شكل النصف الثاني من عام 2017، أكثر الفترات
الزمنية حرجاً/قلقاً في التاريخ السعودي المعاصر، إبّان التحضير لنقل السلطة إلى
الجيل الثالث، والتي وإن كانت تداعياتها ما تزال متفاعلة، إلا أنّ مسببات القلق
تراجعت بشكل كبير، ويمكن وصفها بأنّها قد تحوّلت إلى تحدّيات تواجه سلطة الجيل
الثالث بقيادة الأمير محمد بن سلمان، نابعةً من مسبِّبات داخلية وأخرى إقليمية
ودولية. وهي تحدّيات قائمة بغضّ النظر عن نقل السطلة من عدمه، وبالتالي فإنّ
الأمير الشاب وجد ذاته في واحدة من أكثر المراحل التاريخية الإقليمية غير
المستقرة.
ورغم أنّ هناك العديد من الطروحات حول مستقبل
السعودية في السنوات القائمة، يحاول فيها خصوم السعودية التركيز على قيام نزاعات
داخلية (ضمن العائلة تودي بالإطاحة بحكم عائلة آل سعود)، أو تكرار طروحات نقل
مشروع الفوضى الخلاقة إلى السعودية والعمل على تقسيمها إلى عدة دول، وطروحات أخرى
شبيهة بذلك، إلا أنّها جميعاً تنطلق من خصومة سياسية أو عقائدية، عدا عن أنّها
تحاول مقاربة الوضع السعودي من منظور لا يدرك مقومات البيئة المحلية، وآليات
التفاعل بين المجتمع والسلطة في دول الخليج العربي.
ويبقى
السيناريو الأكثر وضوحاً بين جميع تلك الطروحات، هو انتقال السلطة إلى الجيل
الثالث، بقيادة الأمير محمد بن سلمان، مع تأييد شعبي واسع، ضمن ما يُطلَق عليه
"الدولة السعودية الرابعة". وإن كان ذلك لن يمرّ دون تحدياتٍ مفروضة على
السعودية داخلياً وخارجياً، تتطلّب من الأمير محمد بن سلمان: إدارة متوازنة لهذه
التحديات من جهة، وطاقماً على كفاءة عالية قادرٍ على تجاوز هذه المرحلة من جهة
ثانية، وتواصلاً مجتمعياً يعزّز ثقة المجتمع السعودي بالسلطة ويرسِّخ شرعية الدولة
الرابعة. وتتمثّل هذه التحديات في الشكل التالي:
شكل رقم (1)
أولاً-تحدّي
العائلة الحاكمة:
بلغت العائلة الحاكمة السعودية بعد وفاة الملك
عبد الله، المرحلة التي حاولت تأجيل مناقشتها لسنوات عدّة، فباستثناء الملك سلمان،
لم يعد أيّ من أبناء الملك عبد العزيز، المتبقين على قيد الحياة، مركز قوة أو ثقل
في الدولة، أو قادراً على الحكم، سواء لضعف قدرته أو دوره أو نتيجة كبر سنه. وهو
ما وضع البلاد أمام حتمية تحضير الجيل الثالث (الأحفاد)، لتولي السلطة، وذلك عبر الأميرين
محمد بن نايف ومحمد بن سلمان.
بخلاف المتبقين من الجيل الثاني حالياً، فإنّ
هناك عدة أشخاص في الجيل الثالث يشكِّلون مراكز قوة داخل العائلة وداخل الدولة،
نتيجة المناصب التي يتمتعون بها، أو علاقات النفوذ، أو الأدوار التي أدوها طيلة
السنوات الفائتة، وتحديداً أبناء عبد الله وسلطان ونايف، إضافة إلى النفوذ
الاقتصادي للأمير الوليد بن طلال.
أي أنّ
نقل السلطة إلى الجيل الثالث، كان ضمن بيئة تشهد عدّة أشخاص قادرين على تولي هذه
السطلة من جهة، وذوي نفوذ، وربّما تنافس فيما بينهم، وهو ما شكّل القلق الأكبر
للمتابعين للشأن السعودي، خشية أن يتحوّل التنافس بين مراكز النفوذ والقوة إلى
نزاع على السطلة في حال استمرّت بنية العلاقات البينية على ما هي عليه.
غير أنّ نقل ولاية العهد إلى الأمير محمد بن
سلمان، في ظلّ سلطة الملك سلمان، خفّف كثيراً من تداعيات هذه التنافسية من جهة.
وهو ما تعزّز مع إعادة تعريف مجالات النفوذ والقوّة داخل العائلة عبر حملة مكافحة
الفساد، والتي أقصت الأشخاص المنافسين سياسياً وعسكرياً واقتصادياً عن مراكز
القوة، وأعادت تشكيل المؤسّسات الحكومية الفاعلة من خلال بنية جديدة لا تسمح ببروز
مراكز قوة جديدة، إضافةً إلى الاستعاضة عن هذه الشخصيات، بشخصيات من الجيل الثالث
(وربّما الرابع أحياناً)، غير ذات نفوذ، وتدين بالولاء للملك سلمان ولولي العهد.
لم يكن هذا الانتقال سلساً، حيث أنّ العائلة
وجدت نفسها في مواجهة داخلية استمرت لأكثر من ستة أشهر، اعتُقِل فيها 381 شخصاً،
قسمٌ منهم من الأمراء ذوي النفوذ، أو وزراء ومسؤولين سابقين، ورجال أعمال داعمين
لهم. وهو ما هدّد بمواجهة داخلية، على الأقل وفق تسريبات الخصوم.
غير أنّ وجود عائلة آل سعود في السلطة منذ
القرن الثامن عشر، أعطاها وعياً كبيراً بحجم المخاطر الداخلية والعائلية، وقدرةً
على التكيّف مع تلك المخاطر وتجاوزها، دون السماح للخلافات العائلية بالتحوّل إلى
صراع علني على السلطة، يهدم مصالح العائلة والدولة.
ورغم أنّ الأشهر الأكثر قلقاً قد مرّت، إلا أنّ
نقل السلطة لم يتنهِ بعد، ولا يمكن التنبؤ باستقرار كامل في عملية نقلها، إلا بعد
مرور عدة أشهر على ذلك. كما أنّه من المفضل أن يستمر ولي العهد بتوطيد سلطته في ظلّ
وجود والده الملك السلمان، حيث أنّ وجوده على رأس المملكة في هذه الفترة
الانتقالية، يساعد في مزيد من الاستقرار داخل العائلة من جهة، ويسمح للأمير محمد
بإنجاز الملفات الأخرى ذات الأهمية العالية أيضاً.
ورغم أنه لم يظهر للعلن نزاع بين مراكز القوى
داخل العائلة، ولم يعد لهذه المراكز من مجال نفوذ سلطوي، إلا أنّه يجب الانتباه
إلى أنها تتمتع بنفوذ اجتماعي (قبلي وديني ونخبوي، وربما داخل بعض المؤسّسات
المهمة)، لا يمكن تقويضه خلال فترة قصيرة.
لا
يعني ذلك أنّ هذه الشخصيات قد تعيد تفعيل التنافس فيما بينها وبين الأمير محمد بن
سلمان، أو أن تعمد إلى التحالف فيما بينها، بل تُشكِّل هذه النقطة أهمية للنواحي
التالية:
- ضرورة إيجاد إطار جديد للعلاقات داخل العائلة،
بحيث يحفظ لها مصالحها، دون تهديد بمصادرة نفوذها أو ممتلكاتها، ضمن حملات أخرى
لاحقاً (كما فعل الملك فيصل حين أقر لها بعض المصالح).
- تحدّي ولاية العهد في حال تسلّم الأمير محمد بن
سلمان للسلطة، وهو ما يبدو غير واضح بعد، ففي حين تذهب بعض التصوّرات إلى حصر
السطلة بأبناء الملك سلمان فقط، تذهب تصوّرات أخرى إلى بناء علاقة تكاملية بين
الأفرع القوية (وتحديداً مع أحفاد السديرية: أبناء نايف وسلطان). بحيث تُمنَح
ولاية العهد لأحد من خارج دائرة أبناء سلمان، في تبادل بين الأفرع القوية (كما في
الحالة الكويتية).
- يقود التصوّر الثاني إلى تهدئة كبيرة ضمن
العائلة، وخصوصاً أن الأمير محمد بن سلمان، ما زال شاباً (32 عاماً)، وهو ما يعني
أنّ حكمه قد يمتدّ لعدّة عقود، وبالتالي هو بحاجةٍ إلى استقرارٍ ضمن العائلة من
خلال علميات استرضاءٍ لمراكز القوى داخلها.
- أي أنّ أمام الأمير محمد بن سلمان، تحدّي إعادة
صياغة البنية المؤسسية العائلية التي أسّسها الملك الراحل عبد الله، والتي تُعرَف
باسم "مجلس العائلة"، وفق رؤية جديدة، تسهم في إدارة الشؤون العائلة
وضبط الخلافات التي قد تظهر، وتقنن عمليات نقل السلطة وولاية العهد.
- الناحية الأخرى، وهو أنّ كثيراً مما يجري ضمن
العائلة لا يظهر للعلن، عدا عن أنّ كثيراً من التسريبات غير دقيقة، ومنها على سبيل
المثال تسريبات صحفية أمريكية عن خطر ضمن العائلة (بروس رايدل، توماس فرديمان)،
لذا يبقى احتمال وجود نزاع كامن ضمن العائلة قائماً، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً.
وفي حال القبول بهذا الاحتمال، فإنّ بروزه للعلن مرتبطٌ بأداء الأمير محمد بن
سلمان في الملفات الأخرى (العائلة، الاقتصاد، الهوية، العلاقات الخارجية)، وفي حال
إخفاقه أو عدم قدرته على إنجازها وفق المشاريع الضخمة عالية الطموح التي يطرحها،
ووجود تداعيات سلبية لها، قد يؤدّي إلى ملاحظة النزاع العائلي السعودي –إن كان
موجوداً-.
- يزيد من هذا التحدي، هو تَصدُّر الجيل الشاب
المراكز القيادة العليا، وإن كان ذلك يرفد هذه المؤسّسات برؤية حيوية جديدة تتناسب
مع المتغيرات العالمية، إلا أنّه كذلك يُشكِّل قلقاً لناحية ضعف الخبرة الإدارية
لهذه المؤسّسات العليا، والتسرّع بإنجاز الاستحقاقات الكبرى (الانفتاح الثقافي
والاقتصادي)، ما قد يسمح بظهور بعض أوجه القصور والخلل، التي قد تستغلها أطراف
داخلية –في حال وجود نزاع كامن-.
- أما النقطة الأخيرة في هذا التحدي، فهي
المركزية العالية التي بدأت تطغى على ملامح العهد الجديد، والتي إن كانت غير واضحة
بعد، إلا أن أُسُسَها تظهر من خلال ربط كافة المؤسّسات العليا بشخص الأمير محمد بن
سلمان مباشرة، فيما كانت هذه المؤسّسات تدار من قبل عدة مراكز قوى، وهنا الحديث
تحديداً عن وزارة الداخلية والدفاع والحرس الوطني والخارجية والمراكز الاقتصادية
في الدولة. وإن كان ذلك يؤدّي إلى تقليل أسباب الخلاف بين هذه المؤسسات، وتسريع
عمليات اتخاذ القرار، إلا أنه من جهة أخرى، يزيد من العبء على سلطة الملك (ولي
العهد الحالي).
ثانياً-التحدّي
الاقتصادي:
لا
تُشكِّل عملية نقل السلطة إلى الجيل الثالث التحدّي الوحيد في السعودية، إذ إنّ
هذه العملية تترافق مع تحدّيات عدّة في ذات الوقت، جعلت السعودية تمرّ بهذه
المرحلة الحرجة، وفي مقدّمتها التحدي الاقتصادي، الناجم عن عدّة متغيرات داخلية
وخارجية، أبرزها:
- التراجع الحاد في أسعار النفط منذ عام 2014،
والذي أدّى إلى انخفاض العائدات الحكومية، وبالتالي تجميد كثيرٍ من النفقات
الحكومية.
- تحدّي التخلص من الاعتماد (شبه المطلق) على
النفط في إيرادات الدولة، وتنويع مصادر الدخل القومي.
- تحدي تحديث بنية العمل المحلية، سواءً لناحية
زيادة حجم اليد العاملة المحلية، أو تقليل الاعتماد على العمالة الوافدة، وما يتطلّبه
من تحديث للثقافة المحلية.
- تحدي تحديث البنية التحتية وتحضيرها للمرحلة
الجديدة من الاقتصاد السعودي.
- تحدي الأزمات الإقليمية والدولية التي تضغط على
الاقتصاد السعودي: حرب اليمن، دعم الحلفاء، مواجهة إيران، تمتين العلاقات
الخارجية، جذب الاستثمارات الأجنبية.
- يترافق مع ذلك تحدّيان آخران أطلقهما الأمير
محمد بن سلمان، والمتمثِّلان برؤية 2030 لبناء اقتصاد سعودي جديد، وتحدي المشروع
العالمي "نيوم"، والذين يتطلّبان توفير موارد مالية ضخمة للغاية من جهة،
وبنية تحتية واسعة وحديثة، وأيادٍ عاملة محلية عالية التدريب. وبالتالي فإنّ هذه
الشروط غير المكتملة حالياً تُشكِّل ضغطاً كبيراً على مشروع الأمير محمد
الاقتصادي، وتدفع بعض الجهات بالتشكيك بقدرته على تحقيق ذلك في الوقت المناسب، في
حال عدم ارتفاع أسعار برميل النفط إلى مستويات عليا (طفرة نفطية ثالثة).
يُشكِّل
المشروع الاقتصادي للأمير محمد بن سلمان، أحد المحدّدات الرئيسة لشرعية سلطته
القادمة، حيث أنّ قدرته على تحقيق نسبة كبيرة من هذه المشاريع ستعزِّز سلطته في
مواجهة منافسيه المحليين من جهة –في حال وجود منافسين-، وتعزّز دوره الإقليمي
وعلاقاته الدولية، ما يعني أنّ هذه المشاريع باتت تُعتَبر المقياس الأبرز لأداء
الأمير محمد بن سلمان في السنوات القادمة.
وقد
قدّم الأمير محمد بن سلمان، مؤشِّرات على تقدّم اقتصادي من خلال موازنة عام 2018،
التي تُعتَبر أكبر موازنةٍ للإنفاق الحكومي في تاريخ السعودية، رغم هذه التحديات
السابق ذكرها، حيث:
- تبلغ النفقات 260.8 مليار دولار، أو 978 مليار
ريال، بزيادة بنسبة 10% عن عام 2017.
- في حين تبلغ الإيرادات: 208 مليار دولار، أو
783 مليار ريال، بعجز مقداره 52 مليار ريال.
- تشهد هذه الموازنة زيادة في كلا شكلي الإيرادات
(النفطية وغير النفطية). لكن ما تزال السمة الأبرز هيمنة الإيرادات النفطية بنسبة
63% عام 2018، بانخفاض محدود للغاية لا يتجاوز 0.5% عن عام 2017.
- عدا عن أنّ الارتفاع في الإيرادات غير النفطية
متأتٍّ في معظمه من الرسوم والضرائب الجديدة المفروضة، وليس ناتجاً عن تنويع
اقتصادي.
كما أنّ الطموح الاقتصادي الذي يسعى إليه
الأمير محمد بن سلمان، يواجه على المدى القصير والمتوسط تحدّيات محلية تبرز من
خلال تحدي التوطين، أو تعزيز وتوسيع دور العمالة المحلية على حساب العمالة
الوافدة، لأهداف من أهمها: الحفاظ على دورة رأسمال المال ضمن السعودية وعدم تسربها
إلى دول العمالة الوافدة، والقضاء على البطالة المتزايدة في السوق المحلية، والتي
قد تُشكِّل تحدياً سياسياً في حال استمرت، عدا عن عبئها الاقتصادي على الإنفاق
الحكومي، إضافة إلى بناء ثقافة سياسية-اقتصادية-اجتماعية جديدة، تتناسب مع
المعطيات الخارجية. وهو ما يقود إلى التحديات التالية:
شكل رقم (2)
- ربّما تشهد عملية التوطين في المديين القصير
والمتوسط، تراجع أداء المؤسّسات الخاصة (وهي المقصودة بعمليات التوطين)، وذلك
نتيجة ضعف كفاءة/خبرة اليد المحلية مقارنة بالعمالة الوافدة، وللتدليل على ذلك،
يمكن الاسترشاد بأداء المؤسسات الحكومية التي شهد معظمها عمليات توطين مبكرة، أدى
إلى تراجع أداء قسم كبير منها، إمّا نتيجة نقص الكفاءة، أو التسرّب الوظيفي، أو
نتيجة عدم كفاية الطاقم الوظيفي.
- إضافة إلى أنّ عملية توطين (سعودة) الوظائف في
القطاع الخاص، ستؤدّي في المرحلة الأولى، ونتيجة إلزام الشركات بهذه العملية من
قبل الدولة (تدخّل الدولة في القطاع الخاص)، إلى إجبار مؤسّسات القطاع الخاص إلى
تقديم أجور أعلى من تلك التي تُقدّم للعمالة الوافدة (ارتفاع تكاليف التشغيل)،
وبالتالي انخفاض تنافسية هذه المؤسّسات. وفي حال تكفّلت الحكومة بالزيادة المقرّرة
للأجور (كما هو معتمد حالياً)، فهو يشكِّل استنزافاً آخر للنفقات الحكومية، لا
تحتمله الإيرادات الحالية.
- عدا عن أنّ إجبار المؤسسات الخاصة على رفع أجور
اليد العاملة (المحلية)، بهدف استقطابها بديلاً عن العمالة الأجنبية، سيضغط على
القطاعات الحكومية لرفع أجورها للحفاظ على كادرها، وخصوصاً أنّ هناك نفوراً من بعض
الوظائف الحكومية باتجاه القطاع الخاص أو المشاريع الفردية ذات الربحية الأعلى
(على سبيل المثال: تشهد السعودية نقصاً ملحوظاً في القضاة، نتيجة تفضيل الخريجين
الجدد التوجّه نحو مهنة المحاماة ذات الدخل المرتفع).
- كما أنّ ارتفاع الأجور والرواتب، سيؤدّي إلى
تضخّم في الأسعار الضرائب، ما يقود إلى تآكل هذه الرواتب، والضغط على تنافسية
القطاع الخاص وجودة المنتج المحلي مرة أخرى.
- في حين أنّ رؤية الأمير محمد بن سلمان، تقوم
على اقتصاد متنوّع، للقطاع الخاص دور كبير فيه، فإنّ الحفاظ على التنافسية ضرورة
يجب أخذها بالاعتبار، حيث تُشكِّل عامل الجذب الأول والأهم للمستثمر الأجنبي. وهنا
لابدّ للسعودية من تحديث حقيقي وكبير في قانون الاستثمار الأجنبي، الذي لم يُثبِت
فعاليته طيلة السنوات السابقة، واقتصر على بعض الشركات العالمية الكبرى، في حين لم
يكان جاذباً لكثير من المستثمرين الأدنى من ذلك.
- وفي هذا الإطار، لابدّ من العمل على تحديث
الثقافة الاستهلاكية للمجتمع السعودي، والتخلّي عن نمط الرفاهية المفرطة، باتجاه
التقليل من النفقات، والتوجّه نحو الادخار والاستثمار، سواءً لتعزيز السوق المحلي،
أو لناحية إسناد الحكومة في مشروعها التحديثي، وتحميل المواطن مسؤوليته في إعادة
بناء الاقتصاد الوطني، بعيداً عن الاعتماد على الإنفاق الحكومي (السلطة الأبوية).
ولعملية توطين/سعودة سوق العمل السعودي، تحدّيات
اجتماعية وسياسية لابدّ من مراعاتها، وأهمّها:
- التحدّي السياسي: وهو أنّ السوق السعودي يختلف
عن الأسواق الخليجية، لناحية اعتباره مجالاً لبناء نفوذ/شرعية سياسية-اجتماعية داخل
الجاليات الوافدة، وتحديداً العربية والإسلامية، والتي طالما كانت مسبِّباً في نشر
الثقافة السعودية من جهة، وداعماً لدور السعودية الإقليمي. وفي حال فقدان السعودية
لهذه العمالة (أو لقسم كبير منها)، فإنها ستفقد جزءً من دور هذه العمالة السياسي-الاجتماعي.
- التحدي الاجتماعي الآخر، يتعلق بالبيئة
المحلية، والتي تحتاج إلى تطوير ثقافة العمل بين الشباب السعودي، ففي حين بات من
الطبيعي عمل الشباب السعودي في القطاع الخاص والمهن اليدوية في المناطق الشرقية
والغربية خصوصاً، إلا أن الأمر أصعب في مناطق الثقل القبلي (نجد والشمال) تحديداً،
حيث تفضل فئات الشباب في هذه المناطق الاعتماد على الوظائف الحكومية وتبتعد عن
القطاع الخاص. وتشهد مناطق نجد (الرياض ومحيطها) نزوح شباب مناطق أخرى من السعودية
إليها للعمل في هذه المهن التي يترفّع عنها شباب المنطقة، ما يعني نقص اليد
العاملة في المناطق الأخرى من جهة، وتشكيل ضغط سكاني على العاصمة ومحطيها من جهة
ثانية، واستمرار الفارق الحضري بين العاصمة والأطراف.
- ربّما يشكل دخول النساء إلى سوق العمل عاملاً
مهّماً لتنشيط السوق المحلية من جهة، والاستعاضة عن اليد العاملة الأجنبية من جهة
أخرى، وتعويض عزوف الشباب الذكور عن بعض المهن من جهة ثالثة. لكن لابدّ من تعزيز
دور المرأة من خلال مراكز التدريب والدورات عالية الكفاءة حتى تكون المرأة
السعودية على قدر هذا التحدي. مع تحديث التشريعات التي تُيسِّر عمل المرأة وتحميها
في بيئة لم تعتد ذلك بعد.
- أمّا التحدي الأخر في عمليات التحديث
الاقتصادي، والذي يسير على النمط الغربي الليبرالي، وهو تحدي اللبرلة السياسية،
بمعنى اقتران المسار الاقتصادي بالمسار السياسي لاحقاً، وخصوصاً مع تحميل المواطن
مسؤوليته في البناء الاقتصادي الوطني. ما يستلزم في مراحل لاحقة (على المدى المتوسط)،
البدء بإجراءات انفتاح سياسي، وتقرير حقوق وحريات سياسية تكاد تغييب بالمطلق عن
المشهد السعودي حاليا. وهو ما يجب أن تدركه السلطة السعودية، حيث سيكون مدخلاً
لقوى محلية وخارجية للضغط على مشروع التحديث.
عموماً، إنّ المشروع الاقتصادي الطموح للأمير
محمد بن سلمان، في إنشاء اقتصاد مختلف كلياً عمّا كان سائداً في نصف القرن الفائت،
يُعتَبر واحداً من أهمّ المشاريع الإقليمية من جهة، ومؤشِّراً مهّماً على حجم
العمل الذي يسعى إليه، وخصوصاً أنّه مترابط ووثيق الصلة بكافة الملفات الأخرى،
وذلك من خلال الشكل التالي:
شكل رقم (3)
ثالثاً-التحدّي
الثقافي (تحدّي تحديث الهوية السعودية):
يعتمد مشروع الأمير محمد بن سلمان، على ركيزةٍ
ثالثةٍ تنطلق من تحديث البيئة الثقافية المحلية، وصولاً إلى تحديث الهوية السعودية
بالإجمال، وإن كانت تعتمد على ذات المقوّمات الأساسية (الإسلام السني، القبلية، العروبة،
الهوية الخليجية)، إلا أنّ مشروع الأمير محمد بن سلمن يمتدّ إلى بناء ثقافة أكثر
توافقاً مع البيئة العالمية من جهة، وأكثر قبولاً وانتشاراً، وأكثر مواءمة للجيل
الشاب، وخصوصاً أنّ الحاضن الأساس لمشروع الأمير هم الشباب والنساء، أي أكثر من
ثلثي المجتمع السعودي.
إنّ
تحديث الثقافة السعودية، يشهد عدّة تحديات بدوره، وأبرزها:
- دفع بعض القوى إلى الانفكاك عن الهوية الدينية،
في حين ما تزال السعودية بيئة محافظة تضمّ مراكز قوى دينية تقليدية ترفض هذا
الانفكاك. وهنا تأتي ضرورة إحداث توازن بين المشروعين التحديثي والمحافظ، بحيث لا
يؤدي إلى تهديم الأساس الديني الذي هو عماد الغالبية العظمى من السكان، إنما نبذ
الأشكال المتطرّفة منه، وعدم السماح لها ببناء حواضن اجتماعية، أو تحريض فئات ربّما
تتضرر في المرحلة الأولى من عمليات التحديث الاقتصادي والسياسي.
- في ذات الاتجاه، يجب عدم السماح ببروز
الأشخاص/الجهات الدافعة للانفكاك عن الهوية الدينية (وأحياناً بشكل استفزازي)، حيث
أن تزايد المساحة المعطاة لهم قد يوحي بأنّ مشروع الأمير يواجه الهوية المحافظة
للمجتمع، وهو ما قد يسمح لبعض الأطراف المحلية أو الخارجية بناء حاضن اجتماعي
مواجهةٍ لمشروع الأمير محمد بن سلمان التحديثي.
- عدا عن أنّ بروز أصوات تطالب بالانفكاك عن
البعد الديني يؤدي إلى إحداث خلل كبير في الدور السعودي الإقليمي، ففي حين أنّ
السعودية باتت الممثّل الأبرز للإسلام السني في مواجهة إيران (ممثل الإسلام
الشيعي)، فإنّ تراجع السعودية عن أدوارها الدينية –ولو ظاهرياً- يسمح لإيران
بالتمدّد أكثر فأكثر من جهة. عدا عن أنّ التخلي عن أدوار دينية يعني التنازل عنها
لقوى إقليمية أخرى، وتحديداً لتركيا، التي تبحث عن شرعية دينية في العالم العربي
تبرّر توسيع مشروعها. وخصوصاً أنّ مصر قد فقدت كثيراً من شرعيتها الدينية في
العالم العربي.
- من تحديثات الهوية المطلوبة في السعودية، هو
التخفيف من الخطاب القبلي (التعصّبي)، وخصوصاً في مرحلة التحديث القادمة، حيث أنّ
المطلوب هو بناء خطاب هوية تكاملي، وليس استعلائي من فئات على أخرى، حيث أنّ مشروع
التحديث يتطلّب تكامل كافة الفئات والشرائح المجتمعية لإنجاز ما هو مطلوب منها
باعتبار الجميع مواطنين على قدم المساواة. عدا عن أنّ تحديث الخطاب الهوياتي بهذا
الشكل يُعزّز من شرعية الأمير محمد في الداخل السعودي، وخصوصاً في بعدها الإنساني
والاجتماعي.
- أما الشكل الآخر من التحديات الثقافية، فيتمثل
بتحدّي دور المرأة الاجتماعي، والذي وإن كان قد تمّ إطلاقه منذ زمن الملك الراحل
عبد الله بن عبد العزيز، إلا أنّه كان بوتيرة بطيئة، ومراعية للبيئة المجتمعية
المحافظة، لذا لابدّ من الانتباه للسرعة التي ينطلق بها هذا المشروع، حتى لا يُشكِّل
صدمة هوياتية أو ثقافية. ففي حين أن مشروع "الصدمة الاقتصادية" سيدفع
المجتمع إلى تحمّل مسؤوليته في بناء الاقتصاد الوطني، غير أنّ "الصدمة
الثقافية" تبدو أكثر خطورة، رغم انفتاح كثير من فئات المجتمع على أشكال
التحديث هذه، لكنها تعني مواجهة مع مراكز قوى اجتماعية لا يمكن حصرها أو ضبطها
بسهولة.
ما
يسند رؤية الأمير محمد بن سلمان المستقبلية اقتصادياً وثقافياً، أنّها تقوم على
عنصر الشباب، والذي بيّن استطلاع شركة ابسوس للشباب السعودي، أن 74% منهم متفائل
بشأن المستقبل. وأن أكثر مخاوفهم تتركز حول ارتفاع الأسعار والبطالة والفساد.
أما مخاوف الجيل الأكبر فتتركز حول الهوية
والثقافة والبنى التقليدية التي تمّ ترسيخها على امتداد العقود الماضية، وإن كانوا
شريحة أقل من الشباب حجماً، إلا أنّ تأثيرهم ما زال فعّالاً للغاية في المجتمع.
وعموماً،
فإنّ مشاريع التحديث الاقتصادية –ومن باب أولى الثقافية والهوياتية-، تحتاج إلى
جيل أو أكثر لإنجازها وفق الشكل المرغوب، عدا عن أنّ مشاريع التحديث غالباً ما
تكون مرنة، ومتجاوبة مع حجم الإنجاز من جهة، ومع أشكال التحديات القائمة
والمستحدثة من جهة ثانية. لذا تشهد مراجعات وتعديلات في آليّات
العمل في كل مرحلة زمنية، بهدف الوصول إلى أفضل النتائج بأقلّ المنعكسات السلبية
الممكنة. وهو ما يجب أن يكون في نصب عين القيادة السعودية، لناحية المرونة
والتعديل الدائم، والتواصل مع الجمهور، لتبرير أي تغيير، بحيث تحتفظ السلطة
بعامل الثقة المجتمعية بها من جهة، وتضمن استمرار الزخم المجتمعي المشارِك في
عمليات التحديث من جهة ثانية، وتقطع الطريق على الخصوم المحليين والخارجيين.
رابعاً-التحدي
الإقليمي:
ترتبط التحديّات السابقة بشأن داخلي، وبقدرة
الأمير على تحقيق رؤيته التحديثية للدولة السعودية، وصولاً إلى ما يتمّ طرحه من
التحضير للانتقال نحو "الدولة السعودية الرابعة"، وإن كان عامل التدخل
الخارجي فيها حاضراً إلا أنه يبقى في التحديات السابقة ثانوياً. في حين يبرز
العامل الخارجي، بشكل قوي، وربّما بشكل تهديدي، في أدوار السعودية الإقليمية
والدولية.
بالنسبة للوضع الدولي، فإنّ استقرار العلاقات
الخارجية للسعودية مع عدّة حلفاء غربيين، وتحديداً الولايات المتحدة وبريطانيا،
وتنويعها باتجاه روسيا والصين، يضمن للسعودية الحفاظ على أدوارها الدولية، ويعزّز
حضورها كذلك. وخصوصاً أنّ هذه العلاقات تتّسم باستقرار طويل المدى، وتجربة تعاون
ومصالح مشتركة تُشكِّل عامل ثقل في عهد الأمير محمد بن سلمان.
وإن كانت بعض الدول تحتفظ على بعض الأدوار
السعودية، كما فعلت ألمانيا بإيقاف مبيعات الأسلحة للسعودية، إلا أنّ ذلك لا يشكل مؤشِّرات
سلبية تجاه السعودية في البيئة الدولية.
وخصوصاً أنّ السعودية تُعدّ واحدةً من أهمّ
الدول المحرِّكة للاقتصادي العالمي، سواءً لناحية تصدير النفط، أو لناحية استيراد
السلاح والمعدّات والتكنولوجيا والسلع الاستهلاكية. أي أنّ نشطاها الاقتصادي مرتبط
ومؤثِّر في النشاط الاقتصادي العالمي، وهو ما يعطيها نقطة إيجابية لناحية حرص
القوى الاقتصادية العالمية على استقرار السعودية من جهة، لكن يضعها أمام دور عالمي
جديد من الضروري إدارته بتوازن عالٍ.
أمّا التحدّي –أو التهديد- الذي تواجهه
السعودية فيكمن في الإقليم المضطرب للغاية، وهو ما يُشكِّل عامل ضغط كبير للغاية
على مشروع نقل السلطة للجيل الثالث فيها، حيث تشهد البيئة الداخلية السعودية
تهديداً من البيئة الإقليمية، متمثلاً في:
الحرب على الميليشيا الحوثية:
والتي تمتدّ منذ عام 2015، وتشكّل استنزافاً كبيراً للاقتصاد السعودي، وعائقاً
أمام مشاريع التنمية المحلية من جهة، وأمام الأدوار السعودية في مناطق إقليمية
أخرى. وهنا لابدّ من التنويه إلى أنّ إيران تتعمد استنزاف/إشغال السعودية في
اليمن، لتبعدها عن مناطق أخرى. وتتجاوز المخاطر القائمة على الاستنزاف المالي
والسياسي الإقليمي، إلى مخاطر التهديد الذي يطال الأراضي السعودية –وما زال- من
قبل الميليشيا الحوثية، سواء نتيجة الصواريخ البالستية، أو حتّى القذائف، أو
العمليات الإرهابية.
ويؤدّي تأخّر السعودية في حسم الملف اليمني،
إلى إثارة أطراف في الرأي العام العالمي ضدّ السعودية من جهة، وإلى التشكيك
بقدرتها العسكرية وبالتالي بقدرتها على القيادة الإقليمية من جهة ثانية. عدا عن
مخاطر التململ داخل المجتمع السعودي من هذه الحرب. والتي قد تحمل مخاطر إن استمرت
لفترات أطول لناحية بروز قوى داخل الجيش السعودي، أو ضمن العائلة، أو ضمن المجتمع
السعودي، تعمل على إسقاط مشروع الأمير أو مواجهته.
وخصوصاً أنّ الحرب تستنزف كذلك الدماء
السعودية، ويحاول البعض الترويج على أنّها تتحول تدريجياً إلى (فيتنام السعودية)،
في ظل إعلام مضادّ نشط (إيران وحوثي ومتعاط معهما). عدا عن محاولات هذا الإعلام
المضادّ الترويج لارتكاب القوات السعودية انتهاكات لحقوق الإنسان، بدأت تجد بعض
التجاوب في المجتمعات الغربية.
أما التهديد الآخر المتمثل في خطر إرهاب
القاعدة والجماعات المنبثقة عنها، فيبدو أنّه انخفض إلى حدوده الدنيا، لكن ذلك
لا يعني زواله، ويبدو أنّ السلطات السعودية قد اكتسبت خبرة كبيرة في مواجهته، وإن
كانت هذه الجماعات تنجح أحياناً في ارتكاب بعض عملياتها. ولم يشكل يوماً تهديداً
للسلطة السعودية، لكن في حال عدم الحرص على التوازن المجتمعي في عمليات تحديث
الهوية السعودية، أو في حال الإضرار بالثقافة الدينية المحافظة (الصدمة الثقافية)،
فإنّ ذلك قد يُوجِد لهذه الجماعات حاضنة اجتماعية متضرّرة، تعمل على مواجهة
السلطة، لذا لابدّ من الحفاظ على التوازن التحديثي من جهة، وعدم السماح
لهذه الجماعات باكتساب بيئات من جهة أخرى.
وهنا لابدّ من مراعاة مصالح الجماعات الشيعية
التي تستخدم إيران بعض القصور الذي تعانيه هذه الجماعات في بناء حاضن اجتماعي لها
داخل السعودية، عدا عن التحريض الذي تشهده من بعض الأطراف المتشدد دينياً في
الداخل السعودي.
شكل آخر من التحدي الإقليمي، يتمثل بملف
مقاطعة قطر، والذي استطاعت السعودية إدارته –بالاشتراك مع الإمارات- بشكل ناجح
دون تهديم المنظومة الخليجية، لكن الطرف القطري –المدعوم تركياً وإيرانياً- يعمل
بشكل مكثّف على مواجهة الدول الخليجية والتحريض ضدّها. لذا لابد من حسم ملف قطر،
وعدم السماح لهذه القضية بتجاوز حدودها الزمنية، وذلك إثباتاً لقدرة السعودية على
حسم ملفاتها الخليجية، وقدرة الأمير ذاته على حراكه الإقليمي المرن، وتجاوز
الأزمات المعلّقة.
وهنا، لابد من التأكيد على أهمية التحالف
الإماراتي-السعودي، لتحقيق رؤية الأمير محمد بن سلمان التحديثية والاقتصادية
والإقليمية، حيث أنّ الطرفين يبدوان اليوم أكثر قرباً من أي وقت مضى، وتعزيز هذه
العلاقة يصبّ حتماً في مصلحة الطرفين في مواجهة خصومها، ويعزّز زعامتهما
الإقليمية.
لكن لابدّ من تسجيل نقاط أخرى على الدور
الإقليمي السعودي، وهو تراجع هذا الدور في سورية ولبنان وفلسطين، حيث تعد الساحة
(الشامية/المشرقية) تقليدياً واحدة من ساحات النفوذ السعودية، لكن تراجع الدور
السعودية، أدّى إلى تعزيز أدوار إيران وروسيا وتركيا، إضافة إلى بروز دور فاعل جديد
(الأكراد) لا ينتمي ثقافياً للمنظومة العربية، وغير متوافق معها، وإن التقت مصالحه
مؤقتاً مع بعض الأطراف العربية.
هذا التراجع –وحرب اليمن أحد أهم أسبابه- أدّى
إلى ضرب المصالح السعودية من جهة في الساحة الشامية، وتحويلها إلى ساحة مواجهة
إعلامية معها من جهة ثانية، من خلال ترويج مشاريع سعودية مضادّة لها، من قبل
الخصوم الإقليميين، ما أدى إلى الإضرار كذلك بالشرعية الإقليمية للسعودية (الحاضنة
الاجتماعية العربية).
فيما تُشكِّل استعادة السعودية لدورها في هذه
الساحة، تأكيداً لقدرة الأمير محمد بن سلمان على الخروج من الإطار الخليجي نحو
عموم العالم العربي، وهو مشروع مهم لناحية توافقه بنسبة كبيرة للغاية مع تطلّعات
الداخل السعودي، بإنهاء دور نظام الأسد وحزب الله وإيران وتركيا في هذه الدول.
أما
التهديد الإقليمي الأخير، فيتمثّل في مشاريع يتمّ تداولها بين فينة وأخرى، ترمي
إلى نقل مشروع الفوضى الخلاقة إلى الداخل السعودي، وهي مشاريع وإن كانت
قائمة منذ مدة، لكنها احتمالها ما يزال –شبه معدوم-، نتيجة افتقارها لمقومات
اندلاعها من جهة، عدا عن أن البدائل الأخرى عن الحكومة السعودية خطرة للغاية على
المصالح الغربية. لكن هذا لا يعني إهمال وجودها، وبحثها المستمر عن مداخل لتبيئة
مشروع الفوضى الخلاقة في الداخل السعودي، من خلال مداخل محلية (ثقافية، سياسية،
اقتصادية، دينية، ...).
خامساً-أبرز
الجهات الإعلامية الناشطة ضد السعودية:
لا
يمكن حصر الجهات الإعلامية (قنوات وصحف ومواقع إلكترونية ومعرفات تواصل اجتماعي
وأفراد وإعلاميين)، الناشطة ضد السعودية، حيث أنّ الفضاء الإعلامي واسع للغاية،
ويشهد مشاركة فاعلين جدد بشكل مستمر. لكن يمكن تحديد الجهات التي تقف خلف هذه
الحملات، وهي خصوم السعودية عقائدياً وسياسياً، وتتمحور في الشكل التالي:
شكل رقم (4)
حيث
أنّ عملية حصر معظمهم يتطلب تفاعلاً مستمراً، ومتابعة يومية لكافة تلك الجهات،
ورغم ذلك ستظهر جهات جديدة، لا يمكن ملاحظتها مباشرة. وعوضاً عن ذلك نقدم نماذج عن
بعض هذه الجهات:
محطات
فضائية: المنار، العالم، الميادين، NBN، التلفزيون السوري، قناة سما، قناة الدنيا، مكملين، شبكة محطات
الجزيرة، التلفزيون القطري، قناة المسيرة، قناة الحوار، تلفزيون وطن، المستقلة،
القنوات الدينية الشيعية العراقية واللبنانية ...، كما تم انتقاد قناة BBC عربي كثيراً حول برنامج مناهضة للسعودية.
صحف:
الصحف القطرية والسورية الحكومية والإيرانية، الخليج الجديد، رأي اليوم، العربي
الجديد، القدس العربي، الأخبار اللبنانية، المجد الأردنية ... وسواها.
مواقع
إلكترونية: ويصعب حصرها، ولكن بالإضافة إلى مواقع
الوسائل الإعلامية السابقة، تظهر مواقع تابعة لذات الخصوم، ويختفي بعضها ليعود
للظهور بأشكال جديدة، وعلى سبيل المثال: يمن برس، مرآة الجزيرة، المرصاد، عربي 21،
العهد، ساسة بوست، نون بوست، أفق نيوز، إضاءات، وكالة اليقين، هافنغتون بوست،
الوقت، وكالة العهد ... وسواها.
شخصيات
إعلامية وأفراد سواء من خلال مؤسساتهم أو مواقعهم أو صفحات تواصلهم الاجتماعي:
وهم كذلك يصعب حصرهم، ومن أبرزهم الواجهات الإعلامية للجهات السابقة، ومنهم على
سبيل المثال: خديجة بن قنة، غسان بن جدو، عبد الباري عطوان، أحمد منصور، جمال
ريان، نذيه الأحدب، محمد كريشان، إبراهيم
حمامي، توكل كرمان، صفحة الكاتب المصري محمد حسنين هيكل التي تدار عبر ابنه
وتلامذته، وئام وهاب، أحمد شلاش، علي الشعيبي، جمال خاشقجي، مجتهد، تركي الشلهوب،
سعد الفقيه، يحيى العسيري، خالد خوجة، عبد الحميد دشتي، أحمد كمال، نجدت أنزور ...
وسواهم.




