمع كميات كافية من اليورانيوم المخصّب أو البلوتونيوم، لتصنيع سلاح نووي، تصل إلى 12 شهراً، في حال قررت ذلك. في حين أنه في حال انسحبت إيران أو لم توقع على الاتفاق بالأساس، فإن المدة تنخفض إلى 4 أشهر.

-      بغضّ النظر عن هذه المدة، التي هي لازمة للوصول إلى عتبة السلاح النووي، لكن الخبراء يقولون إنها تحتاج لسنوات حتى تمتلك ترسانة نووية فاعلة، أي أن الاتفاقية فعالة في تأخير بناء هذه الترسانة.

-      من أبرز الإشكاليات التي أثارها ترامب، وهي ليست من صميم الاتفاقية، بل من متمِّماتها، مسألة الصواريخ البالستية، القادرة على حمل رؤوس نووية. وهنا لم تكن الاتفاقية فعالة في هذه النقطة. ولكن بما أن الاتفاقية فعالة في منع الوصول إلى السلاح النووي، فإن الربط بينهما يبقى هشاً.

-      الإشكالية الأخرى في موقف ترامب، تتعلق بآليات التفتيش، التي رأى أنها لم تكن قوية بالقدر الكافي، وهو أمر خطير للغاية، يحدّ من فعالية الخطة، وكان من الممكن تفاديه بفرض آليات جديدة ضمن الاتفاق.

-      وهنا يذكر جاي سولومون، أن الاتفاق نصّ على تمتع المفتشين بإمكانية الوصول إلى المواقع الإيرانية المشبوهة "في أي زمان وأي مكان". ومع ذلك، لم يتوصل الطرفان أبداً إلى توافق في الآراء حول هذا البند، حيث جادلت إيران بأن بعض المواقع لا تزال محظورةً وهي تمنع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" من إجراء عمليات تفتيش كاملة فيها.

-      إشكالية أخرى، تتمثّل في أنّه تم قبول المعلومات الكاذبة التي قدمتها إيران حول نشاطاتها السابقة، أثناء التفاوض، ولم يتم التحقيق فيها، على اعتبار أن الاتفاق سيكشفها، لكنه لم يفعل ذلك.

-      تشمل الطرق البديلة لصنع قنبلة نووية الحصول على اليورانيوم عالي التخصيب من دولة نووية مثل كوريا الشمالية كهبة أو عن طريق البيع. (وهذا لا يتعلق بصميم خطة العمل، بل بآليات لمجتمع الدولي بمنع انتشار السلاح النووي).

 

ب-إطار سابق/الانتقادات والتشكيك بفعالية الخطة:

رغم الإشكاليات التي أثراها ترامب، إلا أنه لا يوجد دليل واضح على انتهاك إيران لخطة العمل، حيث تخضع بالفعل معظم الأنشطة الإيرانية مع الولايات المتحدة لعقوبات لأسباب غير نووية تشمل الإرهاب وتبييض الأموال وبرنامج الصواريخ، وهذه ليست أموراً تافهة بالنسبة لطهران.

ألقى مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الحد من الأسلحة والتحقق منها والامتثال، خطاباً في 27 يوليو، يكرر فيه اعتراضات إدارة ترامب ضد خطة العمل المشتركة. وبالإضافة إلى تكرار العيوب التي قالها ترامب، وجّه مساعد الوزير عدة مزاعم إضافية ضد إيران تتناقض مع الاستنتاجات التي توصلت إليها وزارة الخارجية في وقت سابق من هذا العام. فعلى سبيل المثال، قال "إيران لم تبرهن للعالم بعد على أنها عالجت سجلّها الفاضح لعدم الامتثال للمادتين الثانية والثالثة من معاهدة حظر الانتشار النووي".

لكن تقرير وزارة الخارجية لعام 2018 بشأن الالتزام والامتثال للحد من انتشار الأسلحة، واتفاقيات نزع السلاح والالتزامات بها، خلص إلى أن "القضايا السابقة التي أدت إلى اكتشاف انتهاك كل من المادة الثانية والمادة الثالثة من معاهدة عدم الانتشار من قبل إيران، تمّ حلها اعتباراً من فترة التقرير لعام 2015، على الرغم من رفض إيران المستمر الاعتراف أو تقديم معلومات معينة حول الأبعاد العسكرية لأنشطتها النووية السابقة.

وبالتالي، ويبدو أن تصريحات مساعد الوزير تستند إلى أنشطة سابقة، وليس إلى إجراءات جديدة من جانب إيران. ولا توجد مؤشرات، سواء من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو من مجتمع الاستخبارات الأمريكي، على أن إيران تنتهك التزاماتها الخاصة باتفاق السلام الشامل أو معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (NPT) حالياً.

كما انتقد مساعد الوزير خطة العمل المشتركة، لفشلها في تغطية "برنامج الأسلحة الكيماوية" الإيراني. ولكن التقرير نفسه الصادر عام 2018 خلص إلى أنه في حين أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تصدق أن إيران قد أوفت بالتزاماتها بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، فإن الولايات المتحدة "لا تفعل ذلك. لديها معلومات كافية للتأكد مما إذا كانت المرافق الإيرانية متورطة أو محتفظة عمداً بالقدرة على إنتاج الأسلحة الكيميائية".

ورغم أن الوثائق التي سطت عليها إسرائيل من داخل إيران، تثبت وفق المزاعم الإسرائيلية أن (إيران تكذب):

-      قدرة إيران النووية السابقة هي أكبر مما كانت إيران تدعي.

-      إيران لم تلتزم بالاتفاق النووي.

إلا أنّ نتنياهو في مؤتمره العلني حول ذلك، لم يقدم دلائل ملموسة، عدا عن أن رغبة نتنياهو تكمن في التصعيد ضد إيران بغض النظر عن صدق هذه الادعاءات أو تزييفها.

وفي هذا الإطار، أتى تحذير دينيس روس، بأنه من الضروري أن تؤدي المخاوف الحقيقية بشأن قدرات إيران النووية في الفترة 2025-2030 إلى دفع الإدارة الأمريكية إلى العدول عن الانسحاب من الاتفاق. فالهدف الرئيس للولايات المتحدة هو الضغط على طهران، لكن الانسحاب من خطة العمل لن يؤدي إلّا إلى تحويل الضغط نحوها.

لكن روس، وجّه تحذيراً بالغ الأهمية، وهو أنه يتعين على الولايات المتحدة وضع استراتيجية بشأن إيران، وإقرانها باستراتيجية واضحة بشأن سورية. وقال إنه إن كانت الإدارة الأمريكية لا ترغب في اتخاذ إجراء مباشر ضد الأنشطة العسكرية الخارجية لطهران، فعليها على الأقل تزويد إسرائيل بالقدرة على استهداف أي بنية تحتية نووية مرتبطة بإيران في سورية.

وكأنه في ذلك يشير إلى أن إيران لم تخترق خطة العمل داخل الأراضي الإيراني، بل فعلت ذلك خارج إيران، وتحديداً في سورية. وهو ما يدفعنا للشك بأن كثيراً من العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تستهدف مواقع سورية، وخصوصاً في الأيام القليلة الماضية، هي استهداف لبرنامج نووي إيراني، بناء على تحذير روسي، أو على الأقل، هي استهداف مسبق لمحاولات نووية إيرانية قبل أن يتم استكمالها أو مصانع صواريخ بالستية، كما فعت إسرائيل تجاه مفاعل تموز في العراق 1981، أو مفاعل الكبر في سورية 2007.

 

ج-إطار تقني: بالعودة إلى وصف الخطة بأنها فعّالة نسبياً، يمكن تقنياً التأكد من ذلك، من خلال ما يلي ([1]):

إطار المفاعلات:

-      عندما تم التوصل إلى الاتفاق النووي، كانت إيران تشغّل 19138 جهاز طرد مركزي من طراز "IR-1" و1008 جهاز من طراز "IR-2m". ووافقت إيران بموجب الخطة خفض حصيلة "IR-1" إلى 6104 والحد من مستوى التخصيب إلى 3.67%، ووقف استخدام أجهزة الطرد من نوع "IR-2m" لأغراض نووية.

-      منذ عام 2015، تم تكليف أجهزة الطرد المركزي من نوع "IR-2m" الأكثر كفاءًة في إيران بإنتاج نظائر غير نووية، لذلك قد تكون ملوثة جداً [وغير صالحة] لأعمال تخصيب اليورانيوم حالياً. وبالتالي كانت الخطة فعالة في هذا البند.

-      كما يُعتقد أن الأجهزة القديمة "IR-1" عاجزة عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 90% بسبب قضايا دقيقة، إلى جانب أن (اليورانيوم 235) يصبح غير مستقر فيها.

-      تعمل إيران على تصاميم أكثر تقدماً (تُسمّى "IR-4"، "IR-5"، "IR-6"، "IR-8")، مع مستويات كفاءة تصل إلى 12 وحدة فصل سنوياً. ومع ذلك، عادةً ما تستغرق التصاميم الجديدة نحو عشر سنوات لتتحول إلى وحدات إنتاج، وحتى في هذه الحالة قد تكون غير عملية.

-      مواقع اختبار الأسلحة النووية: من الناحية النظرية، سوف يعمل أي تصميم جيد من دون اختبار، ويبدو أن إيران قد حدّدت خمسة مواقع محتملة مختلفة، وسيكون من دواعي الاهتمام معرفة ما إذا كانت طهران قد أقامت أي أنفاق أو بنية تحتية.

 

إطار المواد الانشطارية ([2]):

-      قبل التوقيع على الاتفاق النووي، كانت إيران تملك:

o      7154 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 3.67%، انخفضت بعد التوقيع إلى 300 كيلوغرام.

o      196 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 19.75%، انخفض بعد التوقيع إلى صفر.

-      مسار إيران نحو تحضير قنبلة بلوتونيوم (نظير مشع أكثر فعالية)، قد تمّ قطعها بواسطة خطة العمل، التي وضعت قيوداً على مفاعلها البحثي الذي يعمل بالماء الثقيل. وإذا كان إيران قد التزمت بهذه القيود، فلا يمكن عكس تعديلات المفاعل. وعليها البدء من جديد.

-      كما تم شحن 97% من الوقود النووي خارج إيران.

-      أي أن الخطة كانت فعّالة في هذا المجال أيضاً، على الأقل علناً.

 

إطار زمني

-      قبل الاتفاق النووي، كان قد بقي لإيران شهرين أو ثلاثة أشهر تقريباً للوصول إلى السلاح النووي، إلّا أنّ خطة العمل أدّت إلى تمديد هذه المدة إلى سنةً واحدة.

-      تشير القاعدة الأساسية التي توفرها المعلومات الأمريكية غير السرية إلى أن 5000 جهاز من نوع "P-1"، قد ينتج الكمية المطلوبة في غضون 6 أشهر، بينما يستغرق العدد ذاته من أجهزة "P-2" أربعة أشهر فقط.

د-الصواريخ البالستية:

بإمكان النظام أيضاً تسريع وتيرة العمل على الصواريخ البالستية التي يتخطى مداها الـ 2000 كيلومتر التي هي الحدود الحالية التي وضعتها إيران لنفسها، وهي التي لديها قدرة على حمل رؤوس نووية.

إلا أن إيران كشفت نسخة جديدة من صاروخ بالستي قصير المدى من نوع "فاتح" في 13 أغسطس، وصفه وزير الدفاع أمير حاتمي بأنه يتمتع بدقة بالغة والقدرة على التهرب من الرادار، وقال إن الصاروخ تم اختباره بنجاح وأن الإنتاج الضخم للنظام سيعزز الدفاع الوطني الإيراني. (لابد من التشكيك دوماً بالصناعة العسكرية الإيرانية)

تمكن المعضلة أن أنشطة الصواريخ البالستية الإيرانية ليست مضبوطة من قبل خطة العمل، لكن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يؤيد الاتفاقية يتضمن بنداً غير ملزم يطالب إيران بالامتناع عن اختبار الصواريخ المصممة لتكون قادرة على حمل أسلحة نووية، وفرض حظراً ملزماً ضد نقل الصواريخ البالستية دون موافقة مجلس الأمن. (وهو ما تؤكده إيران بأنها لا تملك صواريخ قادرة على ذلك، دون إمكانية التحقق من ذلك أو الثقة بها)

وعلى الرغم من أن المسؤولين الإيرانيين استبعدوا التفاوض على الصواريخ البالستية، لا سيما وأن مستقبل خطة العمل المشتركة العالمية في خطر، فإن استدامة الخطة والسعي إلى اتفاق منفصل حول قيود الصواريخ البالستية من شأنه أن يقلل بدرجة أكبر من تهديد الصواريخ الإيرانية.

وحتى إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يحد من الصواريخ البالستية الإيرانية، فإن التنفيذ الكامل للخطة يضع حواجز دائمة أمام إيران لتسلح صواريخها البالستية برؤوس حربية نووية، وتبقى القذائف التسيارية التقليدية ذات تهديد أقل بكثير.

لكن إيران تمتلك صاروخ "شهاب-3"، وقد صُمّم هذا الصاروخ في كوريا الشمالية حيث يُعرف باسم "نودونغ". وتستخدم باكستان الصاروخ نفسه باسم "غوري". وكل نسخة منه، الكورية الشمالية والباكستانية، قادرة على حمل أسلحة نووية. لذا ربما يكن الصاروخ الإيراني قادراً على حمل أسلحة نووية، ولكن قيود ذلك:

-      عدم امتلاك أسلحة نووية، إلا إن كانت اشترت أسلحة جاهزة سراً.

-      لا يُعلم كمية صواريخ شهاب 3، الجاهزة، التي تمتلكها إيران، لكنها غالباً محدودة للغاية، في المقابل مهما كانت محدودة، فإنها قادرة على إحداث تدمير هائل لدى خصومها، وإن كانت ستواجه تدميراً مقابلاً.

 

ه-إطار مستقبلي:

تذهب بعض الآراء، إلى أنه في حال استطاعت إيران تدبير أمورها رغم العقوبات، فقد تواصل الالتزام بقيود خطة العمل، وفصل محاولاتها المتواضعة المتعلقة بالمقاومة النووية عن أنشطتها غير النووية والإقليمية.

أما في حال كان أثر العقوبات الأمريكية كبيراً، فقد لا تنسحب إيران من الخطة؛ لتفادي تجدد العقوبات الدولية عليها، على أن تقاوم في الوقت نفسه في مجالات أخرى.

وأنه وفي أسوأ الحالات، قد ترد إيران على كافة الجبهات دفعةً واحدة، رغم أن هذا السيناريو يبدو مستبعداً في الوقت الحالي. وبالتالي، أمام طهران مجموعة واسعة من خيارات التعامل التي يمكنها موازنتها وفقاً للظروف.

أخطر السياسات التي قد تنتهجها إيران، هي ما يعرف بسياسة حافة الهاوية النووية، حيث أشارت إيران إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من الخطة، قد يدفع بها إلى زيادة جمع مكونات أجهزة الطرد المركزي واستئناف إنتاج مخزون (سادس فلوريد اليورانيوم لغرض التخصيب)، وهي أنشطة لا تنتهك الخطة، ولكنها تثير المخاوف من احتمال إقدام إيران على ذلك في نهاية المطاف.

واختراق الخطة يمكن أن يكون من خلال: (هنا لابد من التنبيه أن ذلك يحتاج أموالاً طائلة للغاية)

-      تجاوز نسبة التخصيب 3.67%.

-      تجاوز مخزون 300 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب.

-      بناء أجهزة طرد بكميات كبيرة، أو مفاعلات سرية جديدة، أو تجارب تحت الأرض.

-      تعليق تنفيذ البرتوكول الإضافي، ووقف التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي حال قامت إيران بانتهاك الخطة، فإنها قد تشترط عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق، حتى تلتزم بالتعهدات المفروضة عليها.

حيث توازن إيران في المدى المنظور بين نموذجين:

-      النموذج الياباني: من خلال الوصول إلى حدود عتبة السلاح النووي، ولكن عدم تصنيعه، بحيث يمكن تحويل الطاقة السلمية إلى عسكرية في حال احتاجت ذلك. لكن هذا النموذج يتطلب سياسة خارجية سلمية للغاية، وعلاقات دولية طبيعية، وتاريخاً من الثقة الدولية، لا يتوفر لإيران. حتى لو اختارت إيران هذا النموذج بشكل حقيقي، فإن البيئة الإقليمية والدولية لن تثق بسلوكها.

-      النموذج الكوري الشمالي: الوصول إلى السلاح النووي، ثم التفاوض مع الولايات المتحدة، وهو النموذج الذي يتطلع إليه صقور النظام الإيراني (المتشددون).

ويبدو أن إيران، خلال الأسابيع المقبلة، ومن باب الضغط المقابل للضغط الأمريكي، فإنها تحاول الظهور بمظهر المتمرد والمتحدي للولايات المتحدة، واتخاذ سبيل النموذج الثاني، وخصوصاً مع انتقاد خامنئي للاتفاق النووي، وإشادته بالنموذج الكوري الشمالي في المقاومة، في وقت سابق من هذا العالم.

أي أن خلاصة ذلك، تذهب بنا إلى القول إن فعالية خطة العمل حتى الآن هي فعالية طوعية، ليست فعالية إلزامية، وإيران قادرة على اختراقها متى اختار قادتها هذا الطريق، ما يعني أن الاتفاق لم يعد فعالاً في المراقبة النووي، وفي مجال الصواريخ البالستية، بعد انسحاب الولايات المتحدة، إلا بقدر ما تستطيع الأطراف الأخرى (4+1) فعله، لكن قدرتها تبقى محدودة دون وجود الولايات المتحدة، وفي ظل العقوبات الأمريكية المتصاعدة.

وما يؤكد ذلك، إيعاز خامنئي إلى "منظمة الطاقة الذرية الإيرانية" بالبدء باستعدادات فورية لإنشاء 190 ألف وحدة عمل منفصلة، ورغم تأكيده على أن هذه الخطوة لا تزال ضمن القيود المفروضة بموجب خطة العمل، إلا أن هذا العدد يكاد يكون أكبر 40 مرة من قدرة إيران الحالية على التخصيب.

وفي ذلك يأتي أيضاً إعلان علي أكبر صالحي، عن بناء مصنع لإنتاج أجزاء الدوران اللازمة لتشغيل ما يصل إلى 60 وحدة طرد مركزي يومياً. غير أن إعلان صالحي، على الرغم من أنه لا يخدم التطورات الحالية، إلا أنه غير مفاجئ. ويبقى الأحدث في سلسلة من التصريحات الإيرانية التي يُرجّح أن تُذكّر المجتمع الدولي بأن طهران يمكن أن تزيد من أنشطتها النووية بشكل ملحوظ إن انهارت خطة العمل أو لم تعد إيران ترى فائدة استمرار الامتثال.

رغم أن صالحي أكد أن المصنع الجديد، لا يمثل انتهاكاً لشروط الاتفاق، وقال إن إيران استوردت 500 طن من اليورانيوم قبل الخطة، وحصلت على 400 طن بعد توقيع الخطة، دون أن يحدد مصدرها.

من ذلك أيضاً، إعلان إيران في يوليو 2018، مضاعفة ذخائر اليورانيوم لديها إلى نحو 950 طن، والبدء بإنتاج أجهزة طرد مركزي في منشأة ناتانز النووي.

 

 

للمزيد حول ذلك: انظر:

 

(1) _____، "التفاصيل التقنية لخطة العمل الشاملة المشتركة والقدرات النووية الإيرانية الحالية"، المركز الديموقراطي العربي، 11/5/2018:

https://democraticac.de/?p=53983

 

(2) _____، تقريرا رابطة الحد من الأسلحة Arm Control Associated، لشهري يوليو وأغسطس 2018:

https://www.armscontrol.org/

 

(3) جيمس جيفري، "خطة العمل الشاملة المشتركة، ترزح تحت وطأة الضغوط (الجزء الأول): قرارات ترامب الخمسة"، معهد واشنطن، 6/11/2017:

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/jcpoa-under-the-gun-next-steps-for-the-trump-administration

 

(4) مايكل أزنشتات، "إيران بعد الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (الجزء الثاني): رسم معالم رد طهران"، معهد واشنطن، 17/7/2018:

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/iran-after-the-jcpoa-withdrawal-part-2-shaping-tehrans-response

 

 

المحور الثاني: تقييم استقرار النظام على المدى القصير

صنّفت مؤسسة Fund for Peace استقرار النظام الإيراني مطلع عام 2018، عند مستوى (دولة ذات تحذير عالي جداً)، حيث تحسن موقعها من أعلى مستوى وصلت إليه (مستوى الإنذار) عام 2010. إلا أنها تقع في الثلث/الربع الأدنى بين الدول، لناحية الأقل استقراراً رغم هذا التحسن.

شكل رقم (1)


غير أن هذا المستوى سابق للمتغيرات الأخيرة، وتحديداً انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وارتفاع حدة الاحتجاجات في الداخل الإيراني، مع موجات عقوبات أمريكية تتسع تدريجياً، لتشكل عامل ضغط على استقرار النظام والحكومة معاً.

وحيث لا يمكن الفصل بين النظام والحكومة بشكل واضح، نتيجة طبيعة النظام السياسي بأسره في إيران، فإن كليهما يبقى تحت ذات الضغط، إلا أن الحكومة تبقى في حال تهديد أكثر منها من عموم النظام، حيث يمكن التضحية بها.

ولتحديد أثر المتغيرات الأخيرة في مستوى الاستقرار على المدى القصير، لابد من مراعاة ما يلي:

-      شرعية النظام: من خلال ملاحظة تفشي الاحتجاجات وطبيعتها.

-      أداء الحكومة الاقتصادي: من خلال قياس المتغيرات الاقتصادية كمياً.

-      انعكاس توجهات الشارع على الاستقرار: من خلال تحديد المسار المستقبلي المنظور لأداء المؤشرات.

بداية، تتحدد شرعية النظام، بمدى اتساقه مع تطلعات الشارع الإيراني، وحيث أن النظام اعتمد طيلة العقود الماضية على الشرعية الدينية، التي أقنع الشارع بأنها تطلعاته، فإن الإنهاك المعاشي الأخير، ألحق انتكاسات حادة بالشرعية الدينية، وصارت شرعية الأداء هي العامل الضاغط بحدة على النظام والشارع معاً.

وحيث أنه طالما اندلعت مظاهرات مناطقية (غير فارسية) سواء لأسباب قومية أو مطلبية، فإن الاحتجاجات السائدة في إيران منذ مطلع عام 2018، هي احتجاجات تتمتع بالسمات التالية:

-      تنخفض فيها مشاركة مناطق الأطراف، وتنخفض حدة مطالبهم كذلك.

-      تتسع المظاهرات في المركز الفارسي (الحاضن الديني والقومي للنظام)، كما في الخريطة المرفقة.

-      مظاهرات مطلبية عالية الحدة، ترافقت مع شعارات سياسية، لكنها ليست تظاهرات سياسية أيديولوجية، وإن طالبت بإسقاط النظام كرد فعل على حجم الإنهاك الذي يطال المواطن.

-      أي أن شرعية النظام الدينية تم تجاوزها، ولم تشكل رادعاً أمام الجموع الفقيرة، في حين يتم تآكل شرعية الأداء، وكلتاهما تدفعان إلى مزيد من تراجع قدرة النظام على ضبط الشارع، وعلى توفير حواضن تقبل به. هذه تمهد لانتكاسة حادة (تراكمية) في مستوى الاستقرار الضعيف أساساً.

شكل رقم (2)


على أن هذه التظاهرات تعود لشهر سابق، وقد اشتدت حدتها وخطابها، وتحديداً في المركز الفارسي (يزد، طهران، قم، أصفهان، شيراز).

غير أن الاحتجاجات المطلبية، يبقى ضبطها سهلاً، في حال معالجة مسبباتها، غير أن الإشكال يقع هنا، حيث أن مسبباتها مرتبطة بعوامل داخلية (سوء إدارة، فساد، تهالك البنى التحتية، الافتقار للموارد المالية)، وعوامل خارجية (تدخلات إقليمية إيرانية، ضغوط وعقوبات دولية). وهو ما جعل الشارع يحتج على المحورين معاً، وفي حال رغبة الحكومة معالجة المسببات، فإن القسم المرتبط بالعقوبات الدولية لا يمكن تجاوزه قريباً، والذي بات أكبر الإشكاليات، بل والمتسبب في مزيد من الإشكاليات الأخرى.

وفي حال تجاوزه قريبا (احتمال ضعيف)، فإن ارتداداته الإيجابية على الحكومة ومن ثم على الوضع المعاشي لعموم المجتمع، يحتاج إلى فترة أطول من المدى المنظور. أي أن أداء الحكومة في المؤشرات الاقتصادية التي تسببت في تحرك الشارع، يوحي بأنه مستمر في التراجع، ضاغطاً باتجاه مزيد من زعزعة استقرار الحكومة والنظام.

وقد تم الاستعانة بـ 17 مؤشراً اقتصادياً، وفق الأداء الحالي والمستقبلي (لعام قادم)، صادرة عن منظمة Trading Economic، لنخلص إلى هذه النتيجة:

شكل (3)


حيث تظهر عملية دمج هذه المؤشرات معاً، إلى أن أداء النظام/استقراره الذي يشهد تراجعاً بشكل عام، ستكون حدة تراجعه عالية منذ مطلع سبتمبر حتى نهاية العام الحالي، ليشهد تحسناً طفيفاً طيلة الأشهر الثلاثة الأولى من العام القادم، لكنه لا يصل إلى مستوى سبتمبر الحالي، ليعاود الانحدار من جديد.

تقوم هذه النتيجة على فرضية عدم بروز متغيرات جديدة داخلية أو خارجية، ومنها: عدم فرض عقوبات جديدة، أو نزاعات مسلحة جديدة، أو احتجاجات محلية واسعة، أو انهيارات داخل النظام.

وفي حال طرأ أي من ذلك، فإن مستوى الأداء (مقياس الاستقرار) سيشهد تراجعاً بحدة أشد من هذه الحدة. وهذه المؤشرات هي كما يلي:

-      استمرار مستويات الفساد على ما هي عليه، ما يعني أن الحكومة غير قادرة/غير جادة في مكافحة الفساد.

-      ارتفاع مستويات التضخم على عدة مستويات: المستوى العام، أسعار النقل، أسعار السكن، تكاليف الإنتاج، وانخفاضه في أسعار الغذاء فقط. وهو ما يعني استمرار وتصاعد الاحتجاجات التي تزعزع النظام.

-      ترتفع النفقات الاستهلاكية كنتيجة طبيعية لذلك، وتقود إلى ذات النتيجة.

-      في حين يرتفع عجز الموازنة بالنسبة إلى الناتج المحلي، وبالتالي يزداد دين الحكومة، في حين ينخفض الفائض التجاري بشكل حاد، كما يتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، وفقدان الحكومة للتمويل الضروري، وبالتالي النتيجة ذاتها تتكرر.

-      في حين يتراجع نمو الناتج المحلي، ليقارب الصفر، وهو ما قد يتسبب بانهيار الاستقرار على عدة مستويات.

-      وفي حين تنخفض نفقات الحكومة، إلا أن موازنتها العسكرية تشهد ارتفاعاً على حساب النفقات الأخرى، كما ترتفع مشترياتها من السلاح، ذلك سيشجع بطبيعة الحال على مزيد من التظاهر.

شكل رقم (4)


 

شكل رقم (5)


 

شكل رقم (6)

 


هذا عدا عن الانهيار الحاد لقيمة العملة الإيرانية، التي قاربت 150 ألف ريال إيراني في مقابل كل دولار أمريكي، وذلك يعني تآكل القدرة الشرائية للمواطنين إلى حد خطير للغاية (التهديد بفقدان القدرة على توفير الحاجات اليومية والأساسية)، كما يقود كذلك إلى استنزاف مدخراتهم. في تكرار لنماذج عدة سابقة، سواء النموذج الأرجنتيني الذي يوحي بانهيارات اقتصادية كبرى والذي يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والموارد لإصلاح ما تم تخريبه (وهو ليس تحت ضغط عقوبات دولية). أو النموذج الفنزويلي (الشبيه جداً بالنموذج الإيراني) الذي أدى إلى موجات نزوح اقتصادي بعشرات الآلاف، ولم يعد بالإمكان تجاوز ذلك إلى بإجراءات قاسية تطال النظام نفسه.

هذا الانهيار الحاد، الذي يطال المجتمع مباشرة، لن يترك مجالاً أمام السلطات لاستيعاب موجات الفقر الجديدة، والتي لن تقبل بمجرد توفير بعض المنح الغذائية، وهي تعلم أن قدرات بلادها يتم تسخيرها لتدخلات عسكرية خارجية ولبرنامج نووي، يبدو أنه غير ذي جدوى فعلية.

لذا فإن استمرار تدهور قيمة الريال، وما ينبني عليه في المدى القصير، من احتجاجات تتسع أكثر فأكثر، تضغط بشدة على مستوى استقرار النظام، وتجعله أمام خيارات: مواجهة الشعب، مواجهات داخل النظام، الخضوع للولايات المتحدة وقبول شروطها، أو أنه سيواجه خيارات قاسية تدفع بالبلاد والنظام إلى مزيد من التدهور.

شكل رقم (7)


 

المحور الثالث: مستقبل العلاقة بين مراكز القوى داخل النظام (على المدى المنظور)

لا يمكن الحديث عن صراعات علنية قائمة داخل بنية النظام، فهو أشبه ببنى متكاملة تشتغل وفق أيديولوجية واحدة، ووفق أهداف واضحة. لكن هناك تنافسات بين مراكز القوى الثلاثة على آليات تحقيق هذه الأهداف والأيديولوجية، والمصالح الفردية والحزبية، بين صقور وحمائم (إن جاز التعبير)، وهو ما يتم التعبير عنه بالإصلاحيين والمعتدلين في مقابل المحافظين والمتشددين.

هذان الطرفان يتمثلان في ثلاث مراكز ثقل أساسية (المرشد ومؤسساته، الحرس الثوري ومؤسساته، الرئيس وحكومته)، غير أن الوضع الحالي يختلف قليلاً عن الصورة النظرية التي كانت إيران عليها، لناحية هرمية المرشد، حيث بات خامنئي بمثابة مركز التوازن بين القوى والمؤسسات العليا في إيران وليس قائدها المطلق، في حين أن الحرس الثوري هي من يسيطر على الغالبية العظمى من السياسات والمؤسسات والتدخلات الخارجية.

هذه السيطرة تخلق منافسة تحتد مع مؤسسات الرئاسة (الرئيس والحكومة)، والجهات التي ترى أنها فقدت مصالحها، وتتعرض لضغط من الحرس الثوري للالتزام بخطه، بل يدفع الحرس الثوري أحياناً ببعض القوى المتشددة لمهاجمة روحاني، أو العكس، بهدف ضبط العلاقة بينهما. في حين يبقى خامنئي أقرب إلى الحرس الثوري منه إلى روحاني والحكومة، والتي تبقى ملتزمة بتوجيهاته، أي أن الخلاف يبقى شكلياً ودعائياً.

وقد ظهرت بعض ملامح هذا التوتر، من خلال تصريحات سابقة، حيث دعا المرشد رئيس الجمهورية والحكومة (29 أغسطس)، إلى التوقف عن التعويل على الأوروبيين لإنقاذ الاتفاق النووي، مؤكداً أن أي مفاوضات مع واشنطن مستحيلة حالياً. كما قال المرشد إن الحكومة تجاهلت تحذيراته مراراً وتكراراً بشأن عدم موثوقية واشنطن وعدائها الراسخ تجاه الجمهورية الإسلامية (رغم أن الحكومة أخذت موافقته إبان التوقيع على الاتفاق).

ويحاول خامنئي أن يُظهِر الأخطاء الاستراتيجية المفترضة لروحاني وعجزه الدبلوماسي، زاعماً أن إصرار الرئيس الملّح على التوصل إلى اتفاق بأي ثمن كان قد دفع البلاد إلى الفشل، وأدى إلى معاناة الشعب الحالية، و"عَبَرَ الخطوط الحمراء المحددة". وتنذر العبارة الأخيرة بالسوء بصفة خاصة؛ لأنها تمنح المتشددين أساساً الضوء الأخضر لتكثيف ضغوطهم على روحاني وإعاقة قدرته على متابعة أجندته الخاصة.

فيما سبق وأن قدّم روحاني، في فبراير الماضي، تحذيراً لخامنئي من أن يلقى مصير الشاه في حال عدم سماع صوت الشعب (محاولة لتعزيز موقعه الداخلي)، وسبق ذلك انتقاد من خامنئي لروحاني ونجاد بأنهما ليس لديهما الحق في تولي دور المعارضة والمنافسين (لتقويض موقعهما الداخلي).

هذه الصورة غير المستقرة داخل بنى النظام، غالباً سيتم تأجيلها قليلاً، في ظل الضغوط الأمريكية الحادة، حيث سيحاول النظام الإيراني (في الأشهر القليلة القادمة)، رص صفوفه الداخلية، ليظهر بشكل متماسك، حتى يستطيع مواجهة الاهتزازات المحلية والمخاطر الخارجية.

ويبدو أن ذلك يظهر من خلال تصريحات أخرى تؤكد هذا المنهج:

-      أعرب روحاني عن شكره للدعم الذي قدمه خامنئي للحكومة، وأكد عزمه على تنفيذ توجيهاته. (15 يوليو)

-      توافق بين خامنئي وروحاني ومحمد علي جعفري قائد الحرس الثوري بإغلاق مضيق هرمز. (21 يوليو)

غير أن المتغيرات القائمة تصب في صالح المتشددين، وبالتالي تدفع إلى تقوية جناحين داخل الحرس الثوري:

-      الجناح المحافظ التقليدي (المتشدد للغاية)، بهدف الانفكاك عن الاتفاق النووي وتصعيد الموقف.

-      الجناح الراديكالي (الانقلابي)، وهو ما زال غير واضح المعالم بعد، لكن أي تأزم في بنية النظام، سيشجع على ظهوره بشكل أوسع.

روحاني يحاول هو الآخر أن يصعد من موقفه، ليكون قريباً من المتشددين، مع الحفاظ على علاقاته الأوروبية. في حين يميل خامنئي إلى موقف: "المقاومة العنيدة" باعتبارها السبيل الوحيد للنجاة من الضغوط الأجنبية وترسيخ الثورة، وهذا رمز لترسيخ سلطته ضد المنافسين المحليين. وبرأيه، يجب على التجارب الأخيرة أن تعلّم الإيرانيين المتشكّكين أن أي أمل في البحث عن بديل لنهج المقاومة هو بمثابة "سذاجة" أو حتى "تعاون غادر مع العدو".

أي أن قوى النظام، تحاول أن تتبادل المواقف، بهدف إيجاد ضغط مقابل للضغط الأمريكي من جهة، وإثبات تماسك النظام في مواجهة الشارع من جهة ثانية.

لكن بالمحصلة، أية ضغوط إضافية، قد تؤدي إلى التضحية بشخصيات داخل الحكومة، حتى روحاني قابل للتضحية به. في حين أن محاولة تحميل روحاني وحده المسؤولية لن تقنع الكثير في الشارع، فالاحتجاجات تستهدف روحاني وخامنئي معاً (تستهدف سياسات وأشخاص النظام وليس النظام، ولم تبلغ الوعي الثوري بعد).

ويرى باتريك كلاوسون، أن الحرس الثوري سيكون المستفيد المحتمل، مما قد يقود إيران نحو توجه أكثر عسكرياً وعلمانياً، على غرار النماذج القديمة التي وضعتها سورية البعثية، والعراق البعثي، ومصر الناصرية. وبذلك يمكنها أن تنتقل من نظام سياسي أيديولوجي إلى نظام عسكري فاسد يدّعي التمسّك بالتزاماته الثورية، ويقوم بممارسة الاعتداءات في الخارج لتبرير وجوده.

غير أننا نرى أن الوصول إلى سيناريو كلاوسون، لن يتم في ظل بقاء خامنئي على قيد الحياة، وطالما أن النظام الحالي (والذي هو بيد الحرس الثوري) قابل للاستمرار، على المدى المنظور على الأقل، فإن النظام سيعمل على صيغة تماسك داخلية خلال الأشهر القادمة.

 

المحور الرابع: تقييم مستوى النفوذ الإيراني في المنطقة على المدى المنظور

يمتد النفوذ الإيراني عبر شبكة من الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية والاجتماعية والدينية والثقافية، بحيث لا يمكن الفصل بين أجزاء هذا النفوذ، عدا عن أن قسماً منه بات يتماهى مع المجتمع المحلي، أو فرض نفسه على المجتمعات المحلية، ليبدو للمتابعين وكأنه جزء أصيل منها (أشبه بمرض السرطان).

وبالتالي فإن إنهاء شكل من أشكال النفوذ، لا يقضي على كامل النفوذ، بل يدفع إيران إلى التغلغل بأشكال أخرى متاحة لها.

وتتنوع مستويات النفوذ، وفي حال اعتماد النفوذ السياسي مؤشراً، من ناحية المستوى، وليس لناحية حجم هذا النفوذ وفعاليته، وقدرته على مواجهة نفوذ القوى الأخرى، أي في حال قياس النفوذ الإيراني بشكل منعزل، يكون لدينا 8 مستويات من النفوذ، أدناها الدعم الناعم للحكومة، وأعلاها الاحتلال المباشر الكامل للدولة، وفق النتائج التالية:

شكل رقم (8)


ووفق ذلك، يمكن أن نحدد النتائج الأولية التالية:

-      مستوى النفوذ الإيراني في العراق وسورية، يقع بين المرحلتين السادسة والسابعة (6.5)، أو ما يعادل 80% من النفوذ، غير أن الولايات المتحدة تشاطر إيران جزء من هذا النفوذ في العراق وبفعالية متوسطة إلى متدنية، فيما تشاطر روسيا إيران في كثير من هذا النفوذ وبفعالية عالية.

-      مستوى النفوذ الإيراني في لبنان واليمن يقع في المرحلة الثالثة (3)، أو ما يعادل (37%) من النفوذ، غير أن فعاليته في لبنان أعلى منها في اليمن، وأكثر رسوخاً ووظيفية.

صورة رقم (9)


على أن هذه الخارطة تعود لمطلع عام 2018، حيث فقدت المعارضة السورية مناطقها في محيط دمشق والجنوب (لصالح إيران وحلفائها)، في حين فقد الأكراد بعض مناطقهم في عفرين (لصالح تحالف تركيا)، كما فقدت داعش غالبية مناطقها لصالح إيران وحلفائها في العراق وجنوب سورية، ولصالح الأمريكيين في شرق سورية، في حين لم يفقد الإيرانيون حتى الآن أياً من مناطق نفوذهم.

وعلى المدى المنظور (عام على الأقل)، لا يبدو أن هناك تغييراً سيقع في مستويات النفوذ هذه، باستثناء اليمن، التي يتحدد مستوى النفوذ الإيراني فيها، وفق مسار المعارك الجارية حالياً، حيث يبقى اليمن الأضعف نفوذاً بين هذه النماذج.

هناك شكل من النفوذ، غير واضح التأثير بشكل مباشر، يمتد لنخب سنية وعلمانية وأقلوية، تنحاز إلى المشروع الإيراني في المنطقة، نتيجة عدائها الأيديولوجي للثقافات المحلية، وللأغلبيات السكانية.

أ-النفوذ الإيراني في العراق:

تتنوع أشكال النفوذ الإيراني في العراق، وهو نفوذ أعمق من النفوذ في سورية، لكنه لم ينشأ بشكل فعّال إلى بعد عام 2003، في حين يعود في سورية إلى عام 1970. وأبرز أشكال النفوذ الإيراني في العراق:

-      دعمت حلفاءها ووكلاءها للهيمنة على المناصب السياسية العليا، وعلى رأسهم حالياً نوري المالكي، وهادي العامري، وقيس الخزعلي، إلى جانب العشرات من الشخصيات ذات النفوذ السياسي القوي.

-      إنشاء عدة أحزاب سياسية تهيمن على العمل السياسي.

-      دعم الجماعات المسلحة الجديدة والقديمة وتمويلها، بدرجات متفاوتة، تم تدريبهم من قبل الحرس الثوري، بل وتم ملاحظة تكرار زيارات قاسم سليماني إلى العراق، وضباط إيرانيين، لتنسيق الهيمنة الإيرانية. كما تدريب بعضها في لبنان على يد حزب الله. وأبرزها:

o      منظمة بدر.

o      الحشد الشعبي (يضم 60 ميليشيا شيعية)، ويتراوح عددهم بين 60-140 ألف مقاتل، كثير منهم قد تعهد بالولاء لخامنئي مباشرة.

o      سرايا الخرساني.

o      كتائب حزب الله العراقي.

o      جيش المهدي.

o      عصائب أهل الحق.

-      فرض عناصر ذات ولاء إيراني أو ولاء ميليشياوي داخل الجيش العراقي وقوات الشرطة.

-      دعم وكلاءها للسيطرة على المفاصل الاقتصادية سواء من خلال السيطرة على الشركات الكبرى، أو من خلال بناء منظومة فساد تستنزف العراق، أو من خلال المساهمة في نهب ثورات العراق النفطية.

-      الهيمنة الأيديولوجية، حيث تبقى سيطرة إيران على الشارع الشيعي أكبر من سيطرة المرجعيات الأخرى، بل تمتد هيمنتها (بدرجات متفاوتة) إلى المرجعيات الشيعية العراقية. فإلى جانب الضغوطات المستمرة لضبط توجهات السيستاني، تفرض قيادات دينية موالية لها على الشارع الشيعي العراقي.

-      التهديد/التصفية/التضييق/الطرد للقوى الشيعية العربية التي ناهضت المشروع الإيراني.

-      نفوذ داخل إقليم كردستان العراق، وتزويده بأسلحة خفيفة.

-      الدفع إلى تصفيات متكررة داخل القوى السنية، واستمرار التهديد لقيادات السنة.

-      الهيمنة على المعابر الحدودية مع إيران وسورية والسعودية والكويت والأردن.

عدا أنه لا يمكن الوثوق بمن يطلق عليهم المعسكر الشيعي المناهض لإيران، أو المعسكر الشيعي العربي، والذي يمثله الصدر والعبادي، وأحياناً يتم إضافة الحكيم إليهم، إذ إن لكل منهم تاريخ سابق بالارتباط بإيران، والتنسيق معها، بل عن بعضهم وصل إلى منصبه السياسي أو الديني أو الاجتماعي نتيجة الدعم الإيراني عقب احتلال العراق.

على أن النفوذ العراقي بدأ يشهد تحدياً/تهديداً من الحاضنة الشيعية العراقية، التي شكلت داعماً له طيلة السنوات الماضية، نتيجة إخفاق وكلاء إيران في إدارة العراق وتوفير الخدمات الأساسية، والذي كان هو هدف إيران بالحفاظ على العراق دولة هشة، ولكن غير منهارة، لذا فإن مسار الاحتجاجات قد يقلّص نسبياً من هذا النفوذ، عدا عن دور الضغوط الخارجية.

إلا أن العراق يبقى ركيزة التمدد الإيراني شرق الأوسطي، ولن تسمح إيران بأن تخسر العراق، بأي شكل، إلا في حال لم يبق لها خيارات أخرى. ففقدان العراق يعني انهيار غالبية مشروعها في المنطقة، وفقدان التواصل البري مع سورية ولبنان، وتحريض كل المناهضين لها على التكتل مع العراق في مواجهتها، لذا قد تستميت إيران في الدفاع عن نفوذها العراق على المدى المنظور على الأقل.

كما أن المتغيرات الداخلية في إيران، لن تقود إلى تقويض هذا النفوذ، طالما أن النظام الإيراني استمر قائماً، إلا أن ذلك يحمّله أعباء إضافية، في حين أن انهيار النظام الإيراني يقود إلى تحرير العراق نسبياً من هذا النفوذ، وبشكل متصاعد بحدة.

 

ب-النفوذ الإيراني في سورية:

يتنوع أشكال هذا النفوذ سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، حيث يتم الإشارة إلى دمشق بأنها باتت ثالث مرجعية شيعية في العالم بعد قم والنجف، في حين تمتد المصانع والقواعد العسكرية الإيرانية في عدة مناطق من سورية (هدف للطيران الإسرائيلي)، ويبرز اتجاه جديد بأن سورية باتت ملاذاً للصناعة النووية الإيرانية.

أما اقتصادياً، فقد وقعت الحكومة الإيرانية على عدة اتفاقيات مع دمشق لاستعادة شبكة الكهرباء والبنية التحتية في سورية، حيث يبحث الحرس الثوري بالفعل عن مكافآت مالية لدعمه لنظام بشار الأسد المحاصر.

-      منذ الاستيلاء على مدينة حلب السورية الشمالية في ديسمبر 2016، منح النظام السوري، للحرس الثوري عقود الشركات المربحة على أساس عدم تقديم العطاءات.

-      كما شملت العقود، مجال الشبكة الكهربائية:

o      ترميم محطة الكهرباء الرئيسة في دمشق.

o      ترميم محطات توليد الطاقة الكهربائية في حمص ودير الزور.

o      إعادة بناء محطة في دير الزور

o      استيراد 540 ميجاوات من إيران لمحافظة اللاذقية.

-      شملت العقود أيضاً، منح عقد رئيس لبناء شبكة الهاتف المحمول.

-      فيما تجاوزت التجارة الثنائية بينهما منتصف عام 2017، مليار دولار سنوياً، وكانت نصف مليار عام 2010. 95% منها صادرات إيرانية، أي أن الميزان التجاري يكاد يكون نهباً إيرانياً للعملة الأجنبية في سورية.

-      قروض بمليارات الدولارات.

-      شراء العقارات في الأحياء ذات الأغلبية الشيعية في دمشق، أو الاستيلاء على التي تم تهجير سكانها.

-      تطوير العلاقات المصرفية وربطها.

لكن يبقى النفوذ العسكري الأكثر تعبيراً عن حجم النفوذ الإيراني في سورية في كافة المستويات، حيث تتباين التقديرات لهذا الوجود بين 30-70 ألف عنصر إيراني وميليشيات شيعية أجنبية، عدا عن العناصر السورية ذات الولاء الإيراني. وهي تسيطر على المعابر السورية مع العراق والأردن ولبنان، إلى جانب وجود استخباراتي واسع لا يمكن تحديد حجمه.

في حين رصدت دراسة لمعهد دراسات الأمن الوطني، التابع لجامعة تل أبيب، في يوليو 2018، أشكال الحضور العسكري الإيراني في سورية، في خمس مستويات:

-      فيلق القدس: وهو موجود بشكل مباشر، من خلال 2000-5000 إيراني (قادة ومستشارون) داخل قوات النظام (الجيش السوري)، ومستشارون وحرس داخل القصر الجمهوري.

-      قوات الدفاع الوطني السورية: وهي ميليشيات سورية بقيادة وتدريب وتمويل وتسليح إيراني (تشبه الحشد الشعبي وحزب الله اللبناني). وتضم قرابة 90 ألف متطوع سوري، ولاء غالبيتهم لإيران.

-      قوات الدفاع المحلية: وهي وحدات شرطة وأمن وإدارة مدن، على شكل ميليشيات محلية، تضم 50 ألف عنصر، يديرها أشخاص موالون للنظام، ويوجد عناصر إيرانيون ومن حزب الله في قيادتها.

-      الميليشيات الشيعية: 10-15 آلاف عنصر، وأهمها: ميليشيات فاطميون الأفغانية، وميليشيات زينبيون الباكستانية، ويتم الاعتماد عليهم كقوة هجومية ضاربة. ويهاجر عناصر هذه الميليشيات مع عائلاتهم للاستقرار الدائم وحصلوا على الجنسية السورية، واستوطنوا في المناطق السنية التي تم تهجير سكانها. (ذهبت بعض المصادر إلى أنه قد تم تجنيس أكثر من 50 ألف حتى منتصف عام 2017، وتثبيت سجلاتهم المدنية في محافظة السويداء، بكنى درزية).

-      قوات التدخل السريع الشيعية: قوات عراقية ولبنانية (وحدات حزب الرضوان التابعة لحزب الله، عصائب أهل الحق، حزب الله العراقي، حركة النجباء، لواء ذو الفقار، لواء أبو الفضل العباس، القوة الجعفرية، آخرون). ويبلغ عددها 3000 عنصر، وتعود إلى وطنها ليتم استبدالها بمجرد انتهاء المهمات.

-      حزب الله اللبناني: ويعمل كدرع لدمشق ولبنان، ويعمل منذ 2012، بعدد يتراوح 4000-9000 جندي حسب سير المعارك (يرتفع وينخفض)، تحت التوجيه الإيراني، وشارك في كثير من المعارك، وخصوصاً على حدود لبنان، وساهم في طرد السكان السنة منها، وتم دمج عناصر الحزب ظاهرياً بالجيش السوري، حيث يرتدون زيه وشعاراته. (هناك تسريبات شخصية بأن عناصر الحزب يحملون بطاقات هوية أمنية سورية منذ مايو 2011).

-      مرتزقة لبنانيون وعراقيون: بتمويل إيراني، وليسوا أعضاء في الميليشيات، ويعودون بمجرد انتهاء مهماتهم.

ووفق المركز الإسرائيلي، فإن إيران تخفي سيطرتها في سورية، من خلال العمل والتأثير من خلف الكواليس، بينما تعمل على دمج القوات التي تخضع لقيادتها في ميليشيات سورية، وفي الإطار الحكومي العسكري. لذلك من الصعب تحديد عدد القوات الإيرانية بالوكالة في سورية.

ووفقاً للعديد من التقارير الإعلامية السورية، وخاصة على مواقع المعارضة ووسائل الإعلام الاجتماعية، تشارك القوات الإيرانية وحزب الله والميليشيات الشيعية في القتال الدائر في جنوب سورية، وهم يرتدون الزي العسكري السوري. ومن المؤكد أن روسيا تدرك أن الميليشيات الشيعية الموالية لإيران لم تنسحب قط من جنوب سورية، بل إنها معززة هناك أيضاً.

ويرى المركز أنه من المفترض أن يستمر المشروع الإيراني في سورية، وسيتم نشر القوات التي تم تحديدها مع إيران بالقرب من الحدود في مرتفعات الجولان تحت غطاء ما في المستقبل القريب.

بل ويرى أن إسرائيل تعلم بذلك، وأنها تعتقد أن هذه القوات لا تشكل تهديداً وشيكاً، على الأقل في المستقبل القريب، وتركز على منع توحيد القدرات العسكرية الإيرانية الأساسية في سورية.

وفي حال ظلت السياسيات الإقليمية والدولية الحالية على ما هي عليه، فلا يتوقع أن ينحسر هذا النفوذ في سورية في المدى المنظور (عامين إلى ثلاثة أعوام). حتى في حال السيناريوهات المتطرفة التي تفترض سقوط النظام أو فقدان العلويين هيمنتهم على النظام لصالح قوى سنية داخل النظام، فإن الإيرانيين قد أسسوا بنى (شبكة)، ستظل قائمة على المدى القصير، وتحتاج إلى جهد كبير لتفكيكها، في حال كان على رأس ذلك سلطة سورية مناهضة لإيران، وهو ما لا يبدو واضحاً حتى الآن.

كما أنه من الواضح أن إسرائيل ما تزال تتعايش مع وجود إيراني، وأن المطالب الأمريكية بإخراج إيران من سورية غير فعالة حتى الآن، فشرط تفعيل ذلك، إحداث تغيير جذري في البنى السياسية التي باتت بيد إيران.

 

ج-مستقبل النفوذ الإيراني في لبنان واليمن:

رغم أن النفوذ الإيراني في كلا الدولتين في ذات المستوى، إلا أن فعاليته في لبنان أكبر بكثير، حيث أن تأسيسه يعود لعقود خلت، ومستوى التسليح مختلف بشكل كبير، عدا عن تحول حزب الله إلى الذراع الإيراني الأقوى في عموم العالم، وليس في المنطقة فحسب.

إلى جانب أن الحزب يتمتع داخل لبنان بشبكة اقتصادية وعسكرية، ونفوذ في كثير من مؤسسات الدولة، عدا عن جملة تحالفات تخترق البنى الاجتماعية الدرزية والمسيحية، ويبدو أن تفكيكها ليس بالسهل مطلقاً. ما يعني أن هذا النفوذ مستمر في المدى المنظور.

على المدى المتوسط والبعيد، تفكيك هذا النفوذ، مرتبط بمستويات النفوذ في العراق وسورية، سلباً وإيجاباً، وأي انهيار داخلي في إيران سينعكس سلباً على الحزب، لكن القضاء على الحزب، مهمة شاقة، تتطلب تنسيقاً وتحالفاً واسعاً، وضغطاً دولياً جاداً.

على خلاف الحوثيين، الذين لا يتجاوز دورهم أداة مؤقتة، يمكن أن تنهار في أية لحظة تحت ضغط العمليات العسكرية الخليجية، وتستخدمهم إيران لإشغال دول الخلي العربي بأزمة على حدودهم، بحيث تستنزف مجهوداتهم التي يمكن أن تضغط باتجاه البيئات الأخرى، عدا عما تسببه من استنزاف مالي.

وعلى المدى المنظور، يبقى زوال النفوذ الإيراني في اليمن، رهيناً بالعمليات العسكرية للتحالف العربي.

 

د. عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري

 

للمزيد انظر:

(1) Ahmad Majidyar, "Iran Expands Its Economic Sphere of Influence in Syria", Middle East Institute, 13/9/2017:

http://www.mei.edu/content/io/iran-expands-its-economic-sphere-influence-syria

 

(2) Julie Lenarz, "Iran's Influence in Iraq: Hegemony through Powerful Militias", The Tower, 5/4/2018:

http://www.thetower.org/6224-irans-influence-in-iraq-hegemony-through-powerful-militias/

 

(3) Orit Perlov & Udi Dekel, "The Model of Iranian Influence in Syria", The Institute for National Security Studies, Tel Aviv University, 27/7/2018:

http://www.inss.org.il/publication/model-iranian-influence-syria/

 

(4) Sarhang Hamasaeed, Elie Abouaoun & Garret Nada, "As Iraq Prepares for Elections, Iran's Influence Looms Large", United States Institute of Peace, 7/5/2018:

https://www.usip.org/publications/2018/05/iraq-prepares-elections-irans-influence-looms-large

 

(5) Yossef Bodansky, "Iranian Influence in Iraq Grows", Oil Price, 18/6/2018:

https://oilprice.com/Geopolitics/Middle-East/Iranian-Influence-In-Iraq-Grows.html

 

(6) فيليب سميث، "إيران تتفوق على الأسد في السيطرة على الميليشيات الشيعية في سورية"، معهد واشنطن، 12/4/2018:

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/iran-is-outpacing-assad-for-control-of-syrias-shia-militias



([1]) معلومات عامة:

-       محور المخاوف هو قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم الطبيعي (يورانيوم 238)، الذي يحتوي على 0.7% فقط من النظير الانشطاري (يورانيوم 235).

-       يمكن لبعض المفاعلات، استخدام اليورانيوم الطبيعي، ولكن معظمها يستخدم اليورانيوم منخفض التخصيب الذي يحتوي على 3.5% من (اليورانيوم 235).

-       يتطلب صنع قنبلة ذرية يورانيوم عالي التخصيب الذي يحتوي على حوالي 90% من (اليورانيوم-235).

-       حتى نسبة 3.5% تمثل مستوىً مرتفعاً من التخصيب، وحين تصل النسبة إلى 20% يكون قد تمّت معظم أعمال التخصيب.

([2]) معلومات عامة:

-       وفقاً لتقديرات أمريكية غير سرية، يحتاج السلاح النووي العادي إلى 25 كيلوغراماً على الأقل من اليورانيوم عالي التخصيب المخصص لصنع الأسلحة (هناك مفاعلات أكثر تقدماً تتطلب 15 كيلوغراماً فقط).

-       في حال الانطلاق من اليورانيوم الطبيعي، يتطلب صنع القنبلة 5000 كيلوغراماً من المواد.

-       إذا تم البدء من المادة المخصبة بنسبة 3.9%، فستكون هناك حاجة إلى 1750% كيلوغراماً.