تطوّرات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني (تقييم أوليّ)

 


أولاً: مستوى التهديدات الأمريكية لإيران

في محاولة لقياس مستوى التهديدات التي تطلقها الإدارة الأمريكية تجاه إيران، وتحديداً في الشهرين الأخريين، فيما يتعلق بإعادة فرض العقوبات، وضعنا أولاً مقياس حدّة (افتراضي كمي) لما يمكن اعتباره مستويات تهديد تصاعدية، يمكن البناء عليها، سواء في هذه الحالة، أو في حالات أخرى مشابهة، وهذا المقياس يقوم على المستويات/النقاط التالية:

1= انتفادات محدودة لأوضاع داخلية/تصريحات غير مناسبة منخفضة الحدة.

2= التهديد بتخفيض التمثيل الدبلوماسي/انتقادات حادة تجاه مسؤولين.

3= تخفيض التمثيل الدبلوماسي/التهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية.

4= قطع العلاقات الدبلوماسية/التهديد بالخروج من اتفاقيات ثنائية أو دولية.

5= الخروج من اتفاقيات/أو التهديد بعقوبات محدودة/أو إملاء شروط مسبقة.

6= فرض عقوبات محدودة/التهديد بعقوبات واسعة.

7= فرض عقوبات واسعة.

8= اتخاذ خطوات/أو تصريح، بشكل غير مباشر، بهدف الإطاحة بالنظام (التواصل مع المعارضة، التواصل مع المجتمع المستهدف بشكل مباشر، الحديث عن عدم قدرة النظام على الاستمرار، ...).

9= التهديد بعمل عسكري غير مباشر (رد فعل على تهديد سابق، أو فعل تأديبي، ...).

10= الإعلان المباشر عن نية العمل العسكري (محدود أو واسع)، دون هدف إسقاط النظام.

11= الإعلان المباشر عن نية العمل العسكري بهدف إسقاط النظام.

ويمكن وضعها في فئات لتحديد مستوى الحدة التي بلغتها التهديدات/التصريحات:

الفئة الأولى: (1-3)، تهديدات/تصريحات منخفضة الحدة.

الفئة الثانية: (4-6)، تهديدات/تصريحات متوسطة الحدة.

الفئة الثالثة: (7-9)، تهديدات/تصريحات عالية الحدة.

الفئة الرابعة: (10-11)، تهديدات خطيرة فعلية (لم تعد مجرد تصريحات).

ويمكن أن نميّز بين مستويين من التصريحات:

-      تصريحات الرئيس الأمريكي، وهي تصريحات تأخذ القيم السابقة.

-      تصريحات المسؤولين الأمريكيين، وسنعمد فيها إلى تخفيض (2 نقطة) منها، لأنها تبقى أقل خطورة من تصريحات الرئيس.

وعليه نسجل النتائج التالية:

أ‌-      تصريحات الرئيس الأمريكي:

8 مايو: الانسحاب من الاتفاق النووي (5 نقاط).

9 يوليو: الحديث عن التحرشات العسكرية بالسفن الأمريكية، بما يحمل معنى الردع العسكري (9 نقاط).

23 يوليو: الرد على روحاني بعدم تهديد الولايات المتحدة (9 نقاط).

24 يوليو: تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة مستعدة للتوصل إلى صفقة حقيقية (5 نقاط).

3 أغسطس: تخفيض التهديد من خلال التصريح بالاستعداد للقاء زعماء إيران، وهو ما يماثل العودة للتفاوض حول اتفاق جديد (5 نقاط).

4 أغسطس: القول بأن إيران واقتصادها يهويان بسرعة نحو الأسوأ، ولا يهمني إن التقيت بهم أم لا (8 نقاط).

7 أغسطس: التهديد بعقوبات أخرى في نوفمبر (7 نقاط).

 

ب‌- تصريحات كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية:

21 مايو: التهديد بفرض عقوبات غير مسبوقة (6-2=4 نقاط).

22 مايو: عقوبات جديدة من قبل وزارة الخزانة الأمريكية (6-2=4 نقاط).

30 يونيو: مشاركة مبعوثي ترامب في مؤتمر منظمة خلق في فرنسا (8-2=6 نقاط).

1 يوليو: وعد رودي جوليان لمجاهدي خلق باللقاء في طهران، فيما يشبه وعداً بإسقاط النظام (8-2=6 نقاط).

18 يوليو: مطالب مايك بومبيو الـ 12 (5 نقاط، لن يتم تخفيض نقاط منها، لأنها اعتبرت مطالب الحكومة الأمريكية والرئيس الأمريكي بشكل رسمي)

22 يوليو: تصريح مايك بومبيو بأن قادة إيران رجال دين منافقون فاسدون، وأن الأمر متروك للشعب، وأن الولايات المتحدة ستدعم صوت الشعب الإيراني (8-2=6 نقاط).

23 يوليو: لقاء مايك بومبيو بأمريكيين من أصل إيراني، بعضهم معارض للنظام الإيراني (8-2=6 نقاط).

24 يوليو: تأييد جيمس ماتيس تغريدة ترامب حول أن إيران ستعاني من عقوبات غير مسبوقة (5-2=3 نقاط).

5 أغسطس: تصريح مايك بومبيو بأن تنفيذ العقوبات سيكون صارماً (7-2=5 نقاط).

6 أغسطس: تصريح جون بولتون بأن النظام هش (8-2=6 نقاط).

 

ملاحظة: بعض الأحداث تم تغيير تاريخها إلى يوم سابق أو لاحق، بهدف إظهار مستوى التغيير في الشكل البياني.

 

ووفق المحددات السابقة، يمكن وضع رسم بياني يحدد المستوى الذي سارت فيه التصريحات الأمريكية في المستويين (الرئيس والمسؤولين):

شكل رقم (1) 


نتائج:

-      يلحظ بداية أن حركة المؤشرين/المستويين، مترافقة مع بعضها البعض، حيث أن حدة تصريحات المسؤولين انخفضت مع انخفاض تصريحات الرئيس، وارتفعت معها.

-      حافظت حدة التصريحات/التهديدات الأمريكية في مستوى المسؤولين، على موقعها طيلة هذه الفترة، باعتبارها تصريحات متوسطة الحدة، وقد لامست سقف هذه المرحلة مرات عدة، لكنها لم تتجاوزه.

-      في حين ارتفعت تصريحات الرئيس من الحدة المتوسطة مع الإعلان عن الانسحاب من الاتفاق النووي، إلى مرحلة الحدة المرتفعة، ولامست سقفها، وكادت أن تدخل في مرات عدة في مرحلة الحدة الخطرة، وتراجعت مؤقتاً إبان العرض بلقاء المسؤولين الإيرانيين، إلى مرحلة الحد المتوسطة، لكنها لم تستمر في تلك المرحلة طويلاً، حيث عادت بسرعة إلى مرحلة الحدة العالية، ولكن لم تقترب من حدود الحدة الخطرة.

-      في حال اعتماد هذا المؤشر، وبمعزل عن المؤشرات الأخرى، وفي هذه الفترة الزمنية فقط، فإننا نصل إلى نتيجة مفادها، أن الولايات المتحدة (مستويَيّ الرئيس والمسؤولين)، يهدفان بشكل واضح إلى الضغط على النظام الإيراني إلى أقصى حدود ممكنة، بهدف تغيير سلوكه لا أكثر، وهو ما يتوافق مع التصريحات العلنية بأن الولايات المتحدة لا تنوي تغيير النظام الإيراني.

 

ثانياً: تطورات الموقف الأمريكي والإيراني عقب دخول العقوبات مرحلة التنفيذ (بعد 6 أغسطس)

أ-تطورات الموقف الأمريكي:

قبيل دخول العقوبات الجديدة حيز التنفيذ بأيام، وضع وزير الخارجية الأمريكي، محددات التوجه الأمريكي في المرحلة الأولى من تطبيق العقوبات، وهي محددات تعني أن الولايات المتحدة ستجعلها هدفاً مباشراً لها، في عمليات (الضغط والتفاوض المباشر وغير المباشر)، لكنها لن تكون بالتأكيد محددات نهائية، حيث أن سلوك إيران من جهة، وتطورات البيئة الدولية والأمريكية من جهة ثانية، ستحدد مسار هذه المحددات في مراحل لاحقة.

ويعرض بومبيو، ومن قبله ترامب، ما يمكن اعتباره (الجزرة/المكافأة) الأولى، التي سينالها الإيرانيون، وهي استعداد ترامب للقاء غير مشروط مع القادة الإيرانيين، أي أن الولايات المتحدة (ترامب بشكل شخصي)، يرغب في تكرار (صورة/نموذج)، كوريا الشمالية، فيما يتعلق بفرض رأيه، من خلال إجبار روحاني (غالباً روحاني وليس المرشد خامنئي)، على المصافحة والجلوس إلى طاولة واحدة كما يفعل ترامب دوماً. إلا أن ذلك ليس بحد ذاته عامل جذب للإيرانيين، على خلاف بعض الزعماء الآخرين.

عدا عن أن هذا اللقاء غير المشروط، يبقى مشروطاً من قبل الولايات المتحدة، حيث حدد بومبيو تلك الشروط، أو بالأصح الأهداف العلنية التي تسعى الولايات المتحدة إلى بلوغها من حلمة العقوبات الحالية:

-      الالتزام بإجراء تغيرات جوهرية في كيفية تعاملهم مع شعبهم (أي موضوع الدمقرطة وحقوق الإنسان)، غير أن هذا الملف لم يظهر في أي من سلوكيات الرئيس الأمريكي تجاه أية دولة أخرى، فإما أن هذا الهدف مصمم لإرضاء بعض الحلفاء الأوربيين (وهو ليس نهجاً لترامب)، وإما –وهو الأرجح- بهدف مزيد من الضغط على القادة الإيرانيين بالغي الحساسية تجاه هذا الملف.

-      والحد من سلوكهم الخبيث، وهو غالباً يعني الحد من التدخلات الإيرانية الإقليمية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو يحمل بعدين معاً:

o     مفهوم "الحد"، أي التقليل، حيث أن الولايات المتحدة، في حال الاتفاق مع إيران، ستقبل بنوع من السلوك الإيراني الخبيث المضبوط في المنطقة (في العراق وسورية).

o     غير أن هذا السلوك الخبيث، يجب أن يكون بعيداً عن الحلفاء، بمعنى فك الارتباط بالحوثيين وحزب الله، بما يحفظ الأمن الخليجي والإسرائيلي.

-      الانخراط في اتفاق نووي يمنع فعلياً انتشار الأسلحة النووية، وتعلم الولايات أن إطار العمل السابق، كان مقدمة يمكن تطويرها للوصول إلى مزيد من الثقة في البرنامج النووي الإيراني، لكن، تحتاج الإدارة الحالية، أن تعيد بناء سلة متكاملة، لا تتعلق بالبرنامج النووي فحسب، وبحيث تكون للولايات المتحدة حصة الأسد من المصالح مع إيران.

وقبل ساعات من تطبيق العقوبات، أكدت الولايات المتحدة، من خلال مستشار الأمن القومي، جون بولتون، على النقاط التالية:

-      "سياستنا ليست تغيير النظام"، وهي رسالة تطمين للنظام الإيراني، ودفع له باتجاه تقديم تنازلات، حتى يتم ضمان أمنه واستمراريته (الجزرة/المكافأة).

-      "نريد أن نمارس ضغوطاً غير مسبوقة على الحكومة الإيرانية لتغيير سلوكها"، أي أن المكافأة مشروطة بالانصياع (شبه الكامل) للضغوط الأمريكية (العصا).

-      "حتى الآن لم يبدو أي مؤشر على استعدادهم للقيام بذلك"، وهو يحمل تهديداً بتصعيد أعلى في حال استمر الموقف الإيراني دون تغيير.

-      "الاحتجاجات تعكس معارضة قديمة داخل إيران للنظام .... لم تكن بسبب إعادة فرض العقوبات الأمريكية ... أعتقد أن هذا النظام في وضع هش للغاية"، وهو تصريح يهدف إلى تذكير النظام بوضعه الحالي المتأزم للغاية، وإمكانية تجاوزه من خلال الولايات المتحدة.

-      "السؤال الحقيقي هو ما إذا كان فيلق الحرس الثوري وآيات الله سيستخدمون القوة ضد شعبهم ... ما نركز عليه هو برنامج الاسلحة النووية والصواريخ البالستية ودعم الارهاب والنشاط القتالي عسكرياً". أي أن الولايات المتحدة لن تتدخل في الشأن الداخلي الإيراني المتعلق بكيفية ضبط الاحتجاجات (ربما ضوء أخضر لقمع الاحتجاجات)، في مقابل تنازلات في الملفات التي ذكرها بولتون.

يترافق ذلك، مع تصريح آخر لوزير الخارجية الأمريكي، يؤكد على:

-      "فرض عقوبات أمريكية متجددة على إيران سيتم تنفيذه بصرامة"، ما يعني عدم إمكانية منح إعفاءات تعوّل عليها إيران في خرق العقوبات.

-      "سيبقى في مكانه إلى أن تغير الحكومة الإيرانية مسارها بشكل جذري"، ما يؤكد أن المجال الزمني مفتوح.

-      "إدارة ترامب مفتوحة للنظر إلى ما وراء العقوبات، لكن ذلك يتطلب تغييراً هائلاً من طهران. و"نأمل أن نتمكن من إيجاد وسيلة للمضي قدماً لكن الأمر سيتطلب تغييراً هائلاً من جانب النظام الإيراني". وفي ذلك إعادة تأكيد لقبول التعامل مع إيران، بل واستمرار النظام، في حال رضوخه.

-      "القادة الإيرانيون لاعبون سيئون ... الرئيس عازم على حملهم على "التصرف كدولة عادية".

ومع انطلاق العقوبات أعاد ترامب موقفه الحاد، هذه المرة تجاه كافة الدول التي تتعامل مع إيران، لتأكيد صرامة التوجه الأمريكي، من خلال: "إن كل من يجري معاملات مع إيران لن يجري معاملات مع الولايات المتحدة".

وفي ذلك تكرار لمبدأ بوش الابن (من ليس معنا فهو ضدنا)، لكن ترامب أكثر حدة في تطبيق مواقفه غالباً، لذا فإن المشهد الدولي مفتوح على ما هو أبعد من العقوبات على إيران، بل يرتبط بالاقتصاد الدولي.

لكن كان لترامب كذلك ملاحظة أخرى، تؤكّد –حتى الآن- عدم رغبة ترامب بإسقاط النظام الإيراني، حيث يقول: "نحضّ كل الدول على أن تتخذ مثل هذه الخطوات، لعلّ النظام الإيراني يواجه بوضوح خيار: إما أن يغير سلوكه المهدِّد والمثير لعدم الاستقرار ويعاود الاندماج بالاقتصاد العالمي، أو يواجه استمرار مسار العزلة الاقتصادية".

 

ب-تطورات الموقف الإيراني:

كما فعلت الولايات المتحدة بتقديم خطابين متكاملين ومترافقين، يشمل التهديد وفرض الشروط مع خطاب المكافآت الذي يشمل لقاء بترامب وإعادة دمج النظام الإيراني بالاقتصاد العالمي، فإن إيران أيضاً كان لها مستويين من الخطاب، أحدهما تصعيدي، والآخر يبحث عن مخارج من هذه الأزمة.

فمن الطبيعي أن يكون لإيران، خطاب رد فعلي، ذي سمة أيديولوجية، يحفظ للنظام بعضاً من مكانته في الداخل الإيراني وبين حلفائه، وقد بدأ هذا الاتجاه قبيل أيام من دخول العقوبات حيز التنفيذ، حيث صعّد بهرام قاسمي من حدة خطابه حيث قال: "نظراً للإجراءات العدائية التي قامت بها أمريكا ضد إيران لن تكون ثمة إمكانية للتحاور معها وأن أمريكا أثبتت أنه لا يمكن الثقة بها يوماً بعد يوم".

لكن وفي ذات اليوم، كانت تصريحات قاسم سليماني، أحد أشد صقور النظام الإيراني تعنتاً، كانت أقل حدة بقليل، وتحمل إمكانية قيام جولات تفاوض بين الطرفين، وبما يحمل رسالة بأن الحرس الثوري على استعداد لذلك، حيث قال: للمفاوضات شروط والتزامات لم نشهدها في سلوك وتصريحات الرئيس الأمريكي ومسؤولي بلاده"، وحدّد سقفاً أقل حدّة للشروط الإيرانية، تمثل في:

-      احترام حقوق الأمة الإيرانية.

-      خفض التصرفات العدائية.

-      عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي.

هذا التوجّه الذي يدمج المسارين معاً، التصعيد والتهدئة، كان واضحاً قبل ساعات من دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ، في خطاب حسن روحاني، مع محاولة إلقاء اللوم على الولايات المتحدة فيما يشبه خطاب مظلومية دولية سيتكرر. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال النقاط التالية التي أتت في الخطاب:

-      الولايات المتحدة تعاني من العزلة على مستوى العالم وستندم على فرض عقوبات على إيران.

-      طهران قد تجري محادثات مع الولايات المتحدة إذا أثبتت واشنطن أنها جديرة بالثقة.

-      نفضل دائماً الدبلوماسية والمحادثات ... لكن المحادثات تتطلب الأمانة ... الولايات المتحدة تعيد فرض العقوبات على طهران وتنسحب من الاتفاق النووي (الموقع في 2015) ثم تريد إجراء محادثات معنا.

-      دعوة ترامب لإجراء محادثات مباشرة للاستهلاك المحلي فحسب في أمريكا… ولإثارة الفوضى في إيران.

هذه النمط من التصريحات المتأرجحة، استمر مع جواد ظريف، مع تصعيد التهديد غير المباشر، بمنع دول الجوار من تصدير نفطهم، من خلال تأكيده على النقاط التالية، بعد دخول العقوبات حيز التنفيذ:

-      إيران ستواصل التزامها بالاتفاق إذا استمرت بتلقي فوائد اقتصادية.

-      الولايات المتحدة لن تتمكن من منع إيران من تصدير النفط.

-      إذا أراد الأميركيون الاحتفاظ بهذه الفكرة الساذجة والمستحيلة فعليهم أيضاً أن يدركوا عواقبها، فلا يمكنهم التفكير في أن إيران لن تصدر النفط، وأن آخرين سيصدرون.

ثم يعود ظريف للحديث عن تقبل الوساطة واستعداد بحث المبادرات التي يطرحها الآخرون، وذلك في معرض تطرقه لمبادرة عمان بالتوسط، ويمكن ملاحظة مستوى انخفاض خطاب ظريف مباشرة، من خلال النقاط التالية:

-      نقدّر المبادرات التي طرحتها بعض الدول، لا سيما سلطنة عُمان، للتوسط بين طهران وواشنطن في إطار الجهود الرامية للحد من تصاعد الأزمة.

-       طرح مثل هذه المقترحات طبيعي؛ نظراً لتوقف العلاقات الرسمية بين البلدين، ولا شك أن دول المنطقة، لا سيما سلطنة عُمان التي تتحلى بالحكمة، ترغب في القيام بمبادرة تحول دون تصاعد الأزمة.

-      هدف إيران "الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة من جهة، وإصلاح العلاقات مع السعودية والإمارات والبحرين من خلال إجراء الحوار".

أي أن ظريف يحاول أن يقدم طرحاً جديداً، يتضمن إعادة بناء العلاقات الإقليمية مع دول الخليج العربي، وهي إشارة غير مباشرة إلى البحث عن تفاهمات إقليمية. لكنها لم تتضمن أية إشارة إلى تقديم تنازلات، وخصوصاً في موضوع التدخل في اليمن أو في شؤون دول الخليج العربي.

وخصوصاً أنه أشار إلى أنه ليس لديه "شروط مسبقة" لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، لكنه كذلك أشار إلى خطاب تحدٍ آخر حين قال إنه يمكن لبلاده الاعتماد على الصين وروسيا في مساعدة قطاعي النفط والمصارف فيما تصعد الولايات المتحدة العقوبات في الأشهر المقبلة.

وبالطبع سيستخدم ظريف، ما يمكن تسميته خطاب المظلومية الدولي لدى إيران، ومحاولة إظهار أن إيران ملتزمة بالاتفاقيات الدولية، وأن مسببات الأزمة تكمن لدى الولايات المتحدة. وذلك من خلال النقاط التالية التي أتى على ذكرها:

-      الولايات المتحدة لم تكن تحظى بالمصداقية أبداً.

-      تصرفات وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعائية ليس إلا.

-      الرئيس الأمريكي لا يكترث بالشعب الإيراني والتعهدات الدولية.

-      هدف ترامب هو معاداة الشعب الإيراني؛ لأن أول عقوبة فرضها ضدنا كانت تتعلق بطائرات نقل الركاب التي كان من المقرر تسليم 200 منها إلى إيران.

-      المشكلة ليست في إجراء المفاوضات معها، بل في مدى الثقة بنتيجتها؛ لأنه لا يوجد أحد يرغب في الدخول في مفاوضات عديمة الجدوى ومتوترة تضيع الكثير من الوقت.

-      إلى أي حد يمكن الوثوق بالتزام الولايات المتحدة بنتائج المفاوضات التي قد يتم التوصل إليها؟ لا سيما أن هناك اتفاقاً يعتبره العالم بأجمعه بأنه اتفاق جيد، ويتمتع بآليات تنفيذية، لكن واشنطن انسحبت منه.

 

سمة أخرى يمكن أن نطلقها على الخطاب الإيراني ستمتد في المرحلة (أغسطس-نوفمبر)، وهي سمة تلقي الصدمة ومحاولة التماهي معها، من خلال التحشيد الدولي، سواء على المستوى الأوروبي، وكان لروحاني جولة بخصوص ذلك، أو من خلال العمل مع الحلفاء الصينيين والروس، وما سيقدمه الإيرانيون لهم من تنازلات غير علنية، وأسعار تفضيلية.

خطاب تلقي الصدمة سيتسم طيلة هذه الفترة بالشد والجذب مع الولايات المتحدة علناً، وذلك في انتظار نتائج كل مما يلي:

-      نتيجة المواقف الدولية من استيراد النفط والشراكة التجارية والاستثمارية مع إيران.

-      نتيجة الضغوط الدولية على ترامب لتغيير موقفه.

-      نتيجة المفاوضات السرية الإيرانية مع الولايات المتحدة.

-      نتيجة الاحتجاجات الإيرانية في الداخل ومستوى تطورها.

-      نتيجة المتغيرات الإقليمية، وحجم تأثيرها سلباً أو إيجابياً في المشروع الإيراني الإقليمي (تطورات العراق تؤثر سلباً، فيما تطورات سورية ولبنان تؤثر إيجاباً، في حين أن اتجاه تطورات اليمن ينحو باتجاه آثار سلبية على إيران)، حيث أن هذه البيئة هي بيئة تبادل مصالح سيتم تفعيلها بعد تقييم النتائج الأخيرة.

 

ثالثاً: مواقف أبرز الدول تجاه العقوبات الجديد

أحد أبرز محددات الدول في موقفها من العقوبات الأمريكية، هو حجم وارداتها النفطية من إيران، إلى جانب محددات أخرى، تقوم على:

-      الاستثمارات والتجارة البينية.

-      الموقف من الولايات المتحدة، وما تعتبره بعض الدول حرباً تجارية دولية.

-      الخشية من ارتفاع حاد في أسعار النفط، حتى لو توفّر مصدر آخر غير إيران.

-      مواقف سياسية.

شكل رقم (2)


شكل رقم (3)


لكن عموماً، من المبكر جداً، تقييم مواقف غالبية دول العالم تجاه العقوبات الأمريكية، ومدى التزام هذه الدول بها، إذ إنها ما تزال في طور محاولة الحصول على إعفاءات أو مخارج تقيها العقوبات، وفي مرحلة تقييم المخاطر/المكاسب، وتقييم تطورات المشهد الدولي. أي أن غالبية الدول تحاول حتى الأن عدم الالتزام بالعقوبات دون التصادم مع الولايات المتحدة.

ولكن خلال الأيام/الأسابيع القادمة، سيتضح موقف الولايات المتحدة، وحجم الإعفاءات التي ستمنحها (إن كانت ستمنح أية إعفاءات وهو أمر مشكوك فيه)، حينها يمكن ملاحظة التغيير في سلوك الدول تجاه إيران والولايات المتحدة، أو الثبات على مواقف وتصريحات أولوية لا يمكن الاعتداد بها بشكل مطلق. ونسجل فيما يلي مواقف أبرز الدول التي أعلنت أنها لن تلتزم بالعقوبات، أو أن موقفها غير واضح تماماً.

 

الاتحاد الأوروبي:

عبّرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا، عن "الأسف العميق" للخطوة الأمريكية، وتعهدت بمواصلة التزاماتها المقررة في الاتفاق، وقد أصدر وزراء خارجية كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا ومسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي بياناً مشتركاً (7 أغسطس)، يقول إن الاتفاق النووي مازال سارياً، وهو "حيوي" للأمن العالمي.

كما كشفوا عن تفعيل قانون يعرف "بقانون المنع" يسعى لحماية الشركات الأوروبية التي تتعامل مع إيران من أثر العقوبات الأمريكية.

وأشاروا في بيانهم المشترك إلى أنهم: "مصممون على حماية الشركات الاقتصادية الأوروبية التي تعمل في مجال الأعمال المشروعة مع إيران ... الحفاظ على قنوات مالية فعالة والحفاظ عليها مع إيران، واستمرار تصدير إيران للنفط والغاز".

ووفق مساعدة مدير السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فإن الاتحاد الأوروبي سيصدر عقوبات إضافية ضد أي شركة في الاتحاد الأوروبي تخضع لضغوط واشنطن. حيث حذرت من أنه "إذا ما التزمت الشركات الأوروبية بتطبيق عقوبات ثانوية، فسوف يخضعون لعقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي". وجاءت تعليقاتها بعد بيان آخر من الاتحاد الأوروبي قال فيه إنه "سيمنع" الكيانات الأوروبية من الامتثال لتدابير ترامب العقابية.

 

ألمانيا:

أكدت ألمانيا أنها تدعم الصادرات والضمانات الاستثمارية للأعمال الإيرانية بالرغم من الضغوط الأمريكية، وقال وزير الاقتصاد إن برلين ستواصل تقديم ضمانات للتصدير والاستثمار للشركات التي تتعامل مع إيران، موضحاً أنّ هناك حواراً مع الولايات المتحدة بشأن رفع العقوبات على تلك الشركات. (6 أغسطس)

رغم أنّ عدداً من الشركات الألمانية –والأوروبية- الكبرى انسحبت من السوق الإيرانية، وقالت رابطة غرف التجارة والصناعة الألمانية على موقعها على شبكة الإنترنت إنه في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، انخفضت الصادرات إلى إيران بنسبة 4%. إلا أن مستوى المصالح الألمانية في إيران أكبر بكثير من عدة شركات، فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، افتتحت 120 شركة ألمانية مكاتب لها في إيران، وفقاً لمجموعة الصناعة الألمانية.

وعموماً، يبدو أن ألمانيا لا تسعى للتصادم مع الولايات المتحدة، بل الحفاظ على حل وسط، حيث فرض "البنك المركزي الألماني"، قانوناً لوقف تسليم نقدي بقيمة 400 مليون دولار إلى طهران، كانت إيران تتطلع لاستلامها نقداً قبل الموجة الثانية من العقوبات الأمريكية في نوفمبر.

 

الصين:

يبقى الموقف الصيني، واحداً من أكثر المواقف الدولية تعنتاً في رفض العقوبات الأمريكية، وقالت الخارجية الصينية إن بكين تعارض دوماً العقوبات أحادية الجانب و"سياسة الذراع الطويلة". (8 أغسطس)

وسبق وأن أعلنت قبل يوم من تطبيق العقوبات، أنها ستواصل استيراد النفط الإيراني. وحسب الصحفيين، فإن بكين تبدو مستعدة لزيادة تعاونها مع إيران من خلال مشروعها العالمي للبنية التحتية، والمعروف باسم مبادرة "الحزام والطريق"، علاوة على الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة النووية الإيراني. ويذهب البعض إلى أن الصين قد تطلب خصماً على سعر النفط حال استمرارها في شرائه.

وقد يمهد التفاعل الصيني مع إيران الطريق أمام الآخرين كي يحذو حذوهما، الأمر الذي من شأنه أن يقوض حملة الضغط الأمريكية، ويمكن تسجيل جملة نقاط أخرى في الموقف الصيني:

-      الإعلان عن مواصلة العمل لحماية الاتفاق، والعمل على دعوة كل الأطراف المعنية به إلى التحلي بالمسؤولية.

-      اعتبار خطة العمل الشاملة المشتركة لتسوية قضية البرنامج النووي الإيراني صفقة مشروعة وضرورية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

-      تنوي بكين التمسك بشدة بتنفيذ ما عليها من التزامات في إطار هذا الاتفاق.

-      أبلغ وزير الخارجية الصيني، نظيره الإيراني، عبر الهاتف، بأن تنفيذ الاتفاق لم يتعطل لكنه ربما يواجه بعض العوامل المعقدة الجديدة.

وتقوم النزاعات التجارية الحالية بين الصين والولايات المتحدة، كعامل إضافي محفز للموقف الصيني، في تصعيد مُواجِهٍ للتصعيد الأمريكي، وخصوصاً أن الصين ستكون أكبر المتضررين من نقص وارداتها النفطية، أو ارتفاع أسعارها، عدا عن مكانة إيران في مشروعها الاقتصادي العالمي (الحزام والطريق).

ولتأكيد هذا التوجه، كشف مدير الاستثمار في الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية في إيران، عن اتفاق مع كونسورتيوم آسيوي (صيني-فلبيني) لاستثمارات تقدر قيمتها بنحو 7 مليارات دولار في صناعات البتروكيماويات. (6 أغسطس، CNN)

ووفقاً لـ بياتريس مانيشي، مستشارة في منظمة الأمن والتنمية الاقتصادية الإيرانية-الأمريكية العالمية/هولندا: "ربما يواجه الروس والصينيون الولايات المتحدة ويواصلون العمل مع طهران ... أرى أن هذا الأمر ممكن جداً مع الصين في ضوء الحرب التجارية الحالية، والأثر الاقتصادي للعقوبات المحسوبة الخاصة بها ... في حين أن اقتصاد روسيا ليس قوياً جداً فيما يتعلق بالشريك التجاري، ولن يساعد إيران على هذا القدر من الجهد لتخفيف ثقل العقوبات الأمريكية".

 

روسيا:

في 17 يوليو، صرح الرئيس الروسي، عقب لقاء القمة الروسية–الأمريكية في هلسنكي، بأنه سيكون من المؤسف أن تتوقف خطة العمل المشتركة الشاملة حول البرنامج النووي الإيراني، وأن الموقف الروسي سيبقى دون تغيير.

ولاحقاً، اتهمت روسيا، الولايات المتحدة بمحاولة نقض الاتفاق النووي مؤكدة مواصلة موسكو التزامها بالاتفاق.

ووفق السفير دينيس روس، فإن طهران قد تلجأ للتفاوض مع الولايات المتحدة من خلال روسيا، حفظاً لماء الوجه، لتؤدي روسيا دور صانع السلام في تلك المحادثات.

 

الهند:

أعلنت استمرار استيرادها للنفط الإيراني، ووفق دينس روس، فإنها من المحتمل أن تدفع بالروبية فقط، وهي عملة يصعب تداولها في السوق العالمية.

وأشارت صحيفة "فايننشال إكسبرس" الهندية، إلى إن الوضع قد تغير اليوم، وإن إضعاف العلاقات مع إيران سيكلف الهند الكثير استراتيجياً واقتصادياً، وقالت "لو كان طلب واشنطن من نيودلهي بشأن وقف استيراد النفط من إيران شرعياً أو يحظى بشيء من الدعم الدولي، لكانت الهند تواجه مشاكل وتحديات كبرى في مخالفته لكن الظروف قد تغيرت الآن". واعتبرت أن إيران المصدر الأكبر للنفط إلى الهند. (ارنا، 6 أغسطس)

وهو اتجاه أكدته وزيرة خارجية الهند، بأنها مستمرة بالتعامل مع إيران رغم العقوبات الأمريكية، مؤكدة أنها لا تعترف إلا بالقيود التي تفرضها الأمم المتحدة. ترافق هذا الموقف بارتفاع واردات الهند الشهرية من النفط الإيراني بنحو 30%، مع زيادة واردات شركات التكرير الحكومية قبل سريان العقوبات الأمريكية في نوفمبر.

إلا أن وكالة "رويترز"، أشارت في تقرير لها، إلى أن وزارة النفط في البلاد طلبت من شركات التكرير أن تستعد لخفض كبير في الواردات من النفط الإيراني بداية من نوفمبر المقبل، وهي أول إشارة إلى أن نيودلهي قد تستجيب للضغط الأمريكي لقطع العلاقات التجارية مع إيران.

 

تركيا:

تعتبر كذلك من أكثر الدول تعنتاً ورفضاً لتطبيق العقوبات الأمريكية على إيران، لعدة أسباب:

-      حجم الاعتماد التركي على النفط والغاز الإيرانيين.

-      حجم الشراكة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بينهما.

-      التوترات السياسية المستمرة بين تركيا والولايات المتحدة.

-      الخشية من ارتفاع أسعار النفط، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج التركي، وتراجع قيمة الليرة.

وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أكد في وقت سابق (قبل سريان العقوبات)، على موقف بلاده الرافض للعقوبات الأمريكية، وقال عقب تحذير وفد أمريكي من تعرض الشركات التركية لمخاطر تجارية كبيرة إذا استمر تعاملها مع إيران بعد تطبيق العقوبات:

"قلنا للوفد القادم من الولايات المتحدة، إننا لن نشارك في العقوبات المفروضة على إيران. نحن لا نرى أن هذه العقوبات صحيحة ... تركيا ستتضرر إذا قاطعت إيران ... نحن نحصل منهم على النفط وبشروط مناسبة لنا. من أين سنحصل على النفط إذاً؟ ما هو الخيار؟ أنتم تتحدثون من بعيد، ونحن لن ننصاع لذلك ... أوضحنا لهم أن تركيا لن تطبق هذه العقوبات، وقلنا إننا لا نرى العقوبات على إيران صحيحة".

فيما أكد وزير الطاقة التركي، أن تركيا ستواصل شراء الغاز الطبيعي من إيران تماشياً مع اتفاق توريد طويل الأمد: "إن عقد التوريد الطويل الأجل مع طهران ينص على كمية قدرها 9.5 مليار متر مكعب، يسري حتى عام 2026". (8 أغسطس)

وعاد وزير الخارجية التركي، لتأكيد رفض تركيا قطع علاقاتها التجارية مع إيران أو وقف استيراد النفط والغاز منها على خلفية أي قرار أميركي آحادي بمنأى عن مجلس الأمن الدولي لاستئناف معاقبة إيران.

 

العراق:

كان من الطبيعي أن ترفض الدول التي تخضع للنفوذ الإيراني (العراق، سورية، لبنان)، الامتثال للعقوبات الأمريكية، حيث طالبت وزارة الخارجية العراقية المجتمع الدولي بالتدخل من أجل دفع الإدارة الأمريكية للتراجع عن قرارها بتجديد العقوبات الاقتصادية على إيران.

وقال رئيس الجمهورية العراقي، إن ظروف العراق وطبيعة علاقاته مع إيران تجعل من الصعب الالتزام بتنفيذ العقوبات التي تفرضها واشنطن على طهران: "العراق يجب ألا يكون مع طرف ضد طرف أخرى في الصراعات الموجودة حالياً". (6 أغسطس)

إلا أن العبادي، حاول أن ينحى منحاً وسطياً، من خلال التلميح بإمكانية الالتزام بالعقوبات، رغم أنه غير قادر على تنفيذ ذلك، حتى لو كانت لديه الرغبة به. حيث قال إن العراق لا يتعاطف مع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران لكنه سيلتزم بها لحماية مصالحه: "من حيث المبدأ نحن ضد العقوبات في المنطقة، الحصار والعقوبات تدمر المجتمعات ولا تضعف الأنظمة". (7 أغسطس)

 

اليابان:

وتحاول اليابان أن تتجنب المواجهة مع الولايات المتحدة، والحفاظ على مصالحها بأقل الأضرار الممكنة، حيث قال وزير التجارة الياباني، إن اليابان ستواصل التفاوض مع الولايات المتحدة من أجل إعفائها من العقوبات المفروضة على وارداتها من النفط الإيراني، وأن اليابان أبلغت الولايات المتحدة بموقفها الأساسي لمنع إلحاق أي أذى بإمدادات الطاقة وبنشاطات الشركات اليابانية.

وما يزال موقف اليابان متردداً، ويمكن ملاحظة ذلك في تصريح وزير التجارة: "سنقوم بتحليل دقيق للحالة والتفاوض بصبر مع الولايات المتحدة لتجنب أي تأثير سلبي على النشاط التجاري الياباني".

وكذلك تصريح كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني: "إننا نراقب بعناية التأثير الذي قد يسببه الإجراء الأمريكي، ونود التفاوض مع الدول المعنية بما في ذلك الولايات المتحدة حتى لا يكون لها تأثير سلبي على الشركات اليابانية".

وفي نهاية يونيو، ذكرت وكالة رويترز أن الدول الآسيوية، التي اشترت كميات كبيرة من النفط الإيراني، كانت تحاول الضغط على البيت الأبيض في محاولة لتجنب التداعيات السلبية الناجمة عن فرض عقوبات جديدة.

إلا أن كثيراً من الآراء، تذهب إلى أن اليابان ستلتزم بالعقوبات الأمريكية، وستعمل على إيجاد موردين آخرين للنفط لها، وغالباً من خلال حلفاء الولايات المتحدة.

 

وفيما أعلنت كوريا الجونية نيتها بالالتزام بالعقوبات، تبقى إسرائيل أكثر الدول تأييداً لها، حيث رحب نتنياهو، بقرار الإدارة الأميركية إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران: "هي لحظة مهمة لإسرائيل والولايات المتحدة والمنطقة والعالم بأسره". (6 أغسطس)

 

رابعاً: محددات المسارات المستقبلية واتجاهاتها

بداية، نورد ملاحظة ضرورية، في مسار الضغوط الأمريكية على النظام الإيراني، حيث لا يجب التعويل بشكل مطلق على لقاءات الولايات المتحدة بالمعارضين الإيرانيين (سواء الملكيين في الولايات المتحدة، أو مجاهدي خلق في فرنسا)، وذلك نتيجة عدة أسباب، منها:

-      سوابق للولايات المتحدة في التخلي عن بعض أشكال المعارضة بعد أن أعلنت دعمها.

-      سوابق أمريكية في تصعيد التهديد ضد إيران، والتراجع عنه لاحقاً.

-      ربما تكون اللقاءات في خضم الضغط والتصعيد والتهديد، وليس في إطار بناء مشروع إسقاط النظام.

-      لم تضع الولايات المتحدة –حتى الآن- برنامجاً علنياً، أو حتى تصريحاً يؤكد هدف إسقاط النظام، بل حاول عدة مسؤولين نفي ذلك بشكل واضح، والتأكيد على أهداف أخرى.

أي يمكن القول، إنه وفق المعطيات الحالية، فإن الولايات المتحدة ما تزال في طور دراسة الخيارات التي يمكن اتباعها في حال لم تفلح أداة العقوبات في ترويض النظام الإيراني، وإخضاعه للشروط الأمريكية. فإنها ستتجه نحو حزمة سياسية-اقتصادية تشمل بناء برنامج لإسقاط النظام بشكل غير مباشر، أي من خلال دعم معارضيه.

كما أننا لا نستطيع أن ننفي أن الولايات المتحدة، قد أسست القواعد اللازمة لإسقاط النظام شعبياً، من خلال العمل على إجراءات تقوّض شرعيته، ورفعت من مستوى النقمة الشعبية ضده وضد أيديولوجيته.

وبذلك يكون النظام الإيراني داخلياً، في أضعف مراحله التاريخية أولاً، وثانياً أمام مفترق طرق، إما الخضوع فيها للولايات المتحدة، أو مزيد من الانهيار باتجاه السقوط.

المتغير الذي لم يتبين أثره بعد، هو متغير مواقف الدول الأخرى، المتضررة من الانسحاب الأمريكي، والمعارِضَة له، حيث أن إجراءاتها ما تزال إما محدودة أو قيد الدراسة.

عدا عن متغير آخر قد يُحدِث تأثيراً في هذا السيناريو، وهو مرتبط بأسعار النفط، ففي حال أدت العقوبات الجديدة إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، فإن لذلك تأثيرات في الاتجاهات التالية:

-      منافع كبرى لروسيا، وهي بأمس الحاجة إلى هذه العوائد، إلا في حال تم استهداف النفط الروسي بعقوبات أو تقييدات دولية، وهو ما سيزيد من أزمة النفط الدولية، ويعمق وجود السوق السوداء.

-      ضرر للاقتصاد الأمريكي من جهة، لناحية ارتفاع التكلفة، لكنه أيضاً سيحفز إنتاج النفط الصخري المنافس للنفط التقليدي. أي أن التأثير غير واضح بعد، وخصوصاً مع تقدم تقنيات النفط الصخري.

-      الضرر الأكبر هو للهند والصين وتركيا والدول الصناعية الصاعدة، التي ستبحث عن مصادر بديلة (ولو كانت أقل شرعية).

-      وبطبيعة الحال، فإن أوروبا متضررة من خلال خسائر شركاتها من جهة، ومن ارتفاع أسعار النفط من جهة ثانية.

-      صحيح أن المُنتِج العربي (أوبك عموماً) مستفيد من ارتفاع الأسعار، لكنه غير قادر على ضخ كميات توازن الإنتاج الإيراني (3-4 مليون برميل يومياً)، وضبط الأسعار في السوق الدولية، إلا من خلال الإضرار بمصالحه من خلال رفع سقوف الإنتاج إلى مستويات تستنزف الاحتياطي، وبأسعار متدنية. عدا عن أن الوصول إلى هذا المستويات القياسية من إنتاج النفط تتطلب استثمارات جديدة ضخمة (على فرض أن صادرات إيران ستتجه إلى 0 برميل يومياً).

وبالنتيجة، سيؤدي الارتفاع الحاد، إلى تنشيط أسواق النفط السوداء، ويمكن لإيران استخدام دول تحت وصايتها لبيع هذا النفط، مثل العراق وسورية، من خلال الإعلان المزيّف عن اكتشافات نفطية في تلك الدول (ما يتطلب توسيع العقوبات لتشمل سورية والعراق). أو أن تقوم إيران وبشكل مباشر في خرق للعقوبات، في حال كان المشتري إحدى الدول الكبرى (الصين مثلاً).

 وبغض النظر عن السعر الدولي، ومهما تم ضبطه، فإن إيران ستلجأ إلى السوق السوداء بأسعار أدنى بكثير من نظيرتها النظامية (كما فعل النظام العراقي السابق من خلال شحنات النفط بأسعار هزيلة للغاية تجاه سورية والأردن، وكما فعلت وتفعل إيران دوماً)، وستقبل إيران بأسعار هزيلة كذلك، وخصوصاً في ظل تراجع قيمة عملتها بشكل حاد أمام الدولار، أي أنه مهما كانت الأسعار متدنية فهي توفر ذات المداخيل من الريال الإيراني (نظرياً).

لكن الضرر يطال وارداتها من الدول الأخرى، التي ارتفع سعرها كذلك، نتيجة انهيار الريال، وهنا يمكن لإيران الاستفادة من تجربة المقايضة التي استخدمتها لسنوات، وخصوصاً مع الصين، حيث استوردت سلعاً دفعت أثمانها بالنفط، وهو ما جعلها تضطر إلى دفع أثمان أعلى من أثمانها الحقيقية، والقبول بسلع متدنية الجودة.

عدا عن أنه يمكن لتركيا كذلك أن تكون نافذة إيرانية، لبيع النفط، أو تسييل معاملات تجارية إلى أموال ونقلها، أو وساطة تجارية، وسوى ذلك، وخصوصاً أن لتركيا تجربة سابقة في ذلك.

ويمكن لإيران الاستفادة من عدة تجارب سابقة، وذلك من خلال:

-      بداية يمكن تقديم تنازل أولي، يتضمن فقط لقاءً بين روحاني وترامب في بلد أوربي، سواء بشكل ثنائي، أو ضمن مؤتمر يجمع أعضاء الاتفاق النووي. أو على هامش إحدى جلسات الأمم المتحدة في نيويورك، هذا اللقاء سيقدّم لترامب نوعاً من الرضا الشخصي، بأنه استطاع أن يجبر الإيرانيين على أن يجلسوا وإياه، كما فعل مع رئيس كوريا الشمالية. غير أن روحاني (وفق بعض المصادر) سبق له وأن رفض 8 عروض للقاء ترامب في العام الماضي، وهو ما يجعل هناك مشقة في تحقيق هذا الأمر.

-      الخطوة الأخرى، وهي غالباً ما ستتم، من خلال توجّه الإيرانيين إلى مفاوضات سرية (مباشرة وغير مباشرة)، ويذهب البعض، إلى أن زيارة بن علوي، وزير خارجية عمان، لواشنطن، ولقائه بوزير الخارجية الأمريكي، ربّما يحمّل مؤشراً على بدء عمان بجولة وساطة جديدة، وخصوصاً أنها صاحبة الوساطة السابقة. بهدف تقديم تنازلات (تتدرّج هذه التنازلات وفق الموقف الأمريكي)، دون الإعلان عنها. لكن ترامب يرغب في تنازلات علنية، وفق طبيعة سلوكه السائدة حتى الآن، وهو أمر صعب على الإيرانيين، وبمثابة تجرّع سم آخر، أي أنه يمكن لهم الوصول إلى هذه المرحلة، ولكن بشق الأنفس، وليس الآن ومباشرة.

-      غالباً ستقوم الدول المتضررة، بمحاولات توفيق، لحماية مصالحها، وإقناع الطرفين بالوصول إلى حلول وسط.

عموماً، يستخدم ترامب ما يعرف أكاديمياً بـ (لعبة الجبان chicken)، وهي مقتبسة، من لعبة تهور أمريكية، تقوم على مواجهة بين سائقين في مواجهة بعضهما وبسرعة متصاعدة، حيث ينسحب من هذه المواجهة في لحظة ما، الأقل تهوراً (الجبان)، وفي حال كان كلاهما بذات التهور، فإنهما سيتجهان نحو الاصطدام ببعضهما.

ووفق دليل التجارب السابقة، فإن ترامب أثبت في كافة تجاربه، أنه الأكثر تهوراً، في حين أثبتت النظام الإيراني أنه (جبان) من خلال الانسحاب في اللحظات الأخيرة (الانحناء للعاصفة).

هذا الدليل يمكن أن يقودنا، إلى مرحلة تصعيد حادة، قبل أن نشهد تراجعاً إيرانياً ورضاً أمريكياً. لكن في حال كان تراجع النظام الإيراني سيؤدي إلى سقوطه، فربما لن يذهب بهذا الاتجاه، وسيفضل سياسة الاصطدام.

المشكلة الأخرى، هي مشكلة دولية، يقودها ترامب باتجاه ما بات يسمى (حرباً اقتصادية/تجارية) تجاه كل الدول الأخرى، وعلى رأسهم حلفاؤه الأوربيون، وشريكه/منافسه الاقتصادي الأبرز (الصين)، من خلال فرض رسوم وتعريفات جديدة على التبادل التجاري، لغير صالح تلك الدول.

أي أن ترامب يقود سياسية تجذب مزيداً من المعارضين الدوليين له، لذا فإن الملف الإيراني، قد يشكل مناسبة لبداية تململ أو خروج عن النسق الأمريكي، والعمل على بناء توجهات جديدة (سياسية واقتصادية)، ليست باتجاه إسقاط النظام الدولي الحالي، بل باتجاه إحداث ضغوط موازنة على الولايات المتحدة، وهو أمر طبيعي نتيجة اشتداد الضغط الأمريكي على كثير من الدول (الاقتصاديات الكبرى).

أما السيناريوهات التي وجدتها صحيفة Washington Post، فهي أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة ترامب، ربما لن تؤدّي إلى دفع إيران إلى طاولة التفاوض كما تعتقد واشنطن، وإنما إلى التحدّي والمواجهة، بما يعمّق الأزمة بدلاً من تفكيكها. وذلك من خلال التحليلات التالية:

-      يعتقد جاريت بلان، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، أن محاولة فرض نظام عقوبات خانق على إيران دون أن يكون ذلك بالتعاون والتنسيق مع الصين سيكون صعباً للغاية، ويمكن للولايات المتحدة أن تضرّ الاقتصاد الإيراني، لكنه بالتأكيد أقلّ مما كان عليه الوضع قبل توقيع الاتفاق النووي، في 2015.

-      وفق دينا إسفندياري، المتخصّصة بالشؤون الإيرانية: "الشراكة الصينية مع إيران إذا ما نجحت فإنها ستفتح الطريق أمام الآخرين ليحذوا حذوها، وهو ما قد يقوّض الضغوط الأمريكية الجديدة".

-      يرى جايسون رزيان، مراسل الصحيفة السابق في إيران، أن النظام في طهران يعرف كيف يحتفظ بالسلطة حتى مع تزايد القلق من الحصار: "اليوم يعيش الإيرانيون تحت وطأة العقوبات، وقد ارتفعت الأسعار وتضاءلت إمدادات الأدوية وعانوا، وتحديداً الطبقة الوسطى والعاملة، من العقوبات الاقتصادية، ونمت ثروات النخبة وانتعشت السوق السوداء .... لكن رغم كل هذا لا ينبغي أن تتفاءل واشنطن بأن تلك الأمور ستدفع طهران للتفاوض والقبول بشروط الولايات المتحدة".

بالمحصلة، فإننا أمام أربعة مسارات لكل منها عوامله التي تعززه أو تعيقه، وهي:

-      المسار الأكثر سهولة: وصول الطرفين إلى نقطة وسط يمكن البناء عليها، من خلال تقديم تنازلات متبادلة.

o     هو ممكن في ظل وجود كثير من الدول التي رفضت الانصياع للعقوبات الأمريكية، وفي ظل عدة وساطات انطلقت أو ستنطلق خلال الفترة الحالية، وفي ظل أوضاع اقتصادية إيرانية متدهورة للغاية، تجعل من النظام الإيراني متقبلاً لفكرة التنازل في عدد من الملفات ذات الأهمية الاستراتيجية الأقل من سواها (الحوثيين، النووي، الصواريخ، استثمارات للولايات المتحدة).

o     وهو غير ممكن، نتيجة مستوى التشدد الذي يدفع به ترامب، ويوحي بأنه لن يقبل بتبادل مصالح، بل بفرض مصالح، وذلك بالمحصلة متوقف على المتغيرات الأخرى.

-      المسار الأكثر خطورة: وهو رفض إيران تقديم أية تنازلات، والاتجاه إلى التصعيد:

o     يعزز ذلك، مستوى الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني، وقد يدفع إلى أعلى من ذلك في حال لم يعد يمتلك خيارات أخرى.

o     يعيق ذلك، أن النظام الإيراني، ومهما حاول تصعيد الموقف الإقليمي، إلا أنه يدرك أن هذا التصعيد نهائي ولا عودة فيه، وأنه يمكن بالتالي تعجيل مشروع إسقاطه خلال فترة وجيزة.

-      المسار الأقل احتمالاً: وهو مسار خضوع النظام الإيراني بشكل شبه كامل للضغوط والشروط الأمريكية، ولن يتم ذلك، إلا في حال إدراك قادة النظام أنهم ما عادوا قادرين على أي من الخيارين: الاستمرار أو المواجهة، وأن الحل الوحيد الذي بات متاحاً أمامهم هو اللجوء إلى الولايات المتحدة.

-      المسار الدولي، وهو مسار يحتاج إلى فترة زمنية، حتى يتبلور بشكل واضح، من خلال قيام كتلة دولية تدافع عن مصالحها في مواجهة الولايات المتحدة، من خلال الملف الإيراني، أي أن هذه الكتلة تهدف إلى إحداث تغيير في بنية النظام الاقتصادي والسياسي الدولي، عبر جعل إيران رأس الحربة في هذا المشروع. هذا السيناريو، هو سيناريو حتمي تاريخي، لكن تضبطه كثير من المتغيرات، ولا يمكن التعويل عليه في الفترات القصيرة، عدا عن أنه مرتبط طرداً كذلك بطبيعة السلوك الأمريكي التصعيدي.


د. عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري