تطورات العلاقات الفرنسية-الإيرانية

 

 


تستند السياسات الخارجية الفرنسية إلى جملة محددات، يمكن من خلالها فهم تبدل التوجهات الفرنسية تجاه إيران، وعموم القضايا الدولية، ويأتي على رأسها:

-      براغماتية الموقف الفرنسي من كثير من القضايا الدولية، حتى من قضايا حقوق الإنسان التي تدافع عنها، حيث يطغى الطابع المصلحي دوماً، وهو ما يجعل تبديل الموقف الخارجي يسيراً على صانع القرار، دون تبعات سلبية.

-      عدم الانحياز الكامل تجاه ملف أو دولة أو قضية، وبالتالي عدم القطيعة الكاملة أيضاً، حيث تسعى فرنسا غالباً إلى أن تحافظ على علاقاتها مع كافة الأطراف المتنازعة (السعودية وإيران مثلاً)، ولا تعتمد كثيراً على سياسة (من ليس معي فهي ضدي)، وهو امتداد لسياساتها البراغماتية.

-      غير أن فرنسا، تحاول دوماً التمرد على النظام القطبي الأحادي، وعدم الانصياع لمحددات هذا النظام، التي تفرضها الولايات المتحدة، من خلال برامج طموحة ومستقلة ضخمة، غالباً غير قابلة للتحقيق، ويتم التراجع عنها لاحقاً أمام الضغط الأمريكي، وهو ما يصيب بعض حلفائها الذين يعتمدون على مثل هذه المواقف بخيبة الأمل، أو خسائر في مصالحهم.

-      كما أنها تحاول أن تبني علاقات داخل القارة الأوروبية تدعم هذا الموقف (غير القانع بالنظام الدولي)، لكن شركاءها داخل الاتحاد هم من جهة أخرى منافسون أوروبيون ودوليون لها (وخاصة ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا)، لذا لا يمكن التعويل –حتى تاريخه- على التقاربات الأوروبية مع فرنسا في مواجهة الولايات المتحدة.

 

أولاً-المنافع الفرنسية من الاتفاق النووي:

وللتدليل على هذه الأسس، يمكن ملاحظة التغيرات في الموقف الفرنسي تجاه إيران خلال الأعوام الماضية، وفق ما رصدته صحيفة Le Monde Diblomatique الفرنسية، في يونيو 2017، عقب زيارة روحاني رفيعة المستوى إلى باريس عام 2016، والتي كانت الثانية فقط من قبل رئيس إيراني منذ ثورة 1979، وغادرها بمليارات اليوروهات في صفقات عدة، فتحت المجال لزيارات منتظمة إلى طهران من قبل الوزراء الفرنسيين وقادة الأعمال.

وتشير الصحيفة إلى أن هذا التغيير والاندفاع الفرنسي المفاجئ والملحوظ، أتى عقب موقف فرنسي حاد إبان مفاوضات الملف النووي، حيث كانت فرنسا الأكثر تشدداً حينها، وهو ما دفع خامنئي إلى وصفها بـ "الشرطي السيئ"، في إشارة إلى "ألعاب" الضغط الدولي على إيران.

ترافق ذلك مع الموقف الحاد لساركوزي، حين اعتبر تهديد إيران النووي "أخطر أزمة تؤثر في النظام الدولي اليوم"، وأيد توسيع نطاق العقوبات نحو حلها، وهو ما سار عليه بداية هولاند، ضمن سياسة "الحزم البناء"، لتشدد فرنسا الخناق على إيران في المفاوضات، إلى أن باتت شروط الاتفاق مطابقة للمطالب الفرنسية.

غير أنه وبمجرد عقد الاتفاق النووي، اندفعت فرنسا في موقف معاكس تماماً لموقفها السابق، باحثة عن كل السبل المتاحة لتعزيز العلاقات الثنائية، ما دفع روحاني للقول لهولاند بعد أيام من توقيع الاتفاق "في السنوات العشر الماضية، أهدر البلدان فرصاً عديدة لتعميق وتطوير علاقاتهما ... الآن، حان الوقت للتعويض عن الماضي".

وشهدت العلاقات زخماً في الزيارات الرسمية، وخصوصاً من الجانب الفرنسي، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال:

-      الزيارات الفرنسية إلى إيران:

o     يوليو 2015: وزير الشؤون الخارجية.

o     سبتمبر 2015: سكرتير الدولة المكلّف بشؤون التجارة الخارجية، ووزير الزراعة.

o     ديسمبر 2015: رئيس مجلس الشيوخ.

o     إبريل 2016: سكرتير الدولة المكلّف بشؤون النقل والبحار والصيد البحري.

o     سبتمبر 2016: رئيس الجمعية الوطنية ووزيرة البيئة والتنمية المستدامة والطاقة.

o     يناير 2017: وزير الشؤون الخارجية.

o     أغسطس 2017: سكرتير الدولة لدى وزير أوروبا والشؤون الخارجية.

o     سبتمبر 2017: سكرتير الدولة لدى وزير أوروبا والشؤون الخارجية.

o     يناير 2018: وزير أوروبا والشؤون الخارجية.

o     مارس 2018: وزير الشؤون الخارجية.

-      الزيارات الإيرانية إلى فرنسا:

o     آخر زيارة دولة: السيد محمد رضا بهلوي (يونيو 1974).

o     يونيو 2009: وزير الشؤون الخارجية.

o     نوفمبر 2012: وزير التربية الوطنية (في إطار اليونسكو).

o     نوفمبر 2013: وزير الشؤون الخارجية، ووزير العلوم والبحوث والتعليم العالي (في إطار اليونسكو).

o     مايو 2014: وزير الزراعة.

o     يونيو 2014: نائبة رئيس الجمهورية المكلّفة بشؤون المرأة والأسرة.

o     يناير 2015: وزير الشؤون الخارجية.

o     مارس 2015: نائبة رئيس الجمهورية المكلّفة بشؤون البيئة.

o     يونيو 2015: وزير النقل والتنظيم المدني.

o     يناير 2016: الرئيس الإيراني حسن روحاني.

o     يونيو 2017: وزير الشؤون الخارجية.

هذه السياسية الفرنسية أدت إلى نشاط تجاري واسع بشكل خاص في ثلاثة مجالات:

-      الطيران: كان الإعلان الرائد من زيارة روحاني لعام 2016 صفقة ضخمة من 118 طائرة مع شركة إيرباص بقيمة أكثر من 20 مليار يورو، وهي جزء كبير من الخطط التي كانت ترمي إلى إصلاح شامل لأسطول إيران القديم. وقد انضمت ثلاث من هذه الطائرات إلى شركة إير إيران للطيران، مثلها مثل مجموعة من المحركات التوربينية من شركة ATR التي تتخذ من تولوز مقراً لها، بصفقة تبلغ قيمتها نصف مليار يورو.

-      تصنيع السيارات: من خلال الصفقات التي وقعتها شركة Renault، ومجموعة PSA والتي تشمل Peugeot وCitroen، لزيادة الوجود الفرنسي في إيران. حيث سجلت رينو زيادة في مبيعاتها بنسبة 161.5%، أي ما يقارب واحد من كل عشر سيارات بيعت في البلاد، وشكلت السوق الإيرانية الغالبية العظمى من الأعمال الأخيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا.

-      الطاقة: ففي يوليو 2017، وقعت إيران صفقة مع شركة Total الفرنسية وشركة النفط الوطنية الصينية CNPC، لتطوير حقل جنوب فارس البحري، أحد أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، بقيمة 5 مليار دولار، وهو أول اتفاق للطاقة بين الشركات الأجنبية وإيران منذ أن وقعت طهران على الاتفاق النووي. وكان من المفترض أن تبلغ مدته 20 سنة. وكان نصيب توتال من المشروع 50.1%، و30% لشركة البترول الوطنية الصينية، و19.9% نصيب شركة بتروبارس.

وذلك إلى جانب صفقات أصغر، شملت كلاً من:

-      توسع أصحاب الفنادق الفرنسيون في طهران.

-      مساعي شركة Sephora، المتخصصة في تصنيع مستحضرات التجميل التي تملكها شركة LVMH ومقرها باريس، في إقامة متجر في إيران.

-      شهدت السياحة من فرنسا إلى إيران ارتفاعاً ملحظاً بعد توقيع الاتفاق النووي.

-      طرح متحف اللوفر خططاً لإرسال مجموعة مختارة من مجموعته الشهيرة إلى طهران كجزء من عرض غير مسبوق في المتحف الوطني الإيراني.

وحيث كشف صحيفة Challenges الاقتصادية الفرنسية، عن روابط المصالح الاقتصادية هذه بين كبرى الشركات الفرنسية ونظيرتها الإيرانية، فإنها أكدت أن غالبية تلك الشركات الإيرانية تملكها ميليشيا الحرس الثوري الإيراني المسيطر على الاقتصاد الإيراني.

ووفقاً لتقرير موريل بينيكاود، المدير السابق للوكالة الفرنسية للاستثمارات الدولية، في إبريل 2018، فإنه منذ توقيع الاتفاقية النووية، زار إيران مسؤولون من أكثر من 300 شركة فرنسية، وأعربت أكثر من 2000 شركة عن اهتمامها العمل مع الشركاء الإيرانيين.

إضافة إلى ذلك، يمكن أيضاً ملاحظة حجم الانفتاح الاقتصادي الذي حصل بين الطرفين، من خلال التبادل التجاري، الذي شهد قفزات أشبه بانفجار في العلاقات بعد توقيعه الاتفاق النووي، وخاصة لصالح إيران. فمن خلال الشكل رقم (1)، يمكن ملاحظة التطور الذي طال الصادرات الفرنسية بأكثر من 150%، لكن الأهم هو الانفجار في الصادرات الإيرانية لفرنسا، والذي حقق نمواً بأكثر من 400%.

شكل رقم (1)


وبحول عام 2017، كان مجمل التبادل التجاري بين الطرفين قد قفز بأكثر من 700%، وبفائض تجاري لصالح إيران (عجز تجاري في ميزان فرنسا)، بما قيمته 915.5 مليون دولار.

شكل رقم (2)

الميزان التجاري الفرنسي-الإيراني 2017


القفزات الأساسية في الصادرات الفرنسية طالت مجال الطائرات، والذي شكّل النسبة الأكبر من تلك الصادرات، إلى جانب السيارات والمنتجات الصيدلانية والآلات بشكل ثانٍ.

شكل رقم (3)


 

ورغم أن الصادرات الإيرانية إلى فرنسا هي التي شهدت القفزة الأضخم، إلا أن نمو غالبية تلك الصادرات لم يشهد قفزات كبيرة، بل هي قريبة من معدلاتها التي كانت قبل الاتفاق النووي أو حتى أدنى منها في بعض المنتجات.

شكل رقم (4) 


التوسع الكبير كان في صادرات الوقود الإيراني إلى فرنسا، والذي شهد نمواً ضخماً، ففي حين لم تكن إيران تصدر ما يذكر (20 مليون دولار) إلى فرنسا خلال الأعوام (2013-2015)، فإن هذا الصادرات تجاوزت 2.5 مليار دولار عام 2017، وجعلت الميزان التجاري يميل بحدة لصالح إيران.

شكل رقم (5)


وهو الذي وضع فرنسا في المرتبة التاسعة بين الدول المستوردة للنفط الإيراني.

شكل رقم (6)


 

ثانياً-التحفظات الفرنسية على السلوك الإيراني:

لكن بالعودة إلى محددات السياسة الفرنسية الوارد ذكرها، فإن فرنسا حافظت على موقفها تجاه ملفات أخرى، وعلى رأسها مجال حقوق الإنسان، ودعم إيران المستمر لنظام الأسد وحزب الله، واختباراتها الصاروخية البالستية المتكررة، والتي وصفها المسؤولون الفرنسيون بأنها "تعرقل عملية استعادة الثقة التي وضعها اتفاق فيينا".

وخصوصاً أن امتداد إيران الإقليمي يمتد إلى منطقة تعتبرها فرنسا منطقة نفوذ تقليدي لها (سورية ولبنان)، وتسعى منذ سنوات طويلة إلى توسيع مصالح فيها دون أن تستطيع فعل الكثير، إذ طالما أخفقت في تعزيز حضورها في تلك المناطق سواء نتيجة تضخم قوة ميليشيا حزب الله واغتيال حليفها الأبرز رفيق الحريري، أو الخذلان الذي طالها من سياسات الانفتاح المشوّه التي اعتمدها بشار الأسد، وتفضيله التقارب مع روسيا وإيران والولايات المتحدة.

لذا فإن فرنسا تفصل في سياساتها بين المنافع المتأتية من توسيع العلاقات مع إيران، وتضرر مصالحها في سورية ولبنان.

يمكن الاستدلال على ذلك، بتصريحات وزيرة الدفاع الفرنسية، في أكتوبر 2017، بأن باريس ترغب في التحرك لمواجهة برنامج إيران للصواريخ وسلوكها "المزعزع للاستقرار" لكنها تعتقد أن إلغاء الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 سيساعد المتشددين وسيمثل خطوة باتجاه الحرب. وقالت "لكن ينبغي أن نتحلى أيضاً بالجدية التامة بشأن أنشطة الصواريخ البالستية والأنشطة المزعزعة للاستقرار بالمنطقة، نحن نعمل على ذلك".

وهو ذات التوجه الذي أكد عليه وزير الخارجية الفرنسي، في نوفمبر 2017، بأن النظام الإيراني يشكل خطراً على منطقة الشرق الأوسط، وأن نشاطاته تتعارض مع المصالح الفرنسية: "سلوك إيران يتعارض مع مصالح أمريكا وفرنسا وهذا السلوك يشكل تهديداً للمنطقة ... لا يمكننا قبول التدخل الإيراني ونشاطاته التخريبية وطموحات الهيمنة على المنطقة".

وخصوصاً أن الدفاع الفرنسي عن الاتفاق النووي لاحقاً، لم يشمل دفاعاً عن كامل الملفات الإيرانية، حيث أكد وزير الخارجية الفرنسية أنه: "ينبغي ألا تمتلك إيران أسلحة نووية والاتفاق النووي يضمن هذا الأمر لمدة عشر سنوات قادمة". كما أعربت فرنسا عن قلقها من التجارب الصاروخية البالستية في إيران، وطالبت سلطات طهران بوقف كامل أنشطتها التي تزعزع الاستقرار في المنطقة.

بالتأكيد فإن هذا الموقف الفرنسي الذي يفصل بين الملفات، أثار استياء إيران التي كانت تعتقد أنها خارج أية التزامات أخرى بعد توقيع الاتفاق النووي، حيث ردت إيران في نوفمبر 2017، مباشر، باتهام فرنسا بأنها تؤجج التوترات في منطقة الشرق الأوسط باتخاذ مواقف منحازة إزاء السياسة الإقليمية لطهران.

ونقل التلفزيون الرسمي عن الناطق باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، قوله "يبدو أن فرنسا اتخذت موقفاً منحازاً تجاه الأزمات الحالية والكوارث الإنسانية التي يشهدها الشرق الأوسط ... هذه الرؤية تؤجج النزاعات الإقليمية، سواء بشكل مقصود أو غير مقصود".

لكن هنا، لابد من التذكير بأن تصريحات وزير الخارجية الفرنسي، حول "دور إيران المقلق"، كان في مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية السعودي، في الرياض، أي أن أحد جوانب هذا التصريح، هو حماية المصالح الفرنسية مع السعودية، دون إحداث قطيعة مع أحد الطرفين.

وربما هو سبب تصعيد التصريحات بين الطرفين في نوفمبر 2017، فحين طلب الرئيس الفرنسي من طهران "توضيح سياستها الصاروخية البالستية، التي يبدو أنها لا تخضع لضوابط"، وأن تكون أقل عدوانية في المنطقة. كان رد علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري المرشد الأعلى لإيران، حاداً، وطلب من فرنسا ألا تتدخل في برنامج الصواريخ الإيرانية، وقال إن الموضوع لا يخص فرنسا وليس من شأنها. وأضاف: "نحن لا نستأذن من الآخرين في قضايانا وبرامجنا الدفاعية في أن نمتلك الصواريخ أو أن يحددوا لنا مدى الصواريخ ... هذا الموضوع لا يمت بصلة إلى ماكرون، فما هو موقعه كي يتدخل؟".

موقف فرنسا، للتذكير، يرتبط دوماً بتوسع النفوذ الإيراني في سورية ولبنان (بالكاد هناك انتقادات للسلوك الإيراني في العراق واليمن، وفي حال ظهر يكون في سياق عام). وامتد هذا الموقف إلى تركيا أيضاً، حين حذّر وزير الخارجية الفرنسي في فبراير 2018، من أن تركيا وإيران من بين الذين ينتهكون القانون الدولي بسبب تصرفاتهم في سورية، وحذّر من أن "أنقرة يجب ألا تضيف حرباً إلى الحرب".

وأكد أن جميع الميليشيات الإيرانية، بما فيها حزب الله، يجب أن تغادر سورية، التي قادت حربها الأهلية في الشرق الأوسط إلى حالة من الاضطراب. وعندما سئل عما إذا كان يريد أن تنسحب القوات المسلحة التركية من سورية، أجاب أنه يريد: "انسحاب كل الذين لا ينبغي أن يكونوا في سورية، بما في ذلك الميليشيا الإيرانية وحزب الله".

وطالما يتكرر الموقف الفرنسي البراغماتي ذاته، وخصوصاً في حال تماس ذلك مع المصالح الفرنسية في السعودية، فإبان زيارة ولي العهد السعودي إلى فرنسا في إبريل 2018، قال ماكرون إنه وافق مع ولي العهد السعودي على ضرورة كبح محاولة إيران لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط. واعترف ماكرون بالخلاف مع الرياض بشأن الموقف من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، لكنه قال إن الاثنين اتفقا على الحاجة إلى "الحد من نشاط إيران البالستي والتوسع الإقليمي".

حيث أكد أن "فرنسا تعتقد أنه يجب علينا الحفاظ على هيكل الاتفاق النووي الإيراني، لكن يجب أن يكمله العمل الذي تم القيام به للحد من نشاط إيران البالستي وتوسعها الإقليمي". وتابع ذلك بتطمينات إلى السعودية بتأكيد استمرار مبيعات الأسلحة الفرنسية للسعودية، رغم انتقادات الجمهور الفرنسي.

بل يمتد الاعتراض الفرنسي على نفوذ إيران في الشرق الأوسط، إلى نقل رسائل إسرائيلية إليها، فوفقاً لمراسل القناة العاشرة الإسرائيلية، في يونيو 2018، ونقلاً عن مسؤول فرنسي، فإن إسرائيل طلبت من فرنسا إيصال رسالة إلى مقربين من روحاني، تتعلق بنشاطات إيران العسكرية في سورية ودعمها لحزب الله. ووفق المسؤول، فهي ليست المرة الأولى التي تنقل فيها فرنسا مثل تلك الرسائل، وأعرب المسؤول الفرنسي عن دعم العمليات الإسرائيلية في سورية ضد الوجود الإيراني فيها.

كما قام نتنياهو بجولة أوروبية شملت فرنسا في يونيو 2018، تناولت هذا الموضوع، ودفعت ماكرون للتصريح بأنه قلق من النشاط الإيراني في الشرق الأوسط، ويتطلع للحفاظ على الاتفاق النووي. ما يؤكد تأييد فرنسا للضربات الإسرائيلية للمواقع العسكرية الإيرانية والسورية داخل سورية، بل والمشاركة في ذلك.

وذلك من خلال مشاركة البحرية الفرنسية في ضرب أهداف سورية وإيرانية، تستهدف أسلحة نوعية لا ترغب في حصول النظام السوري عليها، وقد تكون معدات لتركيب صواريخ بالستية. وأتت تأكيد وزارة الدفاع الروسية بمشاركة الفرقاطة الفرنسية Auvergne في ضرب أهداف سورية، وخاصة يوم إسقاط الطائرة الروسية 18 سبتمبر.

حيث تتمركز فرقاطة Auvergne في مياه شرق البحر المتوسط، وتشارك رفقة قطع بحرية غربية في مراقبة النشاط العسكري الروسي وبالخصوص بعد المناورات التي أجرتها روسيا شرق المتوسط، وشاركت في قصف مواقع سورية (أو إيرانية في سورية) خلال إبريل 2018، برفقة القوات البريطانية والأمريكية، ومن ضمن الأهداف الي ضربتها فرنسا مصانع/مخازن أسلحة في اللاذقية.

 

ثالثاً-الموقف الفرنسي من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي:

تباين الموقف الفرنسي تجاه الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، حيث بدأ الموقف الفرنسي حاداً يصطفّ إلى جانب إيران، ومتحدياً الولايات المتحدة (كما هو معتاد)، قبل أن يتراجع شيئاً فشيئاً، بل ويوجه انتقادات لإيران ذاتها، ومحاولاً إحداث توازن في التوجهات.

حيث استغل جواد ظريف اللحظة وأيد على الفور موقف ماكرون بشأن الاتفاق، وغرّد من حسابه الشخصي في إبريل 2018: "إن الرئيس ماكرون محق في قوله إنه لا توجد خطة B لخطة العمل المشتركة، إما كل شيء أو لا شيء".

وفي مايو 2018، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي أن العقوبات التي أعاد الرئيس الأمريكي فرضها على الشركات الأجنبية العاملة في إيران "غير مقبولة". وقال إن الوضع أصبح "في منتهى الخطورة" في الشرق الأوسط من جراء التداخل بين "المسألتين السورية والإيرانية" خصوصاً بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق فيينا المتعلق ببرنامج إيران النووي:

-      "نقول للأمريكيين إن التدابير العقابية التي سيتخذونها تخصهم".

-      "الأوروبيون ليسوا مضطرين لدفع ثمن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية التي ساهموا هم أنفسهم بها".

-      على الأوروبيين أن يضعوا "الإجراءات اللازمة لحماية مصالح شركاتنا، وبدء مفاوضات مع واشنطن في شأن هذا الموضوع".

كما أعلن مسؤول في الرئاسة الفرنسية أن المسؤولين الأوروبيين سيبذلون "كل جهد" ممكن لحماية مصالح شركاتهم العاملة في إيران عقب قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على طهران.

ووفق وزير الخارجية الفرنسي: "ما كان يخشى حدوثه، بدأ يتحقق، المسألة السورية والمسألة الإيرانية بدأتا تتداخلان ما يؤدي إلى وضع شديد التوتر".

فيما دعا الرئيس الفرنسي كلاً من إسرائيل وإيران إلى "نزع فتيل التصعيد"، في حين طلبت وزارة الخارجية الفرنسية من طهران "الامتناع عن أي استفزاز عسكري وحذرتها من أي محاولة للهيمنة الإقليمية".

بل وأصرت فرنسا على اعتبار الاتفاق سارياً، وذلك من خلال تأكيد وزير الخارجية في مايو 2018، بأن الاتفاق النووي الإيراني الذي جرى إبرامه عام 2015 "لم يمت" رغم قرار الرئيس الأمريكي الانسحاب منه.

وصعّد وزير المالية الفرنسي من حدة التصريحات في مايو أيضاً، حيث قال، إنه على الدول الأوروبية أن تعارض بقوة إدارة ترامب بشأن الاتفاق النووي الإيراني وليس التصرف "كخادم" للولايات المتحدة، ويجب على أوروبا ألا تقبل بأن تكون الولايات المتحدة هي "الشرطي الاقتصادي العالمي".

ويضيف: "هل نريد أن نكون من التابعين الذين يطيعون القرارات التي تتخذها الولايات المتحدة بينما يتشبثون بحاشية بنطالهم؟ ... أم أننا نريد أن نقول إن لدينا مصالحنا الاقتصادية؟ نحن سنواصل التجارة مع إيران".

وعزز هذا الموقف تصريحات وزير الخارجية الفرنسية التي تزامنت معها، حيث أكد أن الأوروبيين "سيفعلون كل شيء لحماية مصالح شركاتهم، ويعتزمون قيادة مفاوضات مشددة مع واشنطن.

الموقف تغير تدريجياً منذ يونيو، بداية مع تصريح وزير الخارجية الفرنسي، والتي رأى فيها أن تصريح إيران بأنها قد تزيد قدرتها على تخصيب اليورانيوم إذا انهار الاتفاق النووي، يقترب من "الخط الأحمر": "دائماً ما يكون التلاعب بالخط الأحمر خطيراً"، لكنه قال إن خطط إنقاذ الاتفاق النووي لاتزال كما هي.

وعاد الوزير في أغسطس لتوجيه خطابه إلى إيران بأنه "لا يمكنها تفادي مفاوضات موسعة حول برنامجها النووي، بصرف النظر عن التزاماتها التي يتضمنها اتفاق 2015 الخاص بأنشطتها النووية والذي انسحبت منه واشنطن". واعتبر الوزير الفرنسي أن "إيران لا يمكنها أن تتفادى مفاوضات حول ثلاثة ملفات كبرى أخرى تشغلنا بينها خصوصاً دور طهران في قضايا الأمن الإقليمي، هي مستقبل الالتزامات النووية بعد عام 2025، ومسألة الصواريخ البالستية وحقيقة أن هناك نوعاً من الانتشار البالستي من جانب إيران، والدور الذي تقوم به إيران في المنطقة ... يجب أن نتحدث عن هذه الموضوعات الثلاثة، يجب أن يدرك الإيرانيون ذلك وهذه هي الرسالة التي أوجهها إليهم". 

وفيما كانت إيران تعول على موقف الشركاء الأوروبيين، إلا أنها أصيبت بخيبة أمل كبرى من موقف ألمانيا وفرنسا، حيث رفضت إيران دعوة فرنسا لإجراء محادثات بشأن قضايا تتجاوز الملف النووي معتبرة أن ذلك مستحيل، طالما أن القوى الغربية قد فشلت في الوفاء بالتزاماتها الحالية. 

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي إنه في مثل هذه الظروف لا يوجد أمام الأوربيين سوى الالتزام بتعهداتهم فيما يتعلق بالاتفاق النووي. وأضاف "لا نرى أنه بقيت ضرورة أو قيمة وحتى ثقة للتفاوض معهم، وذلك أيضاً في المواضيع غير القابلة للتفاوض". وأشار أن "القادة الفرنسيين يعلمون جيداً أن السياسة الإقليمية لإيران تأتي في إطار مكافحة الإرهاب والتطرف".

وقال قاسمي إنه يجب على أوروبا أولاً أن تظهر أنها قادرة على إنقاذ الاتفاق النووي لعام 2015 بعد انسحاب الولايات المتحدة وإعادة فرض العقوبات عليها. وندد "بعجز الأوروبيين وعدم قدرتهم على تقديم الضمانات الكافية والملموسة لصيانة اتفاق دولي يعتبر أهم إنجاز دبلوماسي في العصر الحديث".

 

رابعاً-الخسائر الفرنسية من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي:

لإدراك حجم المنافع الفرنسية، وبالتالي حجم الخسائر التي طالت تلك المصالح بعد الانسحاب الأمريكي، يمكن ملاحظة ذلك من خلال حصة فرنسا من التجارة البينية مع إيران، عام 2017، مقارنة مع أكبر الشركاء التجاريين الغربيين لإيران. حيث تأتي ثانياً بين الدول الغربية لناحية الواردات من إيران، وتأتي ثالثاً بينها لناحية الصادرات إلى إيران، في حين بالكاد يمكن ملاحظة المنافع الأمريكية في الاتجاهين.

شكل رقم (7)


شكل رقم (8)


غير أن صورة المصالح الكبرى التي تحاول فرنسا حمايتها، ليست تماماً كما تظهر، فتجارة فرنسا مع إيران، ومصالحها الاستثمارية عامة، لا تشكل كبير حجم في عموم التجارة الفرنسية، بل هي أقل من 1% من صادرات وواردات فرنسا عموماً.

شكل رقم (9)


شكل رقم (10)


ومنذ فبراير 2018، سعى بنك الاستثمار في فرنسا، المملوك للدولة، إلى تقديم اعتمادات مقومة باليورو للمشترين الإيرانيين لسلعها في وقت لاحق من العام الحالي، في خطوة لتعزيز التجارة مع إبقائها خارج نطاق العقوبات الأمريكية، حيث تتطلع فرنسا ودول أوروبية أخرى إلى زيادة التجارة مع إيران.

وتمثلت الخطة في تقديم ضمانات مصممة خصيصاً بعملة اليورو للمشترين الإيرانيين للسلع والخدمات الفرنسية، من خلال هيكلة التمويل، عبر كيانات لا صلة لها بالولايات المتحدة، سواء بالعملة أو غير ذلك، بهدف تجنب توسيع نطاق التشريع الأمريكي خارج الحدود الإقليمية. وقال مصدر مصرفي فرنسي إن إيطاليا وألمانيا والنمسا وبلجيكا تعمل أيضاً على إيجاد آليات من شأنها حماية شركاتها من مخاطر العقوبات الأمريكية.

لكن فرنسا تظل قلقة من العقوبات الأمريكية، وخاصة أنها خضعت لها سباقاً، حيث اضطر بنك BNP Paribas إلى دفع غرامة قدرها 9 مليارات دولار عام 2014 بسبب انتهاك العقوبات المالية الأمريكية. وقبل انسحابها من السوق الإيرانية، اشتكت ايرباص من حذر البنوك.

ويبدو أن فرنسا تأكدت أنها لن تستطيع الوقوف في وجه العقوبات الأمريكية، حيث أعلن وزير الاقتصاد الفرنسي، في يونيو 2018، أن معظم الشركات الفرنسية لن تتمكن من البقاء في إيران، بعد إعادة فرض الولايات المتحدة عقوبات على طهران". وقال إن هذه الشركات "لن تتمكن من البقاء؛ لأنه لا بد لها من تلقي بدل لقاء المنتجات التي تسلمها أو تصنعها في إيران، ولن يكون ذلك ممكناً، إذ ليس لدينا هيئة مالية أوروبية سيادية ومستقلة ... أولويتنا هي بناء مؤسسات مالية أوروبية مستقلة سيادية تسمح بإقامة قنوات تمويل بين شركات فرنسية وإيطالية وألمانية وإسبانية، وأي بلد آخر في العالم، لأنه يعود لنا نحن الأوروبيين أن نختار بِحُرِّية وسيادة مع من نريد مزاولة التجارة". أي أنه تسليم بتباين عناصر القوة، وحديث عن تعزيز تلك العناصر في المستقبل المتوسط والبعيد.

لكنه أصر عل أنه "لا يعود للولايات المتحدة أن تكون الشرطي الاقتصادي في العالم، وبما أن الرئيس الأميركي قرر على ما يظهر أن يكون الشرطي الاقتصادي للعالم، يعود لنا نحن أن نمنح أنفسنا أدوات حتى لا نكون ضحايا هذا الخيار".

وفيما بدأت الشركات الفرنسية بالانسحاب بالتوالي من السوق الإيراني، فإن شركات ما تزال تحاول المقاومة، حيث أعلن رئيس مجلس إدارة شركة "رينو": كارلوس غصن، في يونيو الفائت، أن المجموعة ستبقى في إيران ولو اضطرت إلى الحد من أنشطتها هناك.

أما الشركات الفرنسية التي خرجت من إيران:

-      خفضت الخطوط الجوية الفرنسية رحلاتها من باريس إلى طهران من ثلاث إلى واحدة في الأسبوع، مع إعلان بأنها ستوقف رحلاتها كلياً في أكتوبر المقبل، وذلك بحجة عدم الجدوى الاقتصادية.

-      كما خرجت مجموعة "بي إس آ" لسيارات "بيجو" و"سيتروين" و"دي إس"، و"أوبل"، بعدما باعت 466.6 ألف آلية العام الماضي في إيران.

-      انسحبت مجموعة توتال النفطية من مشروعها الغازي الضخم لتطوير المرحلة 11 من حقل فارس الجنوبي.

-      انسحاب شركة ايرباص.

كما لم تفلح الجهود الفرنسية في ثني الولايات المتحدة عن قراراتها، أو الحصول على إعفاء لشركاتها، وهو ما أكده في يوليو وزير المالية الفرنسي، بأن الولايات المتحدة رفضت طلباً فرنسياً بالتنازل لشركاتها العاملة في إيران، حيث كانت تتوقع إما إعفاءات أو تمديد فترات العمل للشركات الفرنسية، بما في ذلك الطاقة والبنوك والمستحضرات الصيدلانية والسيارات.

بل وطالت آثار الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، صناعة تصدير الماشية في فرنسا، حيث إن الآلاف من الأبقار الفرنسية التي كان من المقرر تصديرها إلى إيران، عالقة شمال غرب فرنسا. حيث كانت شركة سيمورغ، وهي مزرعة دواجن إيرانية، قد وقعت اتفاقاً مع مزارعي الماشية في منطقة نورماندي الفرنسية في عام 2016، لاستيراد ما بين 10-20 ألف عجل سنوياً، مقابل 10-15 مليون يورو.

فيما لم تعد المصارف الفرنسية راغبة بدعم العقد، حيث لا ترغب في المخاطرة بعقوبات مالية صارمة، وهو ما أدى إلى انسحاب التعاونية الريفية أجريال، التي كلفت بجمع الأبقار من مختلف المزارع للتصدير، من المشروع، في أغسطس الفائت، وقالت شركة التأمين المسؤولة عن تغطية تكاليف التصدير "لن نتمكن من الاستمرار".

 

خامساً-تعارض مصالح أخرى:

تعتبر فرنسا واحدة من أهم وجهات المعارضة الإيرانية بكافة أطيافها، العربية والكردية والفارسية، بل وتعتبر باريس واحدة من أهم محطات جماعة مجاهدي خلق، حيث باتت مؤخراً تعقد مؤتمراتها السنوية فيها، وهو ما أثار استياء حاداً داخل النظام الإيراني، واعترض عليه مراراً بلهجة حادة، بلغت حد اتهام فرنسا بمساندة جماعة إرهابية، وهو ما رفضته فرنسا تماماً.

وقال مصدر دبلوماسي فرنسي، إنه جرى تذكير السلطات الإيرانية "بأن فرنسا لا تؤيد فكر أو أهداف أو أنشطة جماعة مجاهدي خلق. لكن بما أن اسمها رُفِع من القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، فيمكنها مواصلة أنشطتها مثل أي جمعية أخرى، طالما أنها لا تقوّض النظام العام".

وقد تعرض مؤتمر جماعة مجاهدي خلق الأخير، لمحاولة اعتداء من خلال هجوم بقنبلة، واعتبرت فرنسا ذلك علامة على موقف إيراني أكثر عدائية تجاه فرنسا. ما أدى إلى اعتقال دبلوماسي إيراني في ألمانيا، وآخرين في دول أوروبية، بتهم التخطيط لذلك. وقد استدعت وزارة الخارجية الإيرانية، مبعوثي فرنسا وألمانيا وبلجيكا لديها، احتجاجاً على اعتقال دبلوماسي إيراني في ألمانيا، فيما يتعلق بخطة مزعومة لتفجير الاجتماع السنوي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، على مشارف باريس يوم 30 يونيو. واتهمت فرنسا "بتقديم الدعم للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذي يسعى للإطاحة بالجمهورية الإسلامية، والمصنف باعتباره جماعة إرهابية في طهران".

هذا الموقف، دفع فرنسا، إلى الطلب من دبلوماسييها في أغسطس الفائت، تأجيل السفر غير الضروري إلى إيران، مستشهدة في إجرائها ذلك بمحاولة التفجير التي تم إحباطها، وبتشديد الموقف الإيراني من فرنسا. وقد أدى هذا التصعيد الفرنسي، إلى قلق إيراني حول مزيد من الخسائر في العلاقات مع أوروبا، وسارع المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، إلى القول "إن الأعداء يحاولون التأثير على العلاقات بين البلدين".

لكن المعارضة الإيرانية كان لها موقف آخر، حيث أفادت وكالة الأنباء الإيرانية بتعرض سفارة إيران في باريس لهجوم، يوم 15 سبتمبر، من قبل "عناصر حزب كوملي الكردستاني المعارض" الذي تعتبره طهران "جماعة إرهابية. وأدان بهرام قاسمي، الاعتداء على السفارة الإيرانية في باريس، مطالباً السلطات الفرنسية بضمان حماية الأماكن الدبلوماسية: "لسوء الحظ الشرطة الفرنسية لم تصل في الوقت المناسب لإيقاف المهاجمين، الذين ينتمون إلى مجموعة إرهابية، باعتدائهم على السفارة الإيرانية في باريس".

وأكد قاسمي أن "الشرطة الفرنسية ألقت القبض على العديد من المهاجمين بعد إجراء عدة متابعات لأمر الاعتداء، كما سيتم محاكمتهم وإعلان النتائج من قبل السلطات المختصة".

أمّا الشكل الأخر من الوجود الفارسي/الإيراني في فرنسا، فيظهر عبر الوجود المؤقت لجماعات تدين بالولاء للنظام الإيراني، وتوجد في فرنسا إمّا لأسباب دراسية أو اقتصادية، وربّما تكون مرتبطة بالنظام لأهداف سياسية تتعلّق برصد المعارضة والتجسّس عليها، وغالباً ما تستخدم الغطاء المذهبي الشيعي لتبرير حضورها وتحركاتها داخل فرنسا.

وقد رصدت دراسة لمركز المزماة (أغسطس 2017)، بعض النشاطات الشيعية (والإيرانية) في المجتمعات الأوروبية، ومنها فرنسا، وكان من أبرزها ما يلي:

-      تأسيس المساجد والمعاهد والمراكز الثقافية والجمعيات الخيرية، وتنظيم الدورات والرحلات إلى إيران.

-      التغلغل في الجماعات السنية، وبناء علاقات معها عبر التصاهر، واستخدمها بيئة أساسية للتبشير المذهبي.

-      الاستفادة من وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمنشورات الورقية في نشر التشييع والسياسات الإيرانية، حيث تحافظ الأجيال الشيعية المولودة في أوروبا على التواصل مع المجتمع الشيعي الأوروبي.

-      تبنّي أطفال أوروبيين وتنشئتهم تنشئة شيعية.

-      الاعتماد على كافة الجاليات الشيعية.

 

سادساً-الموقف الفرنسي الأخير:

ما زالت فرنسا تحاول أن تحافظ على علاقاتها مع إيران، ولكن في حدودها الدنيا، مع الإقرار بعدم القدرة على كثير حراك لمواجهة الولايات المتحدة بهذا الخصوص. وتسعى إلى صياغة نمط شبيه بالنمط الذي كان سائداً قبل توقيع الاتفاق النووي، من خلال الحفاظ على علاقات دبلوماسية طبيعية، وبعض المصالح الاقتصادية التي يمكن تجاوز العقوبات الأمريكية فيها، والسعي لإيجاد صيغة اتفاق نووي جديد، أو تعديلات تطال الاتفاق الحالي، بما فيه مواضيع النفوذ في الشرق الأوسط، والصواريخ البالستية، وحقوق الإنسان، وسواها.

يتضح ذلك من الموقف الفرنسي يوم 19 سبتمبر، حين جدد رئيس لجنة الطاقة النووية الفرنسية: جاك فرانسوا، دعم بلاده للاتفاق النووي، معرباً عن أسفه لفرض الحظر الامريكي ضد إيران، وذلك خلال لقائه علي أكبر صالحي، على هامش المؤتمر العام الـ 62 للوكالة الدولية للطاقة الذرية المنعقد في العاصمة النمساوية فيينا.

ووفق ما ذكرته الوكالة الإيرانية (ارنا)، فقد تم بحث العلاقات بين البلدين ودعم الاتفاق النووي ومجالات التعاون النووي، حيث أشار صالحي إلى ماضي العلاقات التاريخية بين إيران وفرنسا، داعياً فرنسا للمشاركة الفاعلة في عملية تبادل الطلبة الجامعيين مع إيران وإقامة الورشات التدريبية في مجال العلوم والتكنولوجيا النووية.

وتم خلال اللقاء التأكيد على قضايا التعاون في مجالات الانصهار النووي والعلمي والتدريبي، وإدارة النفايات، واستخدام تكنولوجيا الكوانتوم في الاتصالات والحسابات الكومبيوترية والبيولوجية وأجهزة الاستشعار.

فيما أكد رئيس لجنة الطاقة الذرية الفرنسية وجود الكثير من الفرص للتعاون المشترك بين الجانبين، ووصف الاتفاق النووي بأنه اتفاق ناجح، وجدّد التزام فرنسا خاصة رئيس الجمهورية بالاتفاق، معتبراً فرض الحظر الامريكي على إيران أمراً باعثاً على الأسف.

 

د. عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري