أوكرانيا: أمّةٌ في خطر (محدّدات وسيناريوهات العلاقات الأوكرانية-الروسية)

 

 


عانت أوكرانيا من تاريخ مضطرب خضعت فيها للقوى الدولية الطامحة إلى إعادة تشكيل النظام الدولي، وخصوصاً من قبل القوتين التاريخيتين (ألمانيا وروسيا)، وإن كانت قد استحصلت بعد انتهاء الحرب الباردة على فرصة لبناء الأمة الأوكرانية بشكل مستقل، إلا أنّ البنية الداخلية المنهكة لم تسمح لها بكثير إنجاز طيلة ربع قرن، حيث عانت من التنافسات السياسية الحزبية والهوياتية، وأزمات اقتصادية أعاقت تحديث بنية الدولة، وفساد مرتفع استنزف طاقاتها، واضطرابات "ثورية/احتجاجية"، أعادت حالة التهديد الخارجي للدولة والأمة الأوكرانية على السواء منذ عام 2014.

 

أولاً-المشهد الميداني:

شهدت أوكرانيا منذ نهاية عام 2013، أزمة سياسية احتجاجية على سلوك حكومة الرئيس فيكتور يانكوفيتش الموالية لروسيا، نتيجة عدة عوامل أبرزها:

-      حالة الفساد الاقتصادي والسياسي المرتفعة.

-      التسلطية السياسية للحكومة وارتفاع مستوى قمع المعارضة.

-      تراجع يانكوفيتش عن مشروع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لصالح تعزيز النفوذ الروسي في أوكرانيا.

أوصلت هذه العوامل الأساسية (المباشرة)، الوضع الميداني إلى احتجاجات واسعة دفعت في فبراير 2014 إلى إسقاط الرئيس وحكومته، وعودة الرئيس بترو بوروشينكو للحكم، ذي التوجهات الغربية.

وحيث اندفعت الدول الغربية إلى اعتبار ما جرى ثورة شبه دستورية تهدف إلى تحديث الدولة ومزيد من دمقرطتها، والتخلّص من التدخل الروسي، إلا أنّ روسيا بدورها اعتبرته انقلاباً يمينياً متطرفاً.

فيما أخذت هذه الاحتجاجات/الثورة، ثلاثة أبعاد أساسية:

-      بعد سياسي تمثَّل في انتقال السلطة من قاعدة إقليمية (الشرق والجنوب) إلى قاعدة إقليمية أخرى (الغرب). وهو نمط يتكرّر في أوكرانيا منذ الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي.

-      بعد هوياتي بدأ يتّخذ منحى يمينياً متطرفاً بين القوميتين الرئيستين: الروسية في الشرق والجنوب، والأوكرانية في الغرب.

-      بعد دولي تمثل في دعم القوى الغربية للقوى السياسية في غرب أوكرانيا (الإثنية الأوكرانية)، ودعم روسي للقوى السياسي في شرق أوكرانيا (الإثنية الروسية/السلافية).

أدّت هذه الأبعاد الثلاثة إلى خلق خطوط فصل هوياتية داخل أوكرانيا، بدأت في التحوّل إلى خطوط فصل جيوسياسي، وفق الانتماء الهوياتي-السياسي. وإن كان البعد الهوياتي (الإثني) قائماً في أوكرانيا، بل ومحدداً أساسياً لها على مر تاريخها، إلا أنّه لم يتخذ شكل المواجهة المسلّحة المباشرة بين القوميتين إلا منذ عام 2014، مع الدعم الروسي الواسع للإثنية الروسية في أوكرانيا. حيث ظلّ هذا البعد في خلفية مسارات الدولة الأوكرانية (أسباب غير مباشرة)، إلى حين ظهور الفرصة السياسية المناسبة لتفجرّه.

وإن كانت بعض السلوكيات التي اتّخذتها الحكومة الأوكرانية قد تسبّبت في رفع حدة الوعي الإثني-الانفصالي لدى روس أوكرانيا، من مثيل إلغاء قانون اللغة للأقليات في فبراير 2014، واعتماد اللغة الأوكرانية لغة وحيدة في البلاد، إلا أنّ بلورة هذا الوعي الانفصالي سيتطوّر مع التدخل الروسي، لتبرز على أساسه خطوط الفصل والولاءات السياسية والهوياتية.

الشكل رقم (1)

توزع الولاءات السياسية والهوياتية في أوكرانيا


ويتأكد البعد الهوياتي في أوكرانيا من خلال ثلاثة عوامل رئيسة:

أ‌-      الموقف الشعبي من الاحتجاجات التي تركّزت في المناطق الغربية، حيث لم تجد لها كثير تأييد في جنوب وشرق أوكرانيا.

شكل رقم (2)

نسبة مؤيدي الاحتجاجات في جنوب وشرق أوكرانيا (2014)


ب‌-  الموقف من الانضمام إلى المؤسسات الغربية، حيث يرتفع في الغرب، وينخفض بحدّة في الشرق والجنوب:

شكل رقم (3)

توجهات الرأي العام الأوكراني تجاه الانضمام إلى المؤسسات الغربية (2014)


ج‌-   النظرة السلبية في غرب أوكرانيا تجاه روسيا: والتي ترتفع تجاه الرئيس الروسي بوتين تحديداً، وبشكل مقارب منه تجاه الحكومة الروسية، فيما لا تظهر المشاعر السلبية تجاه الشعب الروسي إلا بشكل محدود.

 

شكل رقم (4)

المشاعر السلبية تجاه روسيا لدى مواطني غرب أوكرانيا


وقد أدّت الإطاحة بالحكومة الموالية لروسيا، إلى تدخل روسي عسكري وسياسي وإرهابي، تمثّل في:

-      تدخل عسكري روسي مباشر، على شكل احتلال لشبه جزيرة القرم (27/2/2014).

-      تدخل عسكري مباشر من خلال دخول القوات الروسية إلى منطقتي لوهانسك ودونيتسك، اللتين تم فيهما إعلان قيام جمهوريتين شعبيتين (مايو 2014)، لتثبيت الجماعات الانفصالية الموالية لها عسكرياً. قبل الانسحاب العلني، والتمركز العسكري خلف الحدود، وتحوّل العمل الروسي إلى عمل عسكري غير مباشر، من خلال تدريب وتمويل وإدارة عمليات الانفصاليين، وتزويدهم بالأسلحة الثقيلة والعناصر المقاتلة.

-      تدخل سياسي، بدعم احتجاجات وحراك العناصر الإثنية الموالية لروسيا، في شرق وجنوب أوكرانيا.

-      تدريب عناصر إرهابية عمدت إلى تنفيذ عدّة عمليات في مدن غرب أوكرانيا.

كما أدّت الإطاحة بالحكومة الموالية لروسيا، إلى تصعيد حالة النزاع المسلّح داخل وعلى حدود أوكرانيا، مترافقاً بتصعيد متتالٍ من قبل الأطراف المعنية (الحكومة الأوكرانية، الانفصاليين، روسيا)، ينذر باحتمال تطور الأمر إلى حرب تشمل كافة الأراضي الأوكرانية، بل ويزداد القلق في الجانب الأوكراني بأن يكون السلوك الروسي يأتي تمهيداً لإزالة الدولة الأوكرانية نهائياً وإعادتها للحاصنة الروسية.

ليصبح المشهد الميداني منتصف عام 2014 وفق الشكل التالي:

الشكل رقم (5)

المشهد الميداني في أوكرانيا منتصف عام 2014


وخاصّة أنّ القوى الانفصالية المدعومة من قبل روسيا، استطاعت أن تثبّت سيطرتها في شرق أوكرانيا، وأن تقيم منطقة عازلة مُواجِهَةً للمنطقة العازلة للقوات الأوكرانية، فيما تسعى لتوسيع مناطق سيطرتها تجاه دونستيك وماريبول، وفق المشهد الميداني في فبراير 2017.

شكل رقم (6)

المشهد الميداني العسكري في أوكرانيا-فبراير 2017


كما كان لهذا النزاع تداعيات إنسانية خطيرة، شملت ارتفاع عدد القتلى والنازحين واللاجئين، حتى باتت أوكرانيا رابع مصدِّر للاجئين عالمياً، بعد سورية والعراق واليمن. عدا ما ترتكبه كافة الأطراف من انتهاكات خطيرة تجاه السكان المحليين.

شكل رقم (7)

التداعيات الإنسانية للنزاعات المسلحة في أوكرانيا


ورغم التدخلات الدولية التي أنتجت إنشاء مجموعة النورماندي للاتصال حول أوكرانيا، المكونة من: فرنسا، ألمانيا، روسيا، أوكرانيا. وتوصلها إلى اتفاقي مينسك 1، ومينسك 2، وعدة اتفاقات لوقف إطلاق النار، إلا أن الوضع الميداني ما يزال يشهد تصعيداً في المواقف السياسية والعسكرية والاقتصادية بين الأطراف المتنازعة، مع ارتفاع حدة القلق الأوكراني. في حين أخفقت كافة جهود وقف إطلاق، والتي كان آخرها في فبراير 2017، الذي لم يدم إلا لأيام قبل أن تعاود الأطراف نزاعها. في حين تمّ الاتفاق على أن يبدأ وقف إطلاق نار جديد مع مطلع إبريل بمناسبة عيد الفصح، على أن يشمل سحب كافة الأسلحة الثقيلة من خطوط المواجهة.

شكل رقم (8)

مسارات أهم أحداث النزاع الأوكراني-الروسي (مارس 2014-مارس 2017)


ثانياً-الاستراتيجية الروسية تجاه أوكرانيا:

سبق وأن اعترفت روسيا بالوضع القانوني للحكم الذاتي لإقليم القرم ضمن جمهورية أوكرانيا، مع التعهد بالحفاظ على وحدة أوكرانيا في مذكر بودابست للضمانات الأمنية لعام 1994 (الولايات المتحدة، روسيا، أوكرانيا، بريطانيا)، مقابل تخلي أوكرانيا عن ترسانة الأسلحة النووية السوفييتية على أراضيها لصالح روسيا. وبذلك ضمنت روسيا منذ السنوات الأولى لاستقلال أوكرانيا، اختلال ميزان القوى بين الطرفين لصالح روسيا، التقليدي والنووي.

شكل رقم (9)

مقارنة لقدرات الجيش الأوكراني (1991-2012)


كما استطاعت الاحتفاظ بقاعدة لأسطولها البحري العسكري في مدينة سيفاستبول/القرم، بعقد إيجار ينتهي عام 2017، غير أنّ الرئيس السابق يانوكوفيتش أعاد عام 2011، تمديد العقد حتى عام 2042. وهنا يقوم أولى المبررات الروسية لغزو القرم، على أساس الخشية من إلغاء عقد الإيجار وإخراج الروس من القرم في حال انضمت أوكرانيا إلى حلف الناتو.

وتتمتع أوكرانيا بالأهمية الاستراتيجية الأكبر بالنسبة لروسيا، على اعتبارها أنها التماس المباشر والأخطر مع القوى الغربية، والمنطقة العازلة عنها، وخصوصاً أن جغرافية أوكرانيا تتداخل في العمق الروسي لتغدو قريبة من موسكو. وفي حال انضمامها للناتو، يصبح الناتو على حدود روسيا مباشرة. وهو المبرر الثاني الذي ساقته روسيا في دعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا.

ويتشارك بوتين مع ستالين في وجهة النظر حول الدول المجاورة الصغيرة، بأنها أسلحة في يد القوى الغربية يمكن أن تستخدمها ضد روسيا. غير أنه لا يشاركه موقفه من أوكرانيا، حيث لا يعترف بوتين بوجود أمة أوكرانية منفصلة عن الأمة الروسية، ما يعتبر مبرراً إضافياً للتوجهات العدوانية تجاه أوكرانيا.

عدا عن مبرر انتقاص حقوق الأقلية الروسية في أوكرانيا، والتصدي للدفاع عنها.

 

أنماط تاريخية مقارنة:

تذهب بعض التحليلات إلى اعتبار أن روسيا تعمل على استعادة أجواء الحرب الباردة، إلا أنّ ما يلحظ أن روسيا بوتين، عمدت إلى استعارة عدة أنماط تاريخية معاً في سلوكها الجديد نحو استعادة دورها العالمي، وذلك من خلال ما يلي:

-      النمط القيصري: ففي نصف الألفية السابقة، وتحديداً منذ القرن السادس عشر وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي، اتسمت سياسة روسيا الخارجية بالتوسّع الجغرافي بمعدل 50 ميلاً مربعاً يومياً، حيث لم يكن لها حدود ثابتة في أي من مراحلها التاريخية، وهي تعود لهذا النمط وإن بوتيرة أقل بكثير من سابقتها. عدا عن استعارة مصطلح "روسيا الجديدة" من المرحلة القيصرية.

-      النمط النازي: من خلال خطاب الأقليات الروسية المنتشرة في دول الجوار، والسعي لاعتبار موسكو وصية عليها، عدا عن فكرة المجال الحيوي الذي تسعى لبنائه منذ عام 2008. مستفيدة من التساهل الغربي تجاه التوسّع الروسي (كما حصل تجاه ألمانيا النازية).

-      النمط السوفييتي: من خلال محاولة بناء الدور الروسي على الإرث السوفييتي، ومحاولة العودة إلى خطوط الفصل الأيديولوجي إبان الحرب الباردة (شرق أوروبا، الشرق الأوسط، وسط آسيا).

-      النمط الصربي: عبر سياسة انخراط الجنود الروسي في القوات المحلية للمتمردين الانفصاليين وتدريبهم على إدارة شؤونهم العسكرية والاحتفاظ بأدوار قيادية وتوجيهية؛ لإقناع الغرب بانسحاب القوات الروسية، وأن النزاع محلي كما حصل إبان دعم صربيا لصرب البوسنة، في مقابل وجود عسكري مكثف على الحدود.

-      ويتشابه نمط المبررات المتتالية وغير المترابطة، بالنمط العراقي إبان غزو الكويت 1990.

أي أنّ بوتين بالمحصلة يسعى لبناء نمط خاص به، بالاستفادة من كافة الأنماط التاريخية التي عايشتها روسيا، محتفظاً بالإرث التاريخي تجاه الغرب، من خلال الإصرار على توظيف الخطاب القومي الروسي، والذي يظهر كذلك من خلال اتهام الأوكرانيين بالنازية والفاشية، في إشارة إلى تعاونهم مع ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية ضد الاتحاد السوفييتي.

شكل رقم (10)

تطور الدور الروسي خارجياً بعد الحرب الباردة


على أنّ عدة محددات تقوم في توجهات بوتين نحو أوكرانيا، وهي:

-      الاعتقاد بأن أوكرانيا جزء من روسيا، ضمن النظرية السوفييتية (روسكي مير/ العالم الروسي)، المستقاة من النظرية القيصرية (روسيا الجديدة).

-      الحرب الهجينة، عبر الغزو والضم والدعاية والانتخابات.

-      استغلال ضعف الآخرين.

-      الصراع الحضاري مع الغرب، باعتبار روسيا تمثل القيم المحافظة والحيوية الأخلاقية، في مقابل الديمقراطية الفوضوية الغربية، والانحلال الخلقي.

-      حق روسيا في مكانة عالمية كبرى (قطبية دولية).

 

وفيما أشارت صحيفة اندبندنت (مارس 2017)، إلى أن بوتين يبحث عن مبرر للدخول في حرب مع أوكرانيا، فإنّ اختبار مصداقية ذلك يبرز من خلال:

-      صدقية الفرضية، ويستدلّ على ذلك من خلال:

o      انسحاب روسيا من عضوية المحكمة الجنائية الدولية (نوفمبر 2016)، ما يوحي بأنّ روسيا تتحضر لمرحلة مواجهة عسكرية في عدة مناطق، وتخشى من ملاحقات قانونية دولية لما سترتكبه من جرائم حرب.

o      تنتشر قوات روسية كبيرة جداً على الحدود، تمكنها من غزو كامل أوكرانيا (تقدر بـ 40 ألف عسكري روسي، وذات العدد داخل القرم).

o      بناء قاعدة عسكرية روسية في منطقة روستوف على الحدود مع أوكرانيا، تتسع لعشرة آلاف جندي (سبتمبر 2016).

o      نمط التوسع العسكري الروسي منذ عام 2008.

o      بحث الرأسمالية الروسية عن أسواق والتطلّع للتحول إلى المرحلة الامبريالية.

o      يضاف إلى ذلك تململ روسيا من مكانتها الدولية الحالية وسعيها إلى استعادة أدوار عالمية أكبر. وخاصة أن من يدفع إلى حرب عالمية، هي القوى غير القانعة التي تكون أقل قوة من القوى المسيطرة، إنّما تحاول الاستفادة القصوى من فراغ استراتيجي مؤقت أو اختلال مؤقت في موازين القوى أو انشغال مؤقت للقوى العظمى بمشاكل أخرى، وفرض سياسة الأمر الواقع.

o      تصريح سيرغي لافروف حول "حقبة ما بعد الغرب"، في إشارة إلى الصعود الروسي في مقابل انتهاء مرحلة القطبية الأحادية (مؤتمر ميونخ، فبراير 2017).

o      تصريحات الرئيس الأوكراني بوروشينكو حول نوايا روسيا بغزو أوكرانيا.

-      صدقية الفرضية جزئياً، وتقوم على تكرار نمط جورجيا، من خلال ترسيخ انفصال شرق أوكرانيا، ودولنته أو إلحاقه بروسيا، أو منحه حكماً ذاتياً على الأقل، وما يؤكّد هذا التوجه:

o      لم يعهد عن روسيا بوتين، تراجعها عن مواقفها، حتى حصولها على شيء من المكاسب، يرضي تطلعاتها الدولية.

o      سعي زعيم انفصالي دونستيك للسيطرة على كامل دونباس، إما بالقوة أو عبر المفاوضات السياسية. واعتماده في حربه بشكل كلي على روسيا، وبالتالي هي قادرة على إجباره على القبول بتسويات دولية (كما حصل مع زعيم صرب البوسنة).

o      اعتماد الانفصاليين الروبل الروسي عملة لمناطقهم (مارس 2017).

o      وفقاً لاعترافات الكرملين، فإن العديد من الروس يقاتلون إلى جانب الانفصاليين بشكل تطوعي.

o      هدف روسيا الحالي المعلن، القبول باتفاق مينسك 2، ورفع الحصار وإجراء انتخابات محلية وتعزيز الحكم الذاتي ضمن مفاوضات مباشرة مع الانفصاليين.

o      غالبية الحدود الروسية-الأوكرانية خارج سيطرة الحكومة الأوكرانية.

-      إلا أنّ جملة عوامل تعيق السيناريوهين السابقين، (عدم صدقية الفرضية)، والتي يمكن للحكومة الأوكرانية الاستفادة منها في توجهاتها المقبلة، ومن أبرزها:

o      أنّ المناطق الانفصالية بحاجة مليارات الدولارات لإحداث تنمية اقتصادية في المناطق الانفصالية، لا تتوفر لها، فيما تشكل عبئاً ضخماً على الاقتصاد الروسي، الذي شهد انخفاض الناتج القومي الإجمالي من 2 تريليون دولار عام 2013 إلى 1.2 تريليون دولار عام 2016، إثر انخفاض أسعار النفط والغاز عالمياً، وخصوصاً أن 70% من الموارد الروسي قائم على صادرات الطاقة.

o      القوات الانفصالية غير متماسكة أيديولوجياً، حيث يتداخل فيهم مرتزقة وقوقاز وشيشان وجماعات الجريمة المنظمة ومتطرفون روس وجنود روس، بحيث باتوا أشبه بأمراء الحرب (خطف، سرقة، تجارة مخدرات، إعدامات، تهريب، مكاسب شخصية)، وقد تعمّد بوتين التخلص من بعضهم بعد كارثة الطائرة الماليزية.

o      رصدت مجموعة الأزمات موافقة بعضهم على اتفاق مينسك الأول والحاجة إلى السلام، فيما دفع آخرون نحو تصعيد الأزمة وتوسيع المجال الجغرافي. وسعي مجموعة منهم إلى إفشال اتفاق مينسك والمطالبة بمناطق عازلة بينهم وبين القوات الحكومية وتوسيع المناطق العازلة نحو الغرب (مطامع توسعية).

o      في حين أرسل زعيم الشيشان قاديروف مقاتلين لمساندة الانفصاليين، فقد تطوّع مقاتلون شيشان إلى جانب الحكومة الأوكرانية. إذ أدت الحرب إلى تنشيط الحركات الإسلامية المتطرفة اليمينية في الشيشان وسعيها لمواجهة روسيا من جديد في أوكرانيا. ويرى أنصار هذه الجماعات أن قتالهم إلى جانب أوكرانيا هو أولى من القتال في الشرق الأوسط إلى جانب التنظيمات المتطرفة، لكنهم يطالبون بضمانات قانونية تمنع تقديمهم لاحقاً كإرهابيين، وفي حال توفر هذه الضمانات فإنها ستكون مقدمة لانضمام واسع من قبل مقاتلي الشيشان. وهو ما سيتحول إلى تهديدٍ أمني لروسيا التي يشكل فيها المسلمون 15% من سكانها.

وتعترض بوتين بعض المعيقات الداخلية، ومنها:

-      انتقادات اليمين الروسي المتطرف لبوتين، لأنه لا يقوم بما يجب لحماية المصالح الروسية في أوكرانيا.

-      تصاعد حدة المعارضة الروسية لبوتين، لكنه لا يزال يحصل على تأييد 70% من الشارع الروسي حسب الاستطلاعات الروسية لعام 2016.

-      استحقاق الانتخابات الرئاسية لعام 2018.

-      استحقاق مونديال كأس العالم لعام 2018.

لذا يبدو أنّ تصريحات الرئيس الأوكراني بتحضيرات روسية لغزو أوكرانيا عام 2018، مرتبطة بإنجاز الاستحقاقات الروسية الداخلية، وضمان استمرارية بوتين في السلطة وقمع معارضيه.

ووفق الأنماط الروسية المعتادة، فإنّ موقف بوتين من أوكرانيا سيكون بأحد الاتجاهات التالية:

-      إنشاء حكومة تابعة لموسكو في كييف.

-      إنشاء أقاليم حكم ذاتي تابعة لموسكو.

-      فصل أقاليم ودولنتها وتبعيتها لموسكو.

-      احتلال مناطق وضمها إلى روسيا.

مكرِّساً استنزاف أوكرانيا عبر الأدوات التالية:

-       الاستنزاف العسكري، من خلال استمرار دعم الأطراف الانفصالية، والتي ثبتت عدم قدرة أوكرانيا على التغلب عليهم، أو بالأصح، على الآلة العسكرية الروسية. ما يشكل استنزافاً للقدرات العسكرية الأوكرانية من جهة، وتشجيعاً على مزيد من الانشقاقات في الجيش الأوكراني التي بدأت تظهر منذ عام 2014. (منها إحباط ثلاث محاولات لتهريب طائرات عسكرية أوكرانية إلى روسيا 2014-2016، وانشقاق قائد سلاح البحرية الأوكرانية وإعلان قسم الولاء لمنطقة القرم مارس 2014).

-      الاستنزاف الاقتصادي: سواء من خلال استمرار العمليات العسكرية، أو باستمرار الضغوطات الاقتصادية الروسية على أوكرانيا، التي أفقدتها حصة كبيرة من دخلها المحلي الإجمالي.

-      الحرب لإلكترونية، التي أطلقت في نوفمبر-ديسمبر، 2016، قرابة 6500 هجمة إلكترونية على أهداف أوكرانية، شملت وزارة المالية والدفاع والخزانة وشبكة الكهرباء.

 

ثالثاً-المواقف الدولية من التطورات الأوكرانية:

استغلت روسيا فرصة سياسية دولية تمتاز بقطبية عالية المرونة مع أزمات مالية تطال عدة دول غربية، وانسحاب أمريكي من عدة نقاط استراتيجية، وخصوصاً في الشرق الأوسط، حتى تطلق مشروعها تجاه أوكرانيا. مُدرِكة أنّ رد الفعل الغربي لن يتطور إلى حد المواجهة أو إسناد أوكرانيا عسكرياً، إذ اقتصرت الردود الغربية على:

-      فرضت الولايات المتحدة عقوبات تشمل تجميد أصول وحظر سفر لـ 20 مواطناً روسياً ومنع التعامل مع بنك روسيا. وأعلنت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي أمام مجلس الأمن الدولي، 2/2/2017، أنّ العقوبات ستبقى مفروضة على روسيا "حتى تعيد روسيا سيطرة أوكرانيا على شبه جزيرة القرم".

-      جمدت اليابان مفاوضات مشتركة حول الفضاء والاستثمارات وألغت تأشيرات الدخول للروس.

-      فرضت أوروبا عقوبات على 200 شخصية ومنظمة روسية وأوكرانية متهمة بتهديد وحدة أراضي أوكرانيا وسلامتها، تشمل تجميد ممتلكات وفرض حظر دخول. وقد أعادت المحكمة الأوروبية إقرار قانونية العقوبات على الشركات الروسية (28/3/2017).

-      ألغت إسبانيا اتفاقاً مع روسيا لإطلاق قمر صناعي، يوليو 2016.

وقد ردت روسيا بفرض عقوبات على الدول الغربية، وربطت رفعها بتنفيذ اتفاقي مينسك بشكل كامل. غير أنّ أثر العقوبات الغربية يبدو أكبر، وذلك في اتجاهين:

-      على الطرف الروسي، وخصوصاً تجاه الحاضنة الرأسمالية المؤيدة لبوتين.

-      على الطرف الأوروبي، الذي يتطلع للسوق الروسية لتجاوز أزماته.

وفي كلتا الحالتين، نأى الطرفان بعقوباتهما عن موضوع إمدادات الغاز، التي ما تزال تمثل أولوية على القضايا السياسية الأخرى.

في المقابل، اقتصرت المساعدة التي قدمتها الدول الغربية لأوكرانيا، على الأشكال التالية:

-      مساعدات مالية:

o      أعلنت مفوضية الاتحاد الأوروبي عن تخصيص 18 مليون يورو لدعم المتضررين من النزاع في جنوب شرق أوكرانيا (فبراير 2017).

o      وافقت المفوضية الأوروبية على منح أوكرانيا قرضاً بقية 600 مليون يورو (مارس 2017). وبالتالي ستصل القيمة الإجمالية للمساعدات الأوروبية منذ عام 2014 إلى 2.81 مليار يورو.

o      وافق صندوق النقد الدولي في مارس 2015، على برنامج لمدة 4 سنوات لتقديم مساعدات مالية لأوكرانيا قدرها 17.5 مليار دولار في إطار برنامج قيمته 40 مليار دولار، وتطالب روسيا بإدراج ديونها في البرنامج.

o      أجّل البنك الدولي مناقشة منح شريحة قرض لأوكرانيا بمقدار مليار دولار (18/3/2017).

-      مساعدات عسكرية محدود للغاية:

o      وصول 4 سفن حربية تابعة للناتو إلى ميناء أوديسا الأوكراني لتدريب البحرية الأوكرانية على أن تظل حتى 20 إبريل (17/3/2017).

o      وصول مدمرة بريطانية إلى مياه البحر الأسود، لتوفير المساعدة والحماية لـ 650 جندي بريطاني يدربون القوات الأوكرانية (يناير 2017).

o      نشر 400 جندي ألماني في ليتوانيا (مارس 2017).

o      وفقاً لجون ماكين، فإن مجلس الشيوخ الأمريكي أقر قانوناً بمنح 500 مليون دولار مساعدات عسكرية لأوكرانيا للعام المالي 2017، بشرط تحسين معاملة النازحين والمواطنين (أغسطس 2016). ولا يُعلم إن كانت إدارة ترامب ستفعِّل هذا القانون، أم ستلجأ إلى إلغائه أو تجميده.

o      في المقابل تعارض ألمانيا وفرنسا إرسال أسلحة إلى أوكرانيا، ولا ترغب أوروبا عموماً بتزويد أوكرانيا بأسلحة فتاكة حتى لا تكون سبباً في دفع بوتين إلى مزيد من التدخل العسكري.

 

أوروبا:

تقود فرنسا وألمانيا جهوداً أوروبية عبر مجموعة النورماندي لتحقيق اتفاقي مينسك، دون أن يكون لها كثير أثر في النزاع، وربما يكون ذلك سبب غياب روسيا عن اجتماع المتابعة في 24/3/2017، عدا عن عدم رغبة روسيا في منح كثير نفوذ لأوروبا في أوكرانيا. في المقابل تتصدّر بريطانيا جهود تصعيد العقوبات تجاه روسيا.

فيما يتكرر نمط أوروبي، في خذلان أوكرانيا، كما حصل تجاه دول شرق أوروبا في مواجهة سياسات هتلر قبيل الحرب العالمية الثانية، عدا عن تقاعس سابق في ضم أوكرانيا إلى المؤسسات الغربية (الاتحاد الأوروبي، الناتو)، قبل أن يكون لروسيا دور في عرقلة ذلك.

ويبدو أنّ الموقف الغربي ما زال يميل إلى أن يكون أكثر تنازلاً في الملف الأوكراني، وتحديداً الألماني والفرنسي، عدا عن أن أوروبا غير قادرة على العمل كهيئة موحدّة عندما يتعلق الأمر بروسيا، إضافة إلى دور مستوى الاعتمادية العالي بين روسيا وأوروبا (وخصوصاً في مجال الطاقة)، ما يعيق بناء مسار مواجهة مع روسيا. وإن كانت فرنسا وألمانيا تدعمان علناً الحكومة الأوكرانية، لكنهما منزعجتان من عدم تقديمها تنازلات، من مثيل: إقرار الحكم الذاتي للمناطق الشرقية وتشكيل قوات شرطة شعبية فيها.

ويضاف إلى ذلك، أنّ الاتحاد الأوروبي يقع تحت ضغط مجموعة كبيرة من التحديات الحالية، تقيّد دوره العالمي، ومن أبرزها:

-      خروج بريطانيا من الاتحاد، وبحث دول أخرى لاحتمالية خروجها.

-      تدفق اللاجئين، بما يفوق قدرة أوروبا على تحمّله.

-      صعود مناهضي الديمقراطية.

-      صعود اليمين القومي المتطرف.

-      صعود مؤيدي بوتين في فرنسا وهولندا وألمانيا.

-      أزمات مالية وسياسية في عدة دول، وخصوصاً في دول جنوب أوروبا.

-      الإرهاب.

وفيما تبقى المقاربة الأوروبية قائمة على فكرة ما بعد الوطنية وما بعد القومية، محاولة طرح حلول للأزمات العالمية المستحدثة، إلا أن هذه المقاربة، وإن كانت مجدية داخل أوروبا، إلا أنها لا تتناسب مع البيئة الدولية التي لم تشهد ذات المقاربة، وما تزال تعيش حالة الصراعات القومية والحروب التقليدية.

وتقع عدة دول أوروبية غربية عام 2017، في ظل استحقاقات انتخابية، يتصاعد فيها فرص وصول اليمين القومي، وهو ما قد يؤثر في التوجهات الخارجية لهذه الدول.

 

الولايات المتحدة:

رغم أنّ إدارة أوباما فرضت عقوبات على روسيا، وتأكيد إدارة ترامب على استمرارية هذه العقوبات، إلا أنّ التوجهات الأمريكية الجديدة لا توحي بنمط مواجهة بين الدولتين. ووفق صحيفتي تايمز البريطانية وبيلد الألمانية (يناير 2017)، فإنّ لدى ترامب رغبة في إبرام اتفاق مع روسيا على حساب أوكرانيا، يتضمن رفع العقوبات مقابل تخفيض روسيا تسليحها النووي.

وتذهب بعض التحليلات إلى أنّ روسيا أهم بكثير للولايات المتحدة من أوكرانيا، بسبب حجمها واقتصادها وجيشها، ما يضعف المصالح الاستراتيجية ذات الأولوية العالية جداً للإدارة الأمريكية في أوكرانيا. وترى أنّ موقف الولايات المتحدة من أوكرانيا يتناسب عكسياً مع موقفها من روسيا (الطقس السيء صديق لأوكرانيا).

أي أنّ الولايات المتحدة تستخدم أوكرانيا بشكل تكتيكي للموازنة مع روسيا والتعبير عن استيائها من السلوك الروسي، إلا أنها ذات أبعاد أكثر استراتيجية في الدفاع الأوروبي. وبالتالي فإن دور أوكرانيا مشابه لدور ألمانيا الغربية في الحرب الباردة.

فيما ترى طروحات أخرى أنّ إدارة ترامب قد تلجأ إلى مقايضة الملف الأوكراني بالإيراني.

وتسعى أطراف جمهورية في الولايات المتحدة إلى حثّ إدارة ترامب على مزيد من التشدد تجاه روسيا، وتحديداً النائبين جون ماكين، وجو بايدن.

ويعتقد الخبير الروسي، فاتشسلاف ماتوزوف، أنّ هناك استراتيجية أميركية تقوم على توريط روسيا في حروب متفرقة وعلى جبهات متباعدة، لتشتيت قوة الجيش واستنزاف الاقتصاد الروسي سواء بالحروب أو بالعقوبات الاقتصادية. وأنّ هذا يحدث في ظلّ أزمة اقتصادية شديدة وعقوبات غربية يواجهها الاقتصاد الروسي، مما سيؤدي إلى استنزافه أكثر، خصوصاً أن الاستراتيجية الأميركية تقوم على إطالة أمد النزاعات سواء في أوكرانيا أو سورية.

وهو ما أكّد عليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: "لدى صقور واشنطن خطط لجر روسيا إلى خوض حروب على جبهتين، وهم لا يقومون بأية مساعٍ لتخفيف حدة التوتر في أوكرانيا، بل على العكس يعملون على إثارة مراحل جديدة من التصعيد في منطقة دونباس جنوب شرقي أوكرانيا كي لا يشعر الروس بأن وجودهم في سورية وكأنهم في العسل".

 

تركيا:

تحاول تركيا الاستفادة من الملف الأوكراني في موازنة علاقتها بروسيا، وخصوصاً مع تدهور العلاقات في الآونة الأخيرة، على خلفية دعم روسيا للانفصالين الأكراد في سورية، ما قابله عودة الدعم التركي للحكومة الأوكرانية بشكل متصاعد، من خلال تأكيد رئيس الوزراء يلدريم دعم تركيا لسيادة أوكرانيا على القرم، ووحدة أراضيها (14/3/2017)، في بيان مشترك مع نظيره الأوكراني في أنقرة. مع تقديم الدعم لها من خلال توقيع اتفاقيات:

o      دخول مواطني الدولتين للسياحة بالبطاقة الشخصية.

o      رفع حجم التبادل التجاري إلى 20 مليار دولار.

o      تطوير التعاون في مجالات العلوم والتعليم.

o      التحضير لتوقيع اتفاقيات لاحقة تشمل مجالات التجارة الحرة وحماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي.

 

 

رابعاً-دور العامل الاقتصادي:

أدى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم إلى حرمان أوكرانيا من 4% من الناتج المحلي الإجمالي. فيما خسرت 10% من ناتجها المحلي الإجمالي عقب التدخل الروسي لدعم الانفصاليين في شرق البلاد. ومع انخفاض إنتاج منطقة الدونباس بنسبة 70% في الأشهر التي تلت ذلك، كلف ذلك أوكرانيا نحو 7% إضافية من ناتجها المحلي الإجمالي.

عدا عن أثر العقوبات التجارية الروسية في خفض صادرات أوكرانيا إلى روسيا بنسبة 70%، ـ والذي يمثل انخفاضاً بنسبة 18% في إجمالي صادرات أوكرانيا (انخفضت حصة روسيا من الرصيد الكلي للتجارة الخارجية الأوكرانية إلى 8% فقط في ديسمبر 2016). ووفقاً للتقديرات فإنّ الخسارة من المرجح أن تعادل انخفاضاً في الناتج المحلي الإجمالي الأوكراني بنسبة 6%، وبما يقدر بخسارة 15 مليار دولار سنوياً.

يّضاف إليها، أثر القيود الروسية على عبور البضائع الأوكرانية باتجاه كازاختسان وقيرغيزستان، والتي أدت إلى انخفاض صادرات أوكرانيا إلى دول آسيا الوسطى بنسبة 40%، أو ما يعادل 400 مليون دولار.

أمّا العامل الاقتصادي الأبرز، فيمكن في أنابيب نقل الغاز عبر أوكرانيا، حيث تمر منها 80% من صادرات الغاز الروسي، وما يعادل ربع الاستهلاك الأوروبي، عدا عن أن أوكرانيا تستورد قرابة ثلثي احتياجاتها من الغاز من روسيا. ما يؤكد القيمة الاستراتيجية الاقتصادية لأوكرانيا في السياسات الروسية (المعبر الاقتصادي نحو الغرب).

شكل رقم (11)

خطوط نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا


ورغم وقوع عدة أزمات سابقة بسبب ديون أوكرانيا لروسيا، الناجمة عن مبيعات الغاز، إلا أن الطرفين ما زالا ينحيان هذه القضية عن نزاعهما، نسبياً ومؤقتاً.

حيث أعلن أليكسي ميلر، رئيس مجلس إدارة شركة "غازبروم" (مارس 2017)، أنّ مخاطر توريد الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا، ما زالت قائمة. وفيما يتعلق بتنفيذ نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا إلى أوروبا، بموجب العقد الذي ينتهي في 2019. قال ميلر: "لم يتم بعد حل مسألة تمديد العقد. وفي حال توقيع عقد جديد، فإن أوكرانيا اعتبارا من عام 2020 ستنقل نحو 10-15 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً عبر أراضيها". وسبق لبوتين أن أعلن في فبراير 2017، أن عبور الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي عبر أوكرانيا قد يستمر بعد العام 2019، في حال كان ذلك مجدياً من الناحية الاقتصادية، وموثوقاً، وأن روسيا لا تضع أمامها أي أهداف ذات طابع سياسي فيما يخص الترانزيت عبر أوكرانيا.

ويعتبر موضوع الغاز أحد المحددات الأساسية الكبرى التي تحكم توجهات الدول الأوروبية تجاه النزاع الأوكراني-الروسي، وخصوصاً ألمانيا التي تستورد ثلث احتياجاتها من الطاقة من روسيا، وهي الشريك التجاري الأوروبي الأول لروسيا.

وكما أن أوروبا وتحديداً ألمانيا تخشى من قطع روسيا لإمدادات الطاقة إليها، فإنّ روسيا كذلك تخشى فقدان زبائنها الأساسيين الأوروبيين، في وقت يشهد سوق الطاقة العالمي منافسة عالية الحدة بين المنتجين، ولا يمكن لروسيا تعويض الزبائن الأوروبيين بسهولة أو بسرعة.

فيما تسعى روسيا لاستبدال غالبية خطوط نقل الغاز عبر أوكرانيا عبر مشروع السيل الشمالي-2، الذي يربطها بألمانيا مباشرة عبر أنبوبين عبر البحر، وبسعة إجمالية تقدر بـ 55 مليار متر مكعب سنوياً. دون الحاجة إلى الدول الوسيطة، ما سيعني فقدان أوكرانيا 2 مليار دولار من عائدات الترانزيت سنوياً، وخسارة سلوفاكيا مليار دولار كذلك.

شكل رقم (12)

خط السيل الشمالي-2


أما العامل الاقتصادي الآخر في علاقة الدولتين، فيتمثل في ديون روسيا على أوكرانيا، التي بلغت 3 مليار دولار في يوليو 2016، وهو دين سيادي/دين دولة، عدا عن فوائده التي تجاوزت 75 مليون دولار، في حين ترفض أوكرانيا سداده. وقد أقرت المحكمة البريطانية العليا (29/3/2017) بتلك الديون وضرورة دفعها. وهو مبلغ سيشكل عبئاً كبيراً على الموازنة الأوكرانية المتلقية للمساعدات الغربية.

 

خامساً- الموقف الأوكراني الحالي:

أدّى الخطاب القومي الروسي، إلى ردّ فعل أوكراني موازٍ له، من خلال:

-      تصاعد الحراك القومي اليمني الأوكراني المكون من: القطاع الأيمن، حزب الحرية، الفيلق الوطني.

-      سيطرة الأحزاب القومية والمتطرفة على البرلمان الأوكراني ورفضها منح أي صلاحيات للمناطق الانفصالية.

-      وجود كتائب/ميليشيات أوكرانية متطرفة اتخذت نفس السلوك والانتهاكات، والتي غالباً ما يتم تمويلها من قبل متطرفين أوكرانيين يطالبون بتنحية الرئيس لصالح رئيس أقوى وأكثر حماساً. ومن أبرزها: جيش أخمتوف، ومجموعة بريغات بقيادة القاصر الأوكراني إيهور كولومويسكي.

ورغم أنّ الأطراف الأوكرانية اليمينية تسعى إلى تصعيد الموقف العسكري تجاه الانفصاليين وروسيا، إلا أنه وفق تقرير لمعهدين أوكرانيين (ديسمبر 2016)، فإنّ 14% فقط من الأوكرانيين يرغبون في استمرار المعارك حتى استعادة الأراضي المحتلة. أي أنّ مجريات العمليات العسكرية، باتت تمثل عبئاً إضافياً على المواطنين الأوكرانيين، بل وربّما تدفعهم إلى الضغط على الحكومة لإقرار مسارات سياسية سلمية، أو حتى الإطاحة بها.

ويمكن الاستدلال على ذلك من استطلاع لمؤسسة غالوب بداية عام 2016، إذ أبدى 17% تأييداً للرئيس بوروشينكو وهي نسبة أقل من التي حظي بها يانوكوفيتش قبل الإطاحة به. ووافق 8% على أداء الحكومة برئاسة ياتسينيك، فيما أعرب 36% منهم أنهم يعانون منها.

وفي حين أنّ الفساد كان أحد المحركات الرئيسة للإطاحة بالرئيس يانوكوفيتش وحكومته، حيث أظهر استطلاع لشركة إيريكس لعام 2013، بأنّ 100 شخص من النخبة السياسية الأوكرانية (0.00003% من مجموع السكان) يسيطرون على 80-85% من ثروات أوكرانيا. فإنّ هذا المحرك ما يزال قائماً رغم كل الجهود التي تبذلها حكومة بوروشينكو، والتي أدّت إلى أن تنخفض هذه النسبة إلى 70% عام 2015، مع إجراءات أكثر صرامة عام 2017، تحت ضغوط المؤسسات الغربية.

وخصوصاً أن أوكرانيا باتت تحت جملة من التهديدات عالية الخطورة، يأتي في مقدمتها:

-      التهديد الوجودي من قبل روسيا (الاجتياح أو التقسيم).

-      التهديد الاقتصادي المتصاعد، نتيجة استنزاف الموارد في النزاع المسلح من جهة، وفقدان جزء كبير من موارد الخزانة الأوكرانية التي كانت تأتي عبر روسيا أو المناطق الانفصالية.

-      عدم موثوقية أوروبا، التي من الممكن أن تقدم تنازلات لروسيا على حساب أوكرانيا.

-      خضوع علاقة أوكرانيا بالولايات المتحدة، لطبيعة العلاقات الروسية-الأمريكية.

-      تأثير الانقسام الإثني في المناطق الغربية، بل وحتى ضمن الجيش الأوكراني، الذي قد يشهد مزيداً من حالات انشقاق لصالح روسيا.

ويعتمد الرئيس الأوكراني ثلاثة آليات معاً، في مواجهة هذه التحديات:

-      محاولة الانضمام إلى المؤسسات الغربية، وتحديداً إلى الناتو للحصول على حماية غربية واسعة في مواجهة روسيا. عدا عن تقدم البرلمان الأوكراني بطلب إلى الكونغرس الأمريكي لتوقيع اتفاقية دفاع مشترك ومنح أوكرانيا وضع حليف أساسي للولايات المتحدة خارج إطار حلف الناتو (22/3/2017). غير أنّ شروطاً قاسية ما تزال أمام أوكرانيا للانضمام إلى الهياكل الغربية، تتمثل في إصلاحات في قطاع الأمن والدفاع والاقتصاد، لا توحي بأن انضمام أوكرانيا سيكون في المدى المنظور. عدا عن أنّ النزاع الحالي سيدفع الأطراف الغربية إلى تأخير انضمام أوكرانيا إلى هياكلها إلى حين تسوية النزاع، خشية الاضطرار إلى مواجهة روسيا.

-      تأليب الغرب على روسيا: كما في مطالبة الرئيس الأوكراني بفرض عقوبات جديدة على روسيا بعد اعترافها بوثائق الانفصاليين (فبراير 2017).

-      إلا أن الآلية الأبرز في سلوكه، تتمثّل عبر دبلوماسية التخويف من روسيا، والتأكيد على نواياها العدوانية أبعد من أوكرانيا، من ذلك تصريحاته في 22/2/2017:

o      دعوته جمهوريات البلطيق وبيلاروسيا للاستعداد لأية مفاجآت من قبل موسكو.

o      تأكيده أن هناك تهديدات باندلاع "حرب شاملة" مع روسيا، مشيراً إلى أن "الوحدة العسكرية الروسية في الجنوب الشرقي، في ترانسنيستريا، يمكن أن تستخدم للهجوم على أراضينا، وهي تهدد حدودنا".

وفي حين تبقى سلطة الرئيس الأوكراني غير مستقرة، في وقت تبدو أوكرانيا الأضعف، ما قد يدفعها إلى تقديم تنازلات للطرف الروسي، فإنّ أمام الطرف الأوكراني خيارات تتمثل في:

-      ضرورة إعادة هيكلة الجيش الأوكراني، وإعادة تسليحه بشكل جيد، وتعزيز تحصيناته، أو الاستعاضة عنه بقوة متنقلة عالية المهنية.

-      التحرر من التبعية الاقتصادية لروسيا.

-      التصدي للقوة الناعمة الروسية (البحث عن العالم الروسي/القومية الروسية)، من خلال دعم الهوية الأوكرانية لغة وممارسة وتاريخاً.

-      إقامة علاقات تعاون عالي المستوى مع الدول التي تشهد حالات تهديد روسي وخصوصاً مع دول البلطيق، وهو ما سبق وأن تراجعت عنه أوكرانيا لصالح الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. غير أنه تمّ إنعاش الفكرة مؤخراً ضمن ما عُرِف بمشروع انترمياريوم (Intermarium Project)، نتيجة سياسات بوتين العدوانية، والاستجابة الغربية الضعيفة، ويشمل المشروع تركيا أيضاً.

-      استخدام خطاب المصالح وتعزيزها، مع الغرب، عوضاً عن خطاب التخويف من روسيا، بغية توفير حماية غربية أوسع.

كما يتوجب على الحكومة الأوكرانية إدراك صعوبة عودة القرم والمناطق الانفصالية إلى سلطة كييف، وبالتالي فهي تقع أمام خيار الاستمرار في الاقتتال والاستنزاف، أو قبول الحكومة الأوكرانية لسياسة الأمر الواقع، عبر تطوير اتفاقيات مينسك باتجاه قيام فدرالية أو كونفدرالية في أوكرانيا، وذلك يتطلب مفاوضات مباشرة مع الانفصاليين دون انتظار التحكّم الروسي بهم.

وما يؤكد نية روسيا في عدم إرجاع ما تمّت السيطرة عليه من مناطق، جملة تصريحات، أبرزها:

-      نفت ماريا زاخاروفا، الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، أن تكون إعادة القرم إلى أوكرانيا مطروحة بأي شكل من الأشكال، وشدّدت على أن روسيا لن تتخلى عن أي جزء من أراضيها (فبراير 2017).

-      شدد فيكتور أوزيروف، رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد الروسي، على أن: "القرم جزء من روسيا وتبقى كما هي، ولا تخضع للمساومة بين الولايات المتحدة وروسيا، مهما كان الرهان على ذلك ... المطالبة بإعادة القرم لأوكرانيا أمر مستحيل، يشبه المطالبة بعودة منطقة ألاسكا لروسيا" (فبراير 2017).

-      اعتبر السيناتور أوليغ موروزوف، المسؤول السابق عن إدارة السياسة الداخلية في الكرملين، أنّ على البيت الأبيض الامتناع عن توجيه طلبات إلى موسكو لا يمكن قبولها من حيث المبدأ (فبراير 2017).

 

سادساً-سيناريوهات المدى المنظور:

توقعت شركة Stratfor، لعام 2017، توسّع دائرة النفوذ الروسي في أوروبا، مشيرة إلى احتمال عودة أوكرانيا إلى هذه الدائرة قريباً. وأنّ بعض الدول الأوروبية، وفي مقدمتها إيطاليا وفرنسا والنمسا، ستصرّ على تحسين العلاقات مع روسيا ورفع العقوبات عنها. وتنبأت الشركة برفع العقوبات الغربية عن روسيا بشكل جزئي أواخر العام. وشكّك محللو Stratfor في فرص أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا في مواصلة عملية التكامل مع الاتحاد الأوروبي عام 2017، وأن ذلك سيدفع بالدول الثلاث إلى بناء علاقات براغماتية بقدر أكبر مع موسكو.

فيما طرح هنري كسنجر مشروعاً للتسوية (ديسمبر 2016)، يقترح فيه على الرئيس الأمريكي ترامب، التنازل لروسيا عن النفوذ في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة، بما فيها أوكرانيا، على أن تقدِّم روسيا ضمانات أمنية في دونباس، مقابل توقف الغرب عن الاستياء إزاء انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، ولكن من دون اعتراف غربي رسمي بالجمهورية، بحيث لا تبقى المشكلة عالقة. وذلك بهدف تعزيز العلاقات الأمريكية-الروسية تحضيراً لمواجهة الصين.

ويبدو أنّ أوكرانيا تواجه أحد الخيارات التالية في المدى المنظور:

-      سيناريو الصراع المجمّد: توقف القتال دون تسوية سياسية نهائية، لكنه غير مرجح، لأن روسيا لا تفضله بل تذهب بعيداً في تعزيز البعد الانفصالي.

-      سيناريو الصراع المعقد (دون تصعيد كبير): بحيث تبقى حالة اللاحرب واللاسلم، مع إطالة أمده، وستكون تكاليفه باهظة للغاية سياسياً واقتصادياً على أوكرانيا. ويمكن أن يترافق بمزيد من العقوبات الروسية عبر قطع إمدادات الغاز نهائياً عن أوكرانيا بهدف تثبيت حالة الفوضى في الاقتصاد الأوكراني (حرب استنزاف). وهو سيناريو لصالح روسيا، ويتطلّب منها صبراً استراتيجياً.

-      سيناريو التصعيد العسكري الكبير: حيث زادت روسيا من دعمها للانفصالين بشكل كبير خلال الفترة 2014-2016، إلا أن تكاليفه على روسيا ربما تشهد مزيداً من العقوبات الغربية، وتقديم مساعدات عسكرية فتاكة لأوكرانيا، فيما لا تبدي روسيا اهتمامها بتلك العقوبات حتى الآن، رغم تأثيرها السلبي على الاقتصاد الروسي. كما أن الاقتصاد الأوكراني سيعاني كثيراً في هذا السيناريو.

 

ويمكن تحديد اتجاه السيناريوهات من التساؤل حول سبب عدم ضمّ القوات الروسية في مايو 2014، المناطق الانفصالية الشرقية، كما فعلت إزاء القرم، في ظلّ بيئة دولية كانت ستتجاوز هذه المسألة. حيث يبدو أن هدف روسيا أبعد من دعم متطرفي هذه المناطق في الاستحصال على كيان ذاتي، بل يتجلّى من خلال استنزاف الحكومة الأوكرانية إلى أقصى درجة قبل توسّع روسي أو حرب ربما تشمل مناطق أوسع من شرق أوكرانيا، بل ربما تشمل مطامع روسية في كامل أوكرانيا.

ولا يبدو أن روسيا لا تكترث كثيراً للدعاوى التي ترفعها الحكومة الأوكرانية أمام محكمة العدل الدولية ومنظمة التجارة العالمية ضدها، أو لتحركات الناتو المحدودة في جوارها.

 

د. عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري

 

 

للمزيد حول هذه القضية، انظر المراجع التالية:

-       Alexander J. Motyl, "A Grand Strategy for Ukraine: How to Navigate Between Russia and the West", Foreign Affairs, 5/4/2016.

-       Alexander J. Motyl, "When Ukraine Lost Donetsk: The World According to Alexander Zakharchenko", Foreign Affairs, 22/11/2015.

-       Alexander J. Motyl, "The West Should Arm Ukraine: Here's Why-And How", Foreign Affairs, 10/2/2015

-       Andres Aslund, "Russia's War on Ukraine's Economy", Project Syndicate, 9/7/2015.

-       Pavlo Klimkin, "Putin's Desire for a new Russian Empire won't stop with Ukraine", The Guardian, 25/3/2017.

-       Paul Stronski, "Broken Ukraine: The Mess Isn't All Russia's Fault", Foreign Affairs, 17/3/2015

-       Samuel Charap, "Forcing Kiev's Hand: Why Russia Won't Accept a Frozen Conflict Ukraine", Foreign Affairs, 9/9/2015.

-       Stephen Kotkin, "Russia Perpetual Geopolitics: Putin Returns to Historical Pattern", Foreign Affairs, May/June 2016.

-       Taras Kuzio, "Ukraine Reignites: Why Russia Should be Added to the State Sponsors of Terrorism List", Foreign Affairs, 25/1/2015